الأحد، 15 أبريل 2012

المصري.. عائد إلى الحياة وفي جيبه قنبلة!


الفنان حسن جوني (مواليد 1942)






ليس في الأمر رومانتيكية ما إن حاولنا فهم ما حدث للمصريين بعد 25 يناير مستلهمين قصة الجنية الطيبة التي تحول الأبطال إلى الصورة التي يريدون أن يكونوا عليها مقابل صبرهم وطيبتهم.
القصة تكاد تكون واحدة، ذلك أن الثورة لم تتوقف عند حد إسقاط ديكتاتور عن الكرسي، الذي أقسم علناً على البقاء فيه طالما في صدره نفس يتردد، ولا كان خروج الملايين مقصوراً على الرغبة في تحسين أسلوب الحياة الذي وصل إلى مرحلة لم يعد في الإمكان احتمالها، كان هناك ما هو أبعد، حتى لو لم يكن معلناً. كانت الرغبة من الناس في استعادة الأهم... أنفسهم. في الإحساس بأنهم على قيد الحياة ولو تحقق ذلك عبر سلبهم إياها برصاصات القناصة الغادرة.
ربما لهذا تحديداً كانت الثورة المصرية مبهرة للعالم، وكان لها أن تدخل التاريخ كواحدة من الثورات التي تركت علامة في المسيرة الإنسانية، فالهدف كان طوباوياً ووسيلة بلوغه اتسمت بالخيالية مثله، وهو ما وجد صداه في الكتابات التي تصدت لتحليلها، وفي بعض الكلمات التي قيلت في شأنها من زعماء عالميين بينهم أوباما الذي رأى أن شعبه عليه التعلم من الشعب المصري، وهي واحدة من الجمل الأثيرة الآن لدى السلطة، تزين بها واجهات بعض مبانيها... غرافيتي حكومي تؤكد به على مشاركتها في الثورة، وتحاول إعادة المواطن الوادع الذي ألفته إلى أحضانها ثانية.
لم تكن الثورة المصرية مفاجأة للكثيرين، الثورة على أي ديكتاتور فعل متوقع من الشعوب على أي حال حتى لو كان ذلك الشعب هو المصري المعروف بصبره، لكن الشخصية المصرية كانت هي المفاجأة، بعض المحللين والمفكرين الذين علت أصواتهم مراراً منادين بضرورة العمل على تداول سلمي للسلطة كانوا يحذرون من أن أي تحرك شعبي سيكون كارثياً وقد يجر البلاد إلى فوضى من الصعب احتواؤها. بعضهم وضع نظريات تقوم على أساس الحقد الطبقي منذراً بالدمار إن خرج الناس للشوارع. لكن تصور الشعب عن نفسه كان مختلفاً، هو فضل أن يكون على صورة الأبطال القدامى، أؤلئك الذين يجسدون مجموعة القيم الإنسانية: روح التعاون، المحبة، المساواة، الحس الساخر الذي يمنح صاحبه إيماناً يواجه به الموت مبتسماً.
وهذا ما تحكيه صور شهيرة من الميدان، المسيحيون يحمون المسلمين أثناء الصلاة، شاب يواجه مدرعة ويجبرها على التوقف، حفل زار في الميدان لصرف رئيس أقرب إلى العفاريت التي تسكن الجسد وترتاح فيه، خطط حربية محكمة يضعها مدنيون لحماية الميدان من قوات الأمن، شاب يحمل قنبلة غاز مسيل للدموع ويردها على من قذفها بلا مبالاة بدخانها الكثيف حوله...

ليس وطن 1954

لكن وكما علمتنا الحواديت فإن مثالية الأبطال لا تصمد طويلاً أمام عنف الواقع، تبقى حكاياتهم فقط نرويها لأطفالنا آملين أن يعيشوا يوماً لحظات مماثلة، انتهى الفيلم الرومانتيكي المؤثر الذي دام ثمانية عشر يوماً، غادر المصريون الميدان يتأهبون لاستكشاف وطنهم في نسخته الأحدث، فخورين بما حصلوا عليه، بالقدرة على الحلم وعلى أن يعيشوا مثل الآخرين، الآن نحن على قيد الحياة، الهواء الذي نتنفسه ما زال ملوثاً وأضافت إليه الشرطة والجيش دخانهما المسيل للدموع، لكنه نظيف من رائحة القمع، تبخر ذلك الخوف الثقيل الذي كان يطبق على الصدور، لكن العسكر الذين تولوا المسؤولية لا يحتوي قاموسهم على كلمات مثل الرومانتيكية والأحلام والحواديت، لا يعرفون سوى الالتزام وإطاعة الأوامر، وعلى هذا تلاحقت ضرباتهم لفرض الانضباط، ولم ينتبهوا إلا متأخراً جداً لخطأ تقديراتهم وحساباتهم، لم يدركوا أن مواطن 2012 ليس نفسه مواطن 1954.
لا شيء يضاهي الحرية، مع الأخذ في الاعتبار أنها في بداياتها قد تكون خطرة، خاصة أن السلطويين اعتمدوا خطة الخلط بينها وبين الفوضى، لهذا من الأفضل الالتزام ببعض الحذر فلم يعد أحد مطمئناً إلى ما يمكن أن يفعله الآخرون، و«الناس لم تعد تتحمل بعضها» على حد ما قال شخص يراقب مشاجرة اشتعلت بين اثنين على أولوية المرور في الطريق، حكمة لن تسعفه كثيراً فلا بد أنه سيجد نفسه متورطاً في أمر مشابه، وسيسمع آخر يردد حكمته بالتسامي نفسه.
المشاكل لا تزال كثيرة بل وأكثر مما قبل، والحلول بطيئة وتدفع بطاقات غضب صغيرة إلى التراكم مهددة بالانفجار في أي لحظة، وفي حالات كهذه يصبح تواجد السلاح مفهوماً، وكل له حق الاختيار حسب ما يناسب ذوقه وإمكانياته، بدءاً من السلاح الناري بتنويعاته وحتى الصواعق الكهربائية الأكثر انتشاراً، وتلك منها الأميركي الجيد، والصيني الرخيص الذي يباع على الأرصفة، وغالباً هي أقرب إلى السلاح الفاسد الذي حاربنا به في 48، ومن يشترونها يعرفون، لكنها وسيلة ما لاكتساب الثقة أمام المجهول القابع في كل منعطف.
الغضب يزداد مع السيناريوهات التي بات المصري يشاهدها على الساحة السياسية، ولأنه حرم طوال عقود من العمل السياسي فإن الدائر حالياً يبدو بالنسبة له معقد، ولا يتناسب مع الطلبات البسيطة التي تقدم بها في الميدان «عيش... حرية... عدالة اجتماعية»، جاء الرد على تلك المطالب قاسياً في لؤمه وخبثه، أحدهم توصل في نقاش إلى أن «السادات ضحك على إسرائيل... وحاليا هم بيقلدوه ويضحكوا علينا»، هم هنا عائدة على العسكر. وجهة نظر وجدت من يرد عليها بأن «الإخوان» هم من سرقوا الثورة وخدعوا الشعب. سجال صاخب في كل مكان، فرق متناحرة، وأحزاب وشخصيات، حل الهوس السياسي محل كرة القدم. كل صباح جديد معناه قصة مختلفة وفضيحة بطلها سياسي ما، كأننا نعود إلى عصر القصر، وقت أن كانت القاهرة تشتعل بالمغامرات والمكائد والدسائس حتى جاء عبد الناصر بعساكره ليخرس كل شيء إلا صوته. ورغم أن بعض الحيل اليوم رخيصة بشكل لا يطاق فإن الكل يقبلها ولو على مضض، فهذا هو قانون الديموقراطية، حقي أن أفعل ما أشاء... وحقك أن ترفضني، يبدو المصريون فرحين كثيراً مثل أطفال بما يكتشفونه، ومثل الأطفال أيضاً يقلبون الأشياء بين أيديهم حتى يفهموا كيف تعمل، ستسمع من أحدهم سباً لجهة أنت تناصرها فإن رفضت ما يقوله يرد عليك مستاءً: أين الديموقراطية، أين الرأي والرأي الآخر! لن تفهمه بالطبع أن السب ليس من الديموقراطية، هو سيكتشف هذا، لا بد للطفل من أن يحطم اللعبة ليفهم، وحتى إن كان الوطن هنا هو اللعبة ولا مجال للمقامرة بتحطمه. ما الضرر، ما قيمة بقاء الوطن سليماً إن تحطم المواطن!

درجة من العتب

لكن الجدل يتوقف عند أقدام الثوريين، أؤلئك لا يرضون بأنصاف الحلول، يعرفون أن لا حل إلا أن تستكمل الثورة أهدافها، لا يتعاطون مع السياسي، هو خداع وتدنيس لدماء وذكرى من ضحوا بحياتهم، يواجهون لهفة السياسيين في تثبيت أوضاعهم بمراقبة أفعالهم وفضحها. في الفيس بوك وتويتر والمدونات، بالغرافيتي الذي شن العسكر الحرب عليه لفترة ثم اكتشفوا أنه ينتشر بأسرع من قدرتهم على محوه فلم يجدوا سوى التسليم بوجوده جزءاً من الواقع الجديد. كل الحوائط العامة في مصر الآن مشحونة بالغضب، معرض حي يشارك فيه الجميع، بدءاً من الفنان المحترف الذي يستحق عمله المشاركة في أكبر المعارض الفنية، إلى المواطن المتواضع التعليم الذي يعبر عن رغباته بخط رديء وكلمات بالكاد يمكن فك شيفرة حروفها لكثرة الأخطاء الإملائية.
وبين هؤلاء وهؤلاء، بين السلطة والثوار، يقف من لم يحدد موقفه إلى الآن، ما زال يتأمل ويفكر ويدرس الموقف، لكنه في أثناء ذلك يتصرف كما لو أنه تلميذ نجيب في مدرسة العبث، في جنازة الشيخ الأزهري الشاب عماد عفت الذي اغتالته رصاصة حقيرة، وبينما يسير المشيعون إلى المقابر كان سكان المنطقة يحتشدون على جانبي الشارع يبكون ويدعون للثوار بالانتصار، خفف ذلك عن أصدقاء وتلاميذ الشيخ بعض حزنهم فلم تذهب تضحية رفيقهم سدى، لكن حزنهم ارتد إليهم أقسى عند عودتهم، فالسكان أنفسهم انتظروهم هذه المرة بالحجارة واللعنات لأنهم «خربوا البلد». أحد الأصدقاء ممن حضروا الموقف كتب على صفحته الشخصية بالفيس بوك ببعض اليأس أنه لم يحاول أن يفهم وتوقف عن المحاولة، فهناك درجة من العبث يتعذر استيعابها، وهذا حقيقي... كيف يمكن مثلاً فهم إصرار شخص يعادي الثورة على نزع اسم مبارك من على محطة مترو لتسميتها بـ«الشهداء»؟ وأي منهج ذلك القادر على تحليل أنه في طليعة الخائفين من علو الإسلام السياسي متدينون؟ ما الذي يعنيه أن تقف منتقبة وسط مظاهرة تحمل يافطة ضد حكم الإخوان والسلف؟ يبدو الأمر في أحد تجلياته وكأن العقل الذي عاد ليفكر بشكل طبيعي بعد ثلاثين عاماً من إجباره على السير في طريق الأكاذيب، في حاجة إلى بعض الوقت حتى يسترد عافيته، مع التخمين بأن كثيرين سيمضون ما تبقى لهم من عمر فاقدين القدرة على الفهم، مصدقين في نظريات المؤامرة التي تدّعي تدخل كائنات غير معروفة لإفساد الشأن المصري.
وسط طابور سيارات طويل أمام محطة البنزين يصل رجل عجوز، يفتح باب سيارته ويتهاوى داخلها، يمكث ساعتين أو ثلاثاً، وعندما يجد أنه لا أمل في تحرك الطابور يخرج منها، يغلقها ويمضي، هو يقوم بذلك منذ ثلاثة أيام، ينتظر أن يتحقق الوعد الحكومي بنهاية مشكلة البنزين، ووعدها الآخر بحل مشكلة الغاز، لكنه أفضل حالاً من جاره الذي ينتظر عودة رجال الشرطة للعمل بشكل كامل لينظروا في أمر سيارته المسروقة، وهما أفضل حالاً من جارهما الذي استشهد ولده وتفرق دمه بين جهات عدة كلها تقسم أن يدها لم ترتفع بالسلاح على مواطن. خرج كل المتهمين براءة وعادوا لممارسة ما كانوا يفعلون، بينما تعثر صرف التعويض له، وهو مبلغ لن ينسيه ولده على أي حال... أزمات بالجملة، قطاع طرق وبلطجية، ولصوص يطورون مهاراتهم وتزداد جرأتهم، وما المانع إن كانت السلطة نفسها لصة، والشرطة قاتلة.
في النهاية يجد المواطن أنه لا حل لديه إلا الاعتصام، والمسألة اليوم أصبحت سهلة، قبل عام ونصف العام من الآن كان خروج مظاهرة ما يمثل حدثاً، حتى لو ضمت مئات على الأكثر، يواجههم جيش صغير على رأسه قيادات كبرى من وزارة الداخلية، اليوم يمكن لأي شخص أن ينظم مظاهرة، وأن يعتصم في المكان الذي يروق له. هناك خيم للإيجار لمن يريد لاعتصامه أن يكون مفتوحاً، وباعة جائلون يمكنهم مد المساعدة إليه بكل الاحتياجات اللوجستية، تتوقف حركة النقل العام تماماً حتى يحصل السائقون على ما يريدون، عمال قناة السويس يهددون، سكان إحدى المدن يقطعون شريط القطار لعزل المحافظ سيئ الذكر الذي عينته الحكومة، طلبة الجامعة يتذمرون، تستجيب الحكومة أحياناً وتماطل غالباً، لكن لا مشكلة... «الشارع لنا» مثلما تقول الأغنية.
ربما لم يحصل المصريون على ما يريدون بعد من ثورتهم، ربما سرقها منهم العسكر والمتأسلمون وتجار السياسة، لكن المؤكد أنهم نفضوا عنهم ضعفهم. المصريون لديهم تاريخ طويل من الحكام المستبدين علمهم أنه لا أنبياء لزمننا، وهم الآن لا يرغبون إلا في شخص يشبههم، لا يعاني من جنون العظمة، أو الشره، لا يرغب في السيطرة الكاملة، لا تتوقف الحياة في أحياء بأكملها عندما يخرج من بيته، وما يبدو واضحاً أن رسالتهم وصلت كاملة، لهذا ترى المرشحين للرئاسة يؤدون فقرة أساسية من برنامجهم يمشون فيها بين مواطنيهم في الشوارع محاولين كسب ودهم، يأكلون طعامهم ويتحركون مستخدمين مواصلاتهم، قد تكون تلك تمثيليات انتخابية، لكن الناس تمتلك الآن القدرة على المراقبة، مع تصميم على عدم العودة إلى الوراء، والحفاظ على حريتها، يحمونها بقنبلة يلعبون بها في الشارع بينما تقف السلطة بجوارهم بابتسامة متملقة، متحفزة للاختباء وراء جدرانها!
"السفير" في 13 إبريل 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق