الأربعاء، 11 أبريل 2012

مفيش جدار

الخيال في مواجهة الديكتاتور






لا يتعلم الديكتاتور أبداً أن الجدران لا تملك حمايته، لا يمكنه تخيل أن الوصول إليه يكون أسهل عندما يختبئ هكذا، فهو بيده يضع علي نفسه علامة لمن قد يستغلق عليه الأمر، وتستعصي عليه ألغاز السياسة... "هنا مقر الديكتاتور"، هذا ما ينقص الجدران التي تمزق شارع قصر العيني وجاردن سيتي، والتي حولت المنطقة إلي ثكنة عسكرية مع مئات من العساكر والضباط والعربات المصفحة والأسلاك الشائكة، وكأنها معابر أقامتها سلطات احتلال ما، فشلت في التواصل مع الأهالي فلجأت إلي الحل الذي يؤشر علي مدي يأسها، ولم يبق إلا أن تضع شروطاً للمرور وتدقق في هويات العابرين.
المفارقة أن الثورة التي قامت تطالب بالحرية واجهها من قالوا إنهم يحمونها، ويسهرون علي تنفيذ مطالبها بعشرات الحوائط، تفصل بينهم وبين الناس من غير أن يمنعهم هذا من القسم علي أنهم كانوا من طليعة الميدان، أما الثورة ذاتها فباقية ومصونة، والآن يمكنك إرسال أغانيها رنة لموبايلك، كما يبشر بذلك الإعلان التليفزيوني علي إحدي القنوات الحكومية، عقب فترة من الأغاني الوطنية التي تمجد اسم مصر...
لم يتغير شيء. لا، عذراً، فللحق والتاريخ هناك بعض الأمور قد تبدلت، وأهمها خلفيات الأغاني.. لم يعد فيها المخلوع وإنجازاته، حل الثوار والشهداء بدلاً منه، محاولة للتأكيد علي نجاح الثورة وتغير الأمور، لكن ما لن يتغير أبداً... اسم مصر، فهي الهدف من كل ما نفعل، الغاية والوسيلة. غير أن تلك الأغاني، والتي تحفل بصور متنوعة للثورة، لا تلتفت إلي الجدران، ولا إلي معاناة من خلفها، مصر في النهاية لا تري إلا ما تريد رؤيته، عيناها لا تقعان إلا علي ما يعجبها ويدغدغ مشاعرها وفخرها بنفسها، هي الآن تري الثورة كفعل مكتمل حقق أهدافه، تبكي علي من سقطوا في الميدان وتمجدهم لأنهم من أتوها بالحرية، لكنها لن تلتفت إلي شيخ مسن يصعد بصعوبة فوق السلالم التي أعدها العابرون من بقايا أحجار ضخمة، يتسلق الكتلة الصخرية الضخمة قبل أن يعاود النزول إلي الجهة الأخري، ولن تسمع أحدهم يسب ويلعن كل شيء... البلد والحكومة والعسكر ومجلس الشعب، رغم أن صورة ذلك المواطن تصلح ككادر مؤثر بمصاحبة الموسيقي المناسبة، فهو ومع لسانه "الفالت" يتوقف ليساعد سيدة مسنة علي العبور، يمد لها يده ليعينها علي الصعود علي الأحجار غير الثابتة، ثم يواصل شتائمه بعد أن يعبرا إلي الجهة المقابلة، والسيدة التي تبدو علي وجهها آثار المجهود الذي بذلته، غالباً ترغب في مشاركته غضبه، لكنها تكتفي بابتسامة مغتصبة وطمأنته بأن "ربنا فوق كل ظالم".
يبدو الأمر هكذا مثيراً للإحباط، خاصة عندما تقع عيناك علي قصيدة أمل دنقل مدونة علي أحد الجدران الأخري:
آه.. ما أقسي الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر.. كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال.. مرة!
لكن، ومن حسن الحظ، أن مصر ليست واحدة، لم تنته بعد عملية إعادة تشكيلها، وهناك اليوم أكثر من مصر، وكل واحد لديه الحرية في اختيار الأنسب له، ومن حسن الحظ أيضاً أن حركات المقاومة لم تقع في فخ الجمود الذي أصاب الديكتاتوريات، فلم يصبها الإحباط من طول المواجهات والانكسارات، ظلت تواجه دوماً بعقل وقلب مفتوحين لاكتساب خبرات جديدة من كل معركة، والتعلم من رفاقها في بلاد أخري، ولا شيء ثابتاً بالنسبة لها في تلك المواجهة بينها وبين الجدار إلا إيمانها بأن الوسيلة الأقوي لهدمه هي الفن.. القصائد والرسومات، الطريقة الوحيدة لتحويله من حليف للسلطة إلي مناصر للناس، ومثل الماء الذي يمكنه تفتيت الصخور فإن الفن أيضاً بقدرته أن يحيل الصخور تراباً، ذلك علي الأقل هو مفهوم من أسسوا حركة "مفيش جدار"، رسموا علي تلك الجدران صوراً تحاول الإيحاء بأن الجدار غير موجود، وأن الشارع مفتوح للمارة، وهو الخيال الذي تحقق بعد ذلك في مناسبة "يوم الأرض" عندما قام مجموعة من النشطاء بهدم جدار شارع الشيخ ريحان ليفتحوا الطريق نسبياً أمام المارة بعد أن كانوا مجبرين علي قطع مسافات طويلة للوصول إلي هدفهم.
فيما كنت أتابع الناس وهم يتسلقون الجدار المهدم للعبور إلي الجهة الأخري، كان شاب يتسلق الجدار المجاور للمجمع العلمي، يفعل ذلك ببساطة وكأنه أمر عادي، كأنه عاش مع سلطات الاحتلال طوال عمره وتكيف مع ممارساتها، وقف أعلي الجدار يتأمل ما حوله، لم يهتم كثيراً عندما طلبت منه أن يحترس، يبدو صعود كتلة صخرية واحدة من الجدار المحطم صعباً فما البال وهو يتسلق جداراً كاملاً، لكني في اللحظة نفسها وقبل أن أحصل منه علي رد ما تنبهت إلي اللوحة التي تجاور الحائط... "شارع مفيش جدار"، ساعتها ابتسمت لما فعله الوهم بي، فمنذ ساعات وأنا هنا في شارع قصر العيني أقف مهلوساً، أظن أني أري جدرانا بناها ديكتاتور يظن أنها ستحميه من خيال الناس!
"أخبار الأدب" في 8 إبريل 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق