عندما تفاقمت مشكلة أهالي ماكوندو مع النسيان لم يجدوا حلاً سوي تسجيل أسماء الأشياء عليها لتعريفها... مائدة، كرسي، ساعة، باب، حائط، خنزير، دجاجة. لكن ذلك لم يكن كافياً ففي المرحلة التالية أسقطت لعنة الأرق عن ذاكرتهم استخدامات الأشياء وهو ما ألزمهم بوضع بيانات إضافية علي الأوراق الإرشادية... يتهادي أمامهم كائن لا يعرفون فيمَ يمكن الاستفادة منه إلا عند مطالعة وظيفته من الورقة التي علقوها في رقبته قبل أن تكتمل دائرة هذيانهم... "هذه بقرة يجب حلبها كل صباح لكي تعطي اللبن، واللبن يجب غليه لخلطه بالقهوة...".
ربما يبدو الأمر هكذا مسلياً بصورة ما، غير أنه لم يكن كذلك في "ماكوندو الواقعية" أو عالمنا العربي، لا أظن أن أحدنا استمتع علي الإطلاق عندما فقدنا ذاكرتنا، اللهم إلا من لم يدركوا بعد ما كنا فيه، من يرون أن ما يحدث الآن لا يرقي إلي درجة... الثورة، فهذه لها شروطها الموضوعية لديهم، يلجأون إلي كتيب الإرشادات الذي اهترأت أوراقه متجاهلين الواقع في محاولة الحفاظ علي الصورة القديمة التي تعايشوا معها.
متي نسينا؟ هناك من يقول إن هذا حدث بعد 52 عندما انقلب الجيش علي نظام كان يتطور بشكل طبيعي إلي الديموقراطية، وآخرون يحلو لهم أن يلقوا باللائمة علي الاحتلال، فهو لئيم إلي الدرجة التي تمكن بها من سلبنا الذاكرة ليواصل احتلالنا دون مجهود ما. أم ربما في 67 التي شهدت أول سيناريوهات تغيير وطمس معالم الحياة الطبيعية، عندما بدأت سيطرة الإعلام علي عقول الناس لينقل إليهم الصورة التي يتمناها زعيمه الإله. "العدو علي وشك أن ينهزم"، ولما لم يحصل سمي الهزيمة نكسة فقط لأنه لم يكن قادراً علي مواجهة نفسه بالحقيقة.
أفضل ألا نسأل متي وكيف بدأ نسياننا، ففي ظني أن الأمر أكثر تعقيداً من رده لأصله، المهم أنه حصل، والمشكلة في العالم العربي وعلي خلاف ماكوندو الخيالية تعقدت لأن من أشرف علي تعريف الأشياء وتحديد وظائفها لم يكن أميناً في أداء عمله، فقد هداه تفكيره أن الناس لابد لها من قطيعة مع الماضي، وعلي هذا وضع قاموساً جديداً... "هذا حمار نحلبه في الصباح لنأخذ منه اللبن ونغليه لنضعه علي القهوة". "هذه مدرسة نعلم فيها الأطفال ترديد الشعارات التي نكتبها".
ربما بدأ ذلك بنية طيبة، فالهدف المقدس الذي تم وضعه وقتها كان في حاجة إلي جماهير تنفذ ولا تسأل، سعياً للوصول إلي معركة التحرير الكبري. ولكن من جاء بعد المزور الأول لم يكن لديه الأهداف الطيبة نفسها، وتبدي هذا من همته في مباشرة عملية تغيير خالفت كل قواعد العقل والمنطق... "مبني حكومي تدفع فيه الرشوة لإنجاز معاملاتك". "مجلس شعب يصفق فيه الأعضاء ببلاهة". "وزارة داخلية... جهاز حماية الرئيس". "دار قضاء لمحاسبة الفقراء". "رئاسة جمهورية... مقر زعيم العصابة". "جامعة الدول العربية... مقهي الرؤساء والملوك العرب".
التزييف كان يجري أمام أعيننا، هناك من حاولوا التصدي له، إنما مصيرهم دوماً كان واحداً "سجن... مقر لعقاب المصلحين". كنا نمر بفترات متقطعة نسترد فيها الذاكرة، ونتحدث في صمت أو علانية حسب ما يسمح به هامش الديموقراطية الممنوح لكل شعب، وفي هذا كانت الأمور تجري بالحظ، في مصر "اتكلم كما تشاء إنما لو رجل صحيح اعمل حاجة". في سوريا الكلام معناه إبادة مدن، وفي العراق الحرق بالكيماوي. في ليبيا "الديموقراطية كلمة من مقطعين ديمو وكراسي، وتعني جلوس الغوغاء علي الكراسي". حسب تفسير الزعيم الذي يري نفسه أممياً. في الخليج لو تكلمت سيعاقبنا الله بزوال النعمة. تنوعت الأساليب والهدف واحد: إبقاء الأمور علي ما هي عليه، لماذا؟ حتي يؤمن الرئيس مستقبل أولاده. وماذا سنفعل حتي هذا الحين؟ لا شيء، سنتظاهر أننا سعداء، أننا نحب حياتنا المزيفة، أن ما نأكله طعام، وما نستنشقه هواء، وما يعالجنا دواء، نتظاهر أننا تعلمنا، ونعمل، ونتنافس، ونرتقي وبنا الوطن يرتقي، والأمة خير أمة، وأن قادتنا ضرورة لأنهم يشرفون علي مرحلة تاريخية صعبة نعد فيها ما استطعنا من قوة، استعداداً لمواجهة من لقناهم الهزائم قبلاً، أولئك الذين يكرهوننا لأننا من سيدخل الجنة... الكفار. نواصل الاستغفار علي الآثام التي لم نفعلها لننال النعيم، ونحذر من إغضاب ولي الأمر حتي لا نخسر بعد دنيانا الخلود السعيد.
أضحك كثيراً علي من يقولون أن ما يحدث الآن لا يرقي إلي درجة ثورة، وعلي من يبحث في مؤامرة جاءت من الخارج، وعلي من يراهن كل يوم علي فشل الشعب في استعادة ذاكرته، من يقولون أن الاسم العلمي لما يحدث "احتجاجات" وليس "ثورات"، وأن الجائعين عندما يخرجون إلي الشارع يتصرفون هكذا. لا يرون السرعة التي تتم بها عملية التغيير ولا العمق الذي تصل إليه، هؤلاء الذين شاركوا في عملية التزييف، والخائفون من معرفة أنهم ما يزالون يقيمون في ماكوندو وأنهم... يحلبون الحمار كل صباح ويحتسون قهوتهم بحليبه بينما يفتشون في كتالوج الثورة البالي عن المعني.
"أخبار الأدب" في 17 يوليو 2012
