الاثنين، 11 يوليو 2011

اليمامات المزيفة

قبل أيام قام مواطن كويتي بإطلاق الرصاص على نفسه بعد مفاوضات دامت ساعات مع رجال الأمن الذين فشلوا أولاً في اقناعه بالإبقاء على حياته، ثم فشلوا تالياً في منعه من إطلاق رصاصتين متتاليتين على بطنه لتنفجر أحشائه.
الرجل قال أثناء المفاوضات أنه المهدي المنتظر وأنه تسلم أمراً بتقديم نفسه قرباناً لتحذير العالم. الضابط الذي فاوضه رجاه التراجع عما ينتوي حتى يباشر في هداية الناس. لكن الأمر الذي وصل المهدي كان أقوى من أي حجة.
موضوع الرسائل التي نتلقاها من عوالم أخرى ليس غريباً، كلنا بشكل أو بآخر نؤمن بها، هناك من يتخذ القرارات بناء على ما حلم به، والبعض ينتظر الأبراج لتخبره بما عليه فعله، وقليلون سعداء الحظ من يرتقون درجة على الطريق... أحد أصدقائي كان يخرج من بيته تلبية لنداء غامض يجبره على الطواف بالشوارع بحثاً عن شخص سينقل إليه أمراً، ظل على ذلك لفترة قبل أن يتخذ قراره بتجاهل الرسائل التي جرت عليه مشاكل عديدة وذلك حتى يتسلم طلباً واضحاً ممن يناديه.
وتاريخنا العربي مليء بأصحاب النبؤات، ربما أشهرهم زرقاء اليمامة التي أنذرت أهلها أن شجراً على مسيرة ثلاثة أيام يسعى إليهم، فسخروا منها حتى وصل الشجر ولم يكن إلا جنداً يتخفى من بصيرتها.
الزرقاء تحولت نبية مقدسة، وكل يوم نكفر عن ذنب تكذيبها بتصديق قوافل المشعوذين والدجالين، وإلا كيف تفسر هذا الكم من التصريحات التي انتشرت خلال الفترة الماضية بعنوان واحد "أعمالي تنبأت بثورة 25 يناير"!
أنا بشكل شخصي كلما قرأت تصريحاً كهذا أراجع أعمال صاحبه بحثاً عما يقصده إلا أني لم أتبين في كل الحالات ما يعنونه، فكل ما أتذكره لهم إما عملاً سنمائياً "ممصر" ومليء بـ "إفيهات" قبيحة لا تضحك، أو عملاً أدبياً لا يخجل صاحبه من ركاكة لغته وأفكاره.
ومع ذلك فحتى لا يصل بهم الحال إلى ما وصل إليه صاحبنا المواطن الكويتي علينا أن نصدقهم، وأن نفاوضهم مثلما فاوضه الضابط: معجزة! لقد تنبأت أعمالكم بالثورة وحددتم موعدها، أما الشعب الذي قام بالثورة فهو وحده الذي فوجيء بها.
نشر في "أخبار الأدب" 28 مايو 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق