الاثنين، 16 أبريل 2012

ثورة ماكوندو العربية




عندما تفاقمت مشكلة أهالي ماكوندو مع النسيان لم يجدوا حلاً‮ ‬سوي تسجيل أسماء الأشياء عليها لتعريفها‮... ‬مائدة،‮ ‬كرسي،‮ ‬ساعة،‮ ‬باب،‮ ‬حائط،‮ ‬خنزير،‮ ‬دجاجة‮. ‬لكن ذلك لم يكن كافياً‮ ‬ففي المرحلة التالية أسقطت لعنة الأرق عن ذاكرتهم استخدامات الأشياء وهو ما ألزمهم بوضع بيانات إضافية علي الأوراق الإرشادية‮... ‬يتهادي أمامهم كائن لا يعرفون فيمَ‮ ‬يمكن الاستفادة منه إلا عند مطالعة وظيفته من الورقة التي علقوها في رقبته قبل أن تكتمل دائرة هذيانهم‮... "‬هذه بقرة يجب حلبها كل صباح لكي تعطي اللبن،‮ ‬واللبن يجب‮ ‬غليه لخلطه بالقهوة‮...".‬
ربما يبدو الأمر هكذا مسلياً‮ ‬بصورة ما،‮ ‬غير أنه لم يكن كذلك في‮ "‬ماكوندو الواقعية‮" ‬أو عالمنا العربي،‮ ‬لا أظن أن أحدنا استمتع علي الإطلاق عندما فقدنا ذاكرتنا،‮ ‬اللهم إلا من لم يدركوا بعد ما كنا فيه،‮ ‬من يرون أن ما يحدث الآن لا يرقي إلي درجة‮... ‬الثورة،‮ ‬فهذه لها شروطها الموضوعية لديهم،‮ ‬يلجأون إلي كتيب الإرشادات الذي اهترأت أوراقه متجاهلين الواقع في محاولة الحفاظ علي الصورة القديمة التي تعايشوا معها‮.‬
متي نسينا؟ هناك من يقول إن هذا حدث بعد‮ ‬52‮ ‬عندما انقلب الجيش علي نظام كان يتطور بشكل طبيعي إلي الديموقراطية،‮ ‬وآخرون يحلو لهم أن يلقوا باللائمة علي الاحتلال،‮ ‬فهو لئيم إلي الدرجة التي تمكن بها من سلبنا الذاكرة ليواصل احتلالنا دون مجهود ما‮. ‬أم ربما في‮ ‬67‮ ‬التي شهدت أول سيناريوهات تغيير وطمس معالم الحياة الطبيعية،‮ ‬عندما بدأت سيطرة الإعلام علي عقول الناس لينقل إليهم الصورة التي يتمناها زعيمه الإله‮. "‬العدو علي وشك أن ينهزم‮"‬،‮ ‬ولما لم يحصل سمي الهزيمة نكسة فقط لأنه لم يكن قادراً‮ ‬علي مواجهة نفسه بالحقيقة‮.‬
أفضل ألا نسأل متي وكيف بدأ نسياننا،‮ ‬ففي ظني أن الأمر أكثر تعقيداً‮ ‬من رده لأصله،‮ ‬المهم أنه حصل،‮ ‬والمشكلة في العالم العربي وعلي خلاف ماكوندو الخيالية تعقدت لأن من أشرف علي تعريف الأشياء وتحديد وظائفها لم يكن أميناً‮ ‬في أداء عمله،‮ ‬فقد هداه تفكيره أن الناس لابد لها من قطيعة مع الماضي،‮ ‬وعلي هذا وضع قاموساً‮ ‬جديداً‮... "‬هذا حمار نحلبه في الصباح‮ ‬لنأخذ منه اللبن ونغليه لنضعه علي القهوة‮". "‬هذه مدرسة نعلم فيها الأطفال ترديد الشعارات التي نكتبها‮". ‬
ربما بدأ ذلك بنية طيبة،‮ ‬فالهدف المقدس الذي تم وضعه وقتها كان في حاجة إلي جماهير تنفذ ولا تسأل،‮ ‬سعياً‮ ‬للوصول إلي معركة التحرير الكبري‮. ‬ولكن من جاء بعد المزور الأول لم يكن لديه الأهداف الطيبة نفسها،‮ ‬وتبدي هذا من همته في مباشرة عملية تغيير خالفت كل قواعد العقل والمنطق‮... "‬مبني حكومي تدفع فيه الرشوة لإنجاز معاملاتك‮". "‬مجلس شعب يصفق فيه الأعضاء ببلاهة‮". "‬وزارة داخلية‮... ‬جهاز حماية الرئيس‮". "‬دار قضاء لمحاسبة الفقراء‮". "‬رئاسة جمهورية‮... ‬مقر زعيم العصابة‮". "‬جامعة الدول العربية‮... ‬مقهي الرؤساء والملوك العرب‮".‬
التزييف كان يجري أمام أعيننا،‮ ‬هناك من حاولوا التصدي له،‮ ‬إنما مصيرهم دوماً‮ ‬كان واحداً‮ "‬سجن‮... ‬مقر لعقاب المصلحين‮". ‬كنا نمر بفترات متقطعة نسترد فيها الذاكرة،‮ ‬ونتحدث في صمت أو علانية حسب ما يسمح به هامش الديموقراطية الممنوح لكل شعب،‮ ‬وفي هذا كانت الأمور تجري بالحظ،‮ ‬في مصر‮ "‬اتكلم كما تشاء إنما لو رجل صحيح اعمل حاجة‮". ‬في سوريا الكلام معناه إبادة مدن،‮ ‬وفي العراق الحرق بالكيماوي‮. ‬في ليبيا‮ "‬الديموقراطية كلمة من مقطعين ديمو وكراسي،‮ ‬وتعني جلوس الغوغاء علي الكراسي‮". ‬حسب تفسير الزعيم الذي يري نفسه أممياً‮. ‬في الخليج لو تكلمت سيعاقبنا الله بزوال النعمة‮. ‬تنوعت الأساليب والهدف واحد‮: ‬إبقاء الأمور علي ما هي عليه،‮ ‬لماذا؟ حتي يؤمن الرئيس مستقبل أولاده‮. ‬وماذا سنفعل حتي هذا الحين؟ لا شيء،‮ ‬سنتظاهر أننا سعداء،‮ ‬أننا نحب حياتنا المزيفة،‮ ‬أن ما نأكله طعام،‮ ‬وما نستنشقه هواء،‮ ‬وما يعالجنا دواء،‮ ‬نتظاهر أننا تعلمنا،‮ ‬ونعمل،‮ ‬ونتنافس،‮ ‬ونرتقي وبنا الوطن يرتقي،‮ ‬والأمة خير أمة،‮ ‬وأن قادتنا ضرورة لأنهم يشرفون علي مرحلة تاريخية صعبة نعد فيها ما استطعنا من قوة،‮ ‬استعداداً‮ ‬لمواجهة من لقناهم الهزائم قبلاً،‮ ‬أولئك الذين يكرهوننا لأننا من سيدخل الجنة‮... ‬الكفار‮. ‬نواصل الاستغفار علي الآثام التي لم نفعلها لننال النعيم،‮ ‬ونحذر من إغضاب ولي الأمر حتي لا نخسر بعد دنيانا الخلود السعيد‮.‬
أضحك كثيراً‮ ‬علي من يقولون أن ما يحدث الآن لا يرقي إلي درجة ثورة،‮ ‬وعلي من يبحث في مؤامرة جاءت من الخارج،‮ ‬وعلي من يراهن كل يوم علي فشل الشعب في استعادة ذاكرته،‮ ‬من يقولون أن الاسم العلمي لما يحدث‮ "‬احتجاجات‮" ‬وليس‮ "‬ثورات‮"‬،‮ ‬وأن الجائعين عندما يخرجون إلي الشارع يتصرفون هكذا‮. ‬لا يرون السرعة التي تتم بها عملية التغيير ولا العمق الذي تصل إليه،‮ ‬هؤلاء الذين شاركوا في عملية التزييف،‮ ‬والخائفون من معرفة أنهم ما‮ ‬يزالون يقيمون في ماكوندو وأنهم‮... ‬يحلبون الحمار كل صباح ويحتسون قهوتهم بحليبه بينما يفتشون في كتالوج الثورة البالي عن المعني‮.‬

"أخبار الأدب" في 17 يوليو 2012

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق