الاثنين، 16 أبريل 2012

ثورة ماكوندو العربية




عندما تفاقمت مشكلة أهالي ماكوندو مع النسيان لم يجدوا حلاً‮ ‬سوي تسجيل أسماء الأشياء عليها لتعريفها‮... ‬مائدة،‮ ‬كرسي،‮ ‬ساعة،‮ ‬باب،‮ ‬حائط،‮ ‬خنزير،‮ ‬دجاجة‮. ‬لكن ذلك لم يكن كافياً‮ ‬ففي المرحلة التالية أسقطت لعنة الأرق عن ذاكرتهم استخدامات الأشياء وهو ما ألزمهم بوضع بيانات إضافية علي الأوراق الإرشادية‮... ‬يتهادي أمامهم كائن لا يعرفون فيمَ‮ ‬يمكن الاستفادة منه إلا عند مطالعة وظيفته من الورقة التي علقوها في رقبته قبل أن تكتمل دائرة هذيانهم‮... "‬هذه بقرة يجب حلبها كل صباح لكي تعطي اللبن،‮ ‬واللبن يجب‮ ‬غليه لخلطه بالقهوة‮...".‬
ربما يبدو الأمر هكذا مسلياً‮ ‬بصورة ما،‮ ‬غير أنه لم يكن كذلك في‮ "‬ماكوندو الواقعية‮" ‬أو عالمنا العربي،‮ ‬لا أظن أن أحدنا استمتع علي الإطلاق عندما فقدنا ذاكرتنا،‮ ‬اللهم إلا من لم يدركوا بعد ما كنا فيه،‮ ‬من يرون أن ما يحدث الآن لا يرقي إلي درجة‮... ‬الثورة،‮ ‬فهذه لها شروطها الموضوعية لديهم،‮ ‬يلجأون إلي كتيب الإرشادات الذي اهترأت أوراقه متجاهلين الواقع في محاولة الحفاظ علي الصورة القديمة التي تعايشوا معها‮.‬
متي نسينا؟ هناك من يقول إن هذا حدث بعد‮ ‬52‮ ‬عندما انقلب الجيش علي نظام كان يتطور بشكل طبيعي إلي الديموقراطية،‮ ‬وآخرون يحلو لهم أن يلقوا باللائمة علي الاحتلال،‮ ‬فهو لئيم إلي الدرجة التي تمكن بها من سلبنا الذاكرة ليواصل احتلالنا دون مجهود ما‮. ‬أم ربما في‮ ‬67‮ ‬التي شهدت أول سيناريوهات تغيير وطمس معالم الحياة الطبيعية،‮ ‬عندما بدأت سيطرة الإعلام علي عقول الناس لينقل إليهم الصورة التي يتمناها زعيمه الإله‮. "‬العدو علي وشك أن ينهزم‮"‬،‮ ‬ولما لم يحصل سمي الهزيمة نكسة فقط لأنه لم يكن قادراً‮ ‬علي مواجهة نفسه بالحقيقة‮.‬
أفضل ألا نسأل متي وكيف بدأ نسياننا،‮ ‬ففي ظني أن الأمر أكثر تعقيداً‮ ‬من رده لأصله،‮ ‬المهم أنه حصل،‮ ‬والمشكلة في العالم العربي وعلي خلاف ماكوندو الخيالية تعقدت لأن من أشرف علي تعريف الأشياء وتحديد وظائفها لم يكن أميناً‮ ‬في أداء عمله،‮ ‬فقد هداه تفكيره أن الناس لابد لها من قطيعة مع الماضي،‮ ‬وعلي هذا وضع قاموساً‮ ‬جديداً‮... "‬هذا حمار نحلبه في الصباح‮ ‬لنأخذ منه اللبن ونغليه لنضعه علي القهوة‮". "‬هذه مدرسة نعلم فيها الأطفال ترديد الشعارات التي نكتبها‮". ‬
ربما بدأ ذلك بنية طيبة،‮ ‬فالهدف المقدس الذي تم وضعه وقتها كان في حاجة إلي جماهير تنفذ ولا تسأل،‮ ‬سعياً‮ ‬للوصول إلي معركة التحرير الكبري‮. ‬ولكن من جاء بعد المزور الأول لم يكن لديه الأهداف الطيبة نفسها،‮ ‬وتبدي هذا من همته في مباشرة عملية تغيير خالفت كل قواعد العقل والمنطق‮... "‬مبني حكومي تدفع فيه الرشوة لإنجاز معاملاتك‮". "‬مجلس شعب يصفق فيه الأعضاء ببلاهة‮". "‬وزارة داخلية‮... ‬جهاز حماية الرئيس‮". "‬دار قضاء لمحاسبة الفقراء‮". "‬رئاسة جمهورية‮... ‬مقر زعيم العصابة‮". "‬جامعة الدول العربية‮... ‬مقهي الرؤساء والملوك العرب‮".‬
التزييف كان يجري أمام أعيننا،‮ ‬هناك من حاولوا التصدي له،‮ ‬إنما مصيرهم دوماً‮ ‬كان واحداً‮ "‬سجن‮... ‬مقر لعقاب المصلحين‮". ‬كنا نمر بفترات متقطعة نسترد فيها الذاكرة،‮ ‬ونتحدث في صمت أو علانية حسب ما يسمح به هامش الديموقراطية الممنوح لكل شعب،‮ ‬وفي هذا كانت الأمور تجري بالحظ،‮ ‬في مصر‮ "‬اتكلم كما تشاء إنما لو رجل صحيح اعمل حاجة‮". ‬في سوريا الكلام معناه إبادة مدن،‮ ‬وفي العراق الحرق بالكيماوي‮. ‬في ليبيا‮ "‬الديموقراطية كلمة من مقطعين ديمو وكراسي،‮ ‬وتعني جلوس الغوغاء علي الكراسي‮". ‬حسب تفسير الزعيم الذي يري نفسه أممياً‮. ‬في الخليج لو تكلمت سيعاقبنا الله بزوال النعمة‮. ‬تنوعت الأساليب والهدف واحد‮: ‬إبقاء الأمور علي ما هي عليه،‮ ‬لماذا؟ حتي يؤمن الرئيس مستقبل أولاده‮. ‬وماذا سنفعل حتي هذا الحين؟ لا شيء،‮ ‬سنتظاهر أننا سعداء،‮ ‬أننا نحب حياتنا المزيفة،‮ ‬أن ما نأكله طعام،‮ ‬وما نستنشقه هواء،‮ ‬وما يعالجنا دواء،‮ ‬نتظاهر أننا تعلمنا،‮ ‬ونعمل،‮ ‬ونتنافس،‮ ‬ونرتقي وبنا الوطن يرتقي،‮ ‬والأمة خير أمة،‮ ‬وأن قادتنا ضرورة لأنهم يشرفون علي مرحلة تاريخية صعبة نعد فيها ما استطعنا من قوة،‮ ‬استعداداً‮ ‬لمواجهة من لقناهم الهزائم قبلاً،‮ ‬أولئك الذين يكرهوننا لأننا من سيدخل الجنة‮... ‬الكفار‮. ‬نواصل الاستغفار علي الآثام التي لم نفعلها لننال النعيم،‮ ‬ونحذر من إغضاب ولي الأمر حتي لا نخسر بعد دنيانا الخلود السعيد‮.‬
أضحك كثيراً‮ ‬علي من يقولون أن ما يحدث الآن لا يرقي إلي درجة ثورة،‮ ‬وعلي من يبحث في مؤامرة جاءت من الخارج،‮ ‬وعلي من يراهن كل يوم علي فشل الشعب في استعادة ذاكرته،‮ ‬من يقولون أن الاسم العلمي لما يحدث‮ "‬احتجاجات‮" ‬وليس‮ "‬ثورات‮"‬،‮ ‬وأن الجائعين عندما يخرجون إلي الشارع يتصرفون هكذا‮. ‬لا يرون السرعة التي تتم بها عملية التغيير ولا العمق الذي تصل إليه،‮ ‬هؤلاء الذين شاركوا في عملية التزييف،‮ ‬والخائفون من معرفة أنهم ما‮ ‬يزالون يقيمون في ماكوندو وأنهم‮... ‬يحلبون الحمار كل صباح ويحتسون قهوتهم بحليبه بينما يفتشون في كتالوج الثورة البالي عن المعني‮.‬

"أخبار الأدب" في 17 يوليو 2012

الأحد، 15 أبريل 2012

المصري.. عائد إلى الحياة وفي جيبه قنبلة!


الفنان حسن جوني (مواليد 1942)






ليس في الأمر رومانتيكية ما إن حاولنا فهم ما حدث للمصريين بعد 25 يناير مستلهمين قصة الجنية الطيبة التي تحول الأبطال إلى الصورة التي يريدون أن يكونوا عليها مقابل صبرهم وطيبتهم.
القصة تكاد تكون واحدة، ذلك أن الثورة لم تتوقف عند حد إسقاط ديكتاتور عن الكرسي، الذي أقسم علناً على البقاء فيه طالما في صدره نفس يتردد، ولا كان خروج الملايين مقصوراً على الرغبة في تحسين أسلوب الحياة الذي وصل إلى مرحلة لم يعد في الإمكان احتمالها، كان هناك ما هو أبعد، حتى لو لم يكن معلناً. كانت الرغبة من الناس في استعادة الأهم... أنفسهم. في الإحساس بأنهم على قيد الحياة ولو تحقق ذلك عبر سلبهم إياها برصاصات القناصة الغادرة.
ربما لهذا تحديداً كانت الثورة المصرية مبهرة للعالم، وكان لها أن تدخل التاريخ كواحدة من الثورات التي تركت علامة في المسيرة الإنسانية، فالهدف كان طوباوياً ووسيلة بلوغه اتسمت بالخيالية مثله، وهو ما وجد صداه في الكتابات التي تصدت لتحليلها، وفي بعض الكلمات التي قيلت في شأنها من زعماء عالميين بينهم أوباما الذي رأى أن شعبه عليه التعلم من الشعب المصري، وهي واحدة من الجمل الأثيرة الآن لدى السلطة، تزين بها واجهات بعض مبانيها... غرافيتي حكومي تؤكد به على مشاركتها في الثورة، وتحاول إعادة المواطن الوادع الذي ألفته إلى أحضانها ثانية.
لم تكن الثورة المصرية مفاجأة للكثيرين، الثورة على أي ديكتاتور فعل متوقع من الشعوب على أي حال حتى لو كان ذلك الشعب هو المصري المعروف بصبره، لكن الشخصية المصرية كانت هي المفاجأة، بعض المحللين والمفكرين الذين علت أصواتهم مراراً منادين بضرورة العمل على تداول سلمي للسلطة كانوا يحذرون من أن أي تحرك شعبي سيكون كارثياً وقد يجر البلاد إلى فوضى من الصعب احتواؤها. بعضهم وضع نظريات تقوم على أساس الحقد الطبقي منذراً بالدمار إن خرج الناس للشوارع. لكن تصور الشعب عن نفسه كان مختلفاً، هو فضل أن يكون على صورة الأبطال القدامى، أؤلئك الذين يجسدون مجموعة القيم الإنسانية: روح التعاون، المحبة، المساواة، الحس الساخر الذي يمنح صاحبه إيماناً يواجه به الموت مبتسماً.
وهذا ما تحكيه صور شهيرة من الميدان، المسيحيون يحمون المسلمين أثناء الصلاة، شاب يواجه مدرعة ويجبرها على التوقف، حفل زار في الميدان لصرف رئيس أقرب إلى العفاريت التي تسكن الجسد وترتاح فيه، خطط حربية محكمة يضعها مدنيون لحماية الميدان من قوات الأمن، شاب يحمل قنبلة غاز مسيل للدموع ويردها على من قذفها بلا مبالاة بدخانها الكثيف حوله...

ليس وطن 1954

لكن وكما علمتنا الحواديت فإن مثالية الأبطال لا تصمد طويلاً أمام عنف الواقع، تبقى حكاياتهم فقط نرويها لأطفالنا آملين أن يعيشوا يوماً لحظات مماثلة، انتهى الفيلم الرومانتيكي المؤثر الذي دام ثمانية عشر يوماً، غادر المصريون الميدان يتأهبون لاستكشاف وطنهم في نسخته الأحدث، فخورين بما حصلوا عليه، بالقدرة على الحلم وعلى أن يعيشوا مثل الآخرين، الآن نحن على قيد الحياة، الهواء الذي نتنفسه ما زال ملوثاً وأضافت إليه الشرطة والجيش دخانهما المسيل للدموع، لكنه نظيف من رائحة القمع، تبخر ذلك الخوف الثقيل الذي كان يطبق على الصدور، لكن العسكر الذين تولوا المسؤولية لا يحتوي قاموسهم على كلمات مثل الرومانتيكية والأحلام والحواديت، لا يعرفون سوى الالتزام وإطاعة الأوامر، وعلى هذا تلاحقت ضرباتهم لفرض الانضباط، ولم ينتبهوا إلا متأخراً جداً لخطأ تقديراتهم وحساباتهم، لم يدركوا أن مواطن 2012 ليس نفسه مواطن 1954.
لا شيء يضاهي الحرية، مع الأخذ في الاعتبار أنها في بداياتها قد تكون خطرة، خاصة أن السلطويين اعتمدوا خطة الخلط بينها وبين الفوضى، لهذا من الأفضل الالتزام ببعض الحذر فلم يعد أحد مطمئناً إلى ما يمكن أن يفعله الآخرون، و«الناس لم تعد تتحمل بعضها» على حد ما قال شخص يراقب مشاجرة اشتعلت بين اثنين على أولوية المرور في الطريق، حكمة لن تسعفه كثيراً فلا بد أنه سيجد نفسه متورطاً في أمر مشابه، وسيسمع آخر يردد حكمته بالتسامي نفسه.
المشاكل لا تزال كثيرة بل وأكثر مما قبل، والحلول بطيئة وتدفع بطاقات غضب صغيرة إلى التراكم مهددة بالانفجار في أي لحظة، وفي حالات كهذه يصبح تواجد السلاح مفهوماً، وكل له حق الاختيار حسب ما يناسب ذوقه وإمكانياته، بدءاً من السلاح الناري بتنويعاته وحتى الصواعق الكهربائية الأكثر انتشاراً، وتلك منها الأميركي الجيد، والصيني الرخيص الذي يباع على الأرصفة، وغالباً هي أقرب إلى السلاح الفاسد الذي حاربنا به في 48، ومن يشترونها يعرفون، لكنها وسيلة ما لاكتساب الثقة أمام المجهول القابع في كل منعطف.
الغضب يزداد مع السيناريوهات التي بات المصري يشاهدها على الساحة السياسية، ولأنه حرم طوال عقود من العمل السياسي فإن الدائر حالياً يبدو بالنسبة له معقد، ولا يتناسب مع الطلبات البسيطة التي تقدم بها في الميدان «عيش... حرية... عدالة اجتماعية»، جاء الرد على تلك المطالب قاسياً في لؤمه وخبثه، أحدهم توصل في نقاش إلى أن «السادات ضحك على إسرائيل... وحاليا هم بيقلدوه ويضحكوا علينا»، هم هنا عائدة على العسكر. وجهة نظر وجدت من يرد عليها بأن «الإخوان» هم من سرقوا الثورة وخدعوا الشعب. سجال صاخب في كل مكان، فرق متناحرة، وأحزاب وشخصيات، حل الهوس السياسي محل كرة القدم. كل صباح جديد معناه قصة مختلفة وفضيحة بطلها سياسي ما، كأننا نعود إلى عصر القصر، وقت أن كانت القاهرة تشتعل بالمغامرات والمكائد والدسائس حتى جاء عبد الناصر بعساكره ليخرس كل شيء إلا صوته. ورغم أن بعض الحيل اليوم رخيصة بشكل لا يطاق فإن الكل يقبلها ولو على مضض، فهذا هو قانون الديموقراطية، حقي أن أفعل ما أشاء... وحقك أن ترفضني، يبدو المصريون فرحين كثيراً مثل أطفال بما يكتشفونه، ومثل الأطفال أيضاً يقلبون الأشياء بين أيديهم حتى يفهموا كيف تعمل، ستسمع من أحدهم سباً لجهة أنت تناصرها فإن رفضت ما يقوله يرد عليك مستاءً: أين الديموقراطية، أين الرأي والرأي الآخر! لن تفهمه بالطبع أن السب ليس من الديموقراطية، هو سيكتشف هذا، لا بد للطفل من أن يحطم اللعبة ليفهم، وحتى إن كان الوطن هنا هو اللعبة ولا مجال للمقامرة بتحطمه. ما الضرر، ما قيمة بقاء الوطن سليماً إن تحطم المواطن!

درجة من العتب

لكن الجدل يتوقف عند أقدام الثوريين، أؤلئك لا يرضون بأنصاف الحلول، يعرفون أن لا حل إلا أن تستكمل الثورة أهدافها، لا يتعاطون مع السياسي، هو خداع وتدنيس لدماء وذكرى من ضحوا بحياتهم، يواجهون لهفة السياسيين في تثبيت أوضاعهم بمراقبة أفعالهم وفضحها. في الفيس بوك وتويتر والمدونات، بالغرافيتي الذي شن العسكر الحرب عليه لفترة ثم اكتشفوا أنه ينتشر بأسرع من قدرتهم على محوه فلم يجدوا سوى التسليم بوجوده جزءاً من الواقع الجديد. كل الحوائط العامة في مصر الآن مشحونة بالغضب، معرض حي يشارك فيه الجميع، بدءاً من الفنان المحترف الذي يستحق عمله المشاركة في أكبر المعارض الفنية، إلى المواطن المتواضع التعليم الذي يعبر عن رغباته بخط رديء وكلمات بالكاد يمكن فك شيفرة حروفها لكثرة الأخطاء الإملائية.
وبين هؤلاء وهؤلاء، بين السلطة والثوار، يقف من لم يحدد موقفه إلى الآن، ما زال يتأمل ويفكر ويدرس الموقف، لكنه في أثناء ذلك يتصرف كما لو أنه تلميذ نجيب في مدرسة العبث، في جنازة الشيخ الأزهري الشاب عماد عفت الذي اغتالته رصاصة حقيرة، وبينما يسير المشيعون إلى المقابر كان سكان المنطقة يحتشدون على جانبي الشارع يبكون ويدعون للثوار بالانتصار، خفف ذلك عن أصدقاء وتلاميذ الشيخ بعض حزنهم فلم تذهب تضحية رفيقهم سدى، لكن حزنهم ارتد إليهم أقسى عند عودتهم، فالسكان أنفسهم انتظروهم هذه المرة بالحجارة واللعنات لأنهم «خربوا البلد». أحد الأصدقاء ممن حضروا الموقف كتب على صفحته الشخصية بالفيس بوك ببعض اليأس أنه لم يحاول أن يفهم وتوقف عن المحاولة، فهناك درجة من العبث يتعذر استيعابها، وهذا حقيقي... كيف يمكن مثلاً فهم إصرار شخص يعادي الثورة على نزع اسم مبارك من على محطة مترو لتسميتها بـ«الشهداء»؟ وأي منهج ذلك القادر على تحليل أنه في طليعة الخائفين من علو الإسلام السياسي متدينون؟ ما الذي يعنيه أن تقف منتقبة وسط مظاهرة تحمل يافطة ضد حكم الإخوان والسلف؟ يبدو الأمر في أحد تجلياته وكأن العقل الذي عاد ليفكر بشكل طبيعي بعد ثلاثين عاماً من إجباره على السير في طريق الأكاذيب، في حاجة إلى بعض الوقت حتى يسترد عافيته، مع التخمين بأن كثيرين سيمضون ما تبقى لهم من عمر فاقدين القدرة على الفهم، مصدقين في نظريات المؤامرة التي تدّعي تدخل كائنات غير معروفة لإفساد الشأن المصري.
وسط طابور سيارات طويل أمام محطة البنزين يصل رجل عجوز، يفتح باب سيارته ويتهاوى داخلها، يمكث ساعتين أو ثلاثاً، وعندما يجد أنه لا أمل في تحرك الطابور يخرج منها، يغلقها ويمضي، هو يقوم بذلك منذ ثلاثة أيام، ينتظر أن يتحقق الوعد الحكومي بنهاية مشكلة البنزين، ووعدها الآخر بحل مشكلة الغاز، لكنه أفضل حالاً من جاره الذي ينتظر عودة رجال الشرطة للعمل بشكل كامل لينظروا في أمر سيارته المسروقة، وهما أفضل حالاً من جارهما الذي استشهد ولده وتفرق دمه بين جهات عدة كلها تقسم أن يدها لم ترتفع بالسلاح على مواطن. خرج كل المتهمين براءة وعادوا لممارسة ما كانوا يفعلون، بينما تعثر صرف التعويض له، وهو مبلغ لن ينسيه ولده على أي حال... أزمات بالجملة، قطاع طرق وبلطجية، ولصوص يطورون مهاراتهم وتزداد جرأتهم، وما المانع إن كانت السلطة نفسها لصة، والشرطة قاتلة.
في النهاية يجد المواطن أنه لا حل لديه إلا الاعتصام، والمسألة اليوم أصبحت سهلة، قبل عام ونصف العام من الآن كان خروج مظاهرة ما يمثل حدثاً، حتى لو ضمت مئات على الأكثر، يواجههم جيش صغير على رأسه قيادات كبرى من وزارة الداخلية، اليوم يمكن لأي شخص أن ينظم مظاهرة، وأن يعتصم في المكان الذي يروق له. هناك خيم للإيجار لمن يريد لاعتصامه أن يكون مفتوحاً، وباعة جائلون يمكنهم مد المساعدة إليه بكل الاحتياجات اللوجستية، تتوقف حركة النقل العام تماماً حتى يحصل السائقون على ما يريدون، عمال قناة السويس يهددون، سكان إحدى المدن يقطعون شريط القطار لعزل المحافظ سيئ الذكر الذي عينته الحكومة، طلبة الجامعة يتذمرون، تستجيب الحكومة أحياناً وتماطل غالباً، لكن لا مشكلة... «الشارع لنا» مثلما تقول الأغنية.
ربما لم يحصل المصريون على ما يريدون بعد من ثورتهم، ربما سرقها منهم العسكر والمتأسلمون وتجار السياسة، لكن المؤكد أنهم نفضوا عنهم ضعفهم. المصريون لديهم تاريخ طويل من الحكام المستبدين علمهم أنه لا أنبياء لزمننا، وهم الآن لا يرغبون إلا في شخص يشبههم، لا يعاني من جنون العظمة، أو الشره، لا يرغب في السيطرة الكاملة، لا تتوقف الحياة في أحياء بأكملها عندما يخرج من بيته، وما يبدو واضحاً أن رسالتهم وصلت كاملة، لهذا ترى المرشحين للرئاسة يؤدون فقرة أساسية من برنامجهم يمشون فيها بين مواطنيهم في الشوارع محاولين كسب ودهم، يأكلون طعامهم ويتحركون مستخدمين مواصلاتهم، قد تكون تلك تمثيليات انتخابية، لكن الناس تمتلك الآن القدرة على المراقبة، مع تصميم على عدم العودة إلى الوراء، والحفاظ على حريتها، يحمونها بقنبلة يلعبون بها في الشارع بينما تقف السلطة بجوارهم بابتسامة متملقة، متحفزة للاختباء وراء جدرانها!
"السفير" في 13 إبريل 2012

الأربعاء، 11 أبريل 2012

أمين معلوف: لجأت للرواية التاريخية هـرباً من الواقـع المأسـوي





المسألة الدينية ليست هامشية والمجتمع بكل فئاته
عليه التفكير للعثور علي الصيغة الأفضل لها



هناك ظروف تتمني فيها لو أن الوقت يتوقف ليستوعب ما تريد أن تفعله. ذلك كان شعوري وأنا أحاور الروائي اللبناني أمين معلوف... كانت ساعة مخطوفة من الجدول المزدحم الذي أعدته مؤسسة العويس الثقافية للاحتفاء بالفائزين لدورتها هذا العام، كان عليّ الاكتفاء بالأسئلة الأكثر أهمية من قائمة طويلة كنت أبحث عن إجابات لها عند صاحب »الحروب الصليبية كما رآها العرب«، و»ليون الأفريقي«، و»سمرقند«، و»صخرة طانيوس«، وغيرها من أعمال صنعت له مكانة خاصة علي خريطة الأدب العالمي، وقبلاً في قلوب قرائه الذين ينتشرون عبر قارات الأرض.
تعكس شخصية أمين معلوف إلي حد بعيد أفكار كتبه ورواياته، يبدو هو نفسه وكأنه إحدي شخصيات أعماله، يحمل الكثير من ملامحها، لديه قدرة مدهشة علي التواصل مع الآخرين مهما كانوا، وأياً كانت درجة ثقافتهم ومعرفتهم، خلال اليومين الذين قضيناهما في دبي لفت انتباهي كيف يتصرف مع الآخرين... ينصت باهتمام لكل من يحدثه، ومن بينهم جمهور عادي جاء لمشاهدته والتقاط صور تذكارية معه، صوته خفيض لكنك تسمعه واضحاً وقوياً، ينحني انحناءة بسيطة لكل من يأتي للسلام عليه، ورغم أن شكله »خواجة« كما وصفته سيدة مصرية مقيمة في الإمارات تبدو في الخمسينات من عمرها، لكنه أيضاً قريب من القلب كما قالت له، قرب جعلها تفيض بالدعاء له بالخير في مقابل طيبته وحبه للناس...
يعيش أمين معلوف في باريس منذ العام 1976، وأصبح أحد أعضاء الأكاديمية الفرنسية، وهي واحدة من أهم مؤسسات الدولة الفرنسية، ويكتب بلغتها ويري كثير من النقاد أنه من أعاد للأدب الفرنسي مكانته في الأعوام الأخيرة، لكن ومع تلك العلاقة القوية بالفرنسية، الثقافة واللغة، لن تسمع منه إن كنت تتبادل معه الحوار بالعربية كلمة أجنبية، خلال حواري معه كان قادراً علي التعبير عن أفكاره بسهولة، لم يكن مضطراً لأن يقول كلمة ما أجنبية ويتوقف ليبحث عن معني لها بالعربية، باستثناء مصطلح وحيد تلفظ به لعدم وجود معني واضح له بالعربية. غالباً قرر معلوف منذ البداية أنه لن يتخلي عن اللغة العربية بكل ما يعنيه ذلك من الحفاظ علي إرثه الحضاري في هذه الناحية، وفي الوقت نفسه سيجيد الفرنسية حتي يصبح واحداً من الساهرين علي العناية بها في أكاديميتها، لذلك قلت في البداية أنه مثل شخصياته في أعماله الروائية، يجد متعة في الانتماءات المتعددة، وفي الحفاظ علي تلك الانتماءات حية وقادرة علي أن توفر له مساحة في الشرق والغرب، ميزة اكتسبها مبكراً من »لبنانيته« التي عاش تنوعها وثراءها قبل أن تنهار مع الحرب الأهلية وهي اللحظة التي ترك فيها لبنان، وميزة اكتسبها أيضاً من أسرته الأصغر التي تشكلت من أب لبناني وأم مصرية. »كل من انتماءاتي يربطني بعدد كبير من الأشخاص« مثلما يقول في كتابه »الهويات القاتلة«.
ربما لهذا يكتسب الحوار مع معلوف وفي تلك اللحظات أهمية مضاعفة، فهو أحد الكتاب القادرين علي النفاذ إلي عمق ما يحدث حالياً في العالم العربي، وتعبيره عن فرحته بالحراك العربي والذي عبر عنه بمقالات وتصريحات مختلفة لم يتغير الآن مع سيطرة المد الديني علي تلك الثورات، وهو عكس ما كنت أتوقعه ربما عندما سألته عن ذلك، فهو وعلي حد ما قال لا يتشنج لانتصار فريق وهزيمة آخر في الانتخابات، وما يهمه أن تستمر الانتخابات وأن يستمر تداول السلطة، وأن يستمر الشعب في الضغط لعدم عودة التسلط مرة أخري، أما الفريق الذي لم يفز فإن عليه ببساطة تعديل رؤاه ومحاولة الوصول إلي الناس. لكن قبل أن نخوض في هذا كان لابد لنا أن نبدأ من الحدث الذي التقينا بسببه وهو فوزه بجائزة الانجاز العلمي والثقافي من مؤسسة العويس الثقافية...
ـ بمناسبة الجائزة كيف تري علاقة المبدع بالجوائز؟
كثيرون يرون أنها تؤثر علي الإبداع بفرضها شروطاً علي المبدع، ربما يكون الأمر مختلفاً بشكل ما في الغرب إنما في العالم العربي الأمر ملتبس..
أعتقد أنه في كل مجال لا يمكن أن يتعامل الإنسان مع كل الأيام بنفس الطريقة، هناك لحظات متميزة، يجب أن نتوقف ونقول هذا مخصص لحدث ثقافي، قد لا يكون هذا اليوم أهم من أيام أخري لكن مهم أن تكون هناك لحظات متميزة ومن تلك اللحظات المتميزة لحظات توزيع الجوائز.
- في هذا الإطار سلمي الخضراء لها تصريح مؤخراً أثار ضجة، لا أعرف إن كنت سمعت به أم لا... هي قالت أن أمين معلوف أحق بالجائزة من نجيب محفوظ لأن إبداعه أكثر امتاعا للقاريء من محفوظ...
الحقيقة أنا من الذين كان عندهم سرور هائل يوم حصل نجيب محفوظ علي جائزة نوبل لأني أعتقد أن الأدب العربي بشكل عام، والأدب المصري بشكل خاص لم يكن له حتي ذلك التاريخ اعتراف دولي بمستوي قيمة ذلك الأدب. بالطبع من حق كل واحد التعبير عن إرادته وأذواقه في هذا المجال، والنقاش صحي. وشعوري أن الأدب هو في تنوعه، أن يكون هناك كتاب كثيرون يكتبون أشياء مختلفة، أفضل القول بأننا كلنا جزء من عالم الكتابة، وأهمية هذا العالم أن تكون فيه شخصيات وأساليب كتابة مختلفة، ونتغذي من التشابه ومن الاختلاف، ومن قراءاتنا لمن سبقنا.
- في كتابك "الهويات القاتلة" تصف وضع المهاجر بأنه واحد من اثنين إما أن يأخذ وضع المتحدي للثقافة الغربية أو يحاول الاندماج فيها... هل تري أن محاولاتك الثلاث لدخول الأكاديمية الفرنسية تدخل ضمن وضع المهاجر الذي وصفته بأنه يحاول الاندماج في مجتمعه الجديد؟
ربما. حين يكون الإنسان في باريس ويكتب بالفرنسية فإن الأكاديمية الفرنسية يكون لها مكانة معينة، ومن الطبيعي أن يفكر الإنسان بالانتماء إلي مؤسسة من هذا النوع، والمحاولات العديدة هذه تقاليد كذلك في الأكاديمية... فيكتور هوجو دخل في المحاولة الخامسة، ومن سوء حظ الأكاديمية أنها لم تقبل إيميل زولا رغم أنه حاول 23 مرة تقريباً...
- يعني نعتبره انجازا أنك التحقت بها من المحاولة الثالثة...
لا، ليس انجازا، هناك أناس "بيفوتوا" من المحاولة الأولي، هذه طقوس مؤسسة لديها تقاليد، وتضم شخصيات مختلفة، ولديها ظروف في مراحل معينة، ليست هذه "شغلة" أساسية، الشيء الصحيح هو أن الإنسان عندما يكون في مجتمع غير المجتمع الذي ولد فيه فإن علاقته بذلك المجتمع مسألة دقيقة، فيها رغبة في الاندماج، فيها رغبة في التميز، والاندماج والتميز يتوقفان جزئيا علي الشخص نفسه، وربما بالجزء الأكبر علي موقف المجتمع نفسه، يعني أحيانا يكون الشخص راغبا في الاندماج والمجتمع لا يقبله، وأحيانا لا يريد أن يندمج في حين أن المجتمع يرغب في جعله جزءا منه. نحن في فترة لا أقول أنها فريدة لكنها مرحلة غير مسبوقة بحجمها، بمعني أن عشرات وربما مئات الملايين من الناس يعيشون في مجتمعات غير التي ولدوا فيها، وعلاقة كل واحد بالمجتمع الذي يعيش فيه وكذلك بالمجتمع الذي أتي منه علاقة معقدة، طبعا أنا خصصت قسما من كتاباتي لهذا الموضوع بالذات... مسألة الهوية وكيفية التعامل معها، وليست لدي حلول، أنا أصف المشكلة لأنني أواجهها شخصيا ويواجهها آخرون، لكن ليس هناك حل واحد، كل فرد يمضي حياته كلها مع علاقة عاطفية مع المجتمع الذي أتي منه والمجتمع الذي يعيشه ضمنه، وهذا يستمر مدي الحياة.
- من الحسن بن محمد الوزان في "ليون الأفريقي"، وعمر الخيام في "سمرقند"، وماني في "حدائق النور" وعصيان كتبدار في "موانيء الشرق"... كلها شخصيات تدعو إلي التسامح في العلاقة مع النفس أو الآخر. هل تظن أن الإنسانية ما زال في إمكانها الترقي، أم أن الحقد وأنهار الدماء عبر التاريخ قد أفسدا بالفعل الطبيعة البشرية؟
التسامح مسألة صعبة للغاية، وكذلك التعايش، إنما لا خيار لنا إلا أن نحاول التعايش معا. أنت تسألني إن كانت الطبيعة البشرية تسمح بهذه العلاقة بين المجموعات المختلفة، وأنا أعتقد أن الطبيعة البشرية يمكنها أن تذهب في اتجاهات متباينة، لا أقول أن طبيعة الإنسان هي أن يتقبل الآخرين. هذا ليس صحيحا، أحيانا يتقبل وأحيانا بالعكس ينفر من الآخرين، أعتقد أن التعايش بين أناس مختلفين مسألة يجب أن نتعلمها، وهي تأتي مع الوقت ومع التربية، تأتي مع العمل الدائم واليومي لكي نتعلم الحياة مع الآخر، وبالتالي التعايش مسألة تبني ولا تأتي بالفطرة، هذه الفطرة يمكن أن تأخذ اتجاهات مختلفة، وربما رد الفعل التلقائي هو رفض الآخرين، لكن دور الثقافة ودور الحضارة أن تعلم الناس التعايش مع بعضهم.
- عملك يقوم بشكل أساسي علي التعمق في التاريخ والبحث في التحولات الحضارية التي رسمت صورة الشرق والغرب علي الصورة الحالية... هل تعتقد أنه في الإمكان تحقق نقطة التقاء يوماً؟
هل هذا ممكن؟ نعم، هل هذا سهل؟ لا. هل نسير اليوم في هذا الاتجاه؟ لست متأكداً إن كنا نسير في اتجاه التفاهم بين هذين العالمين، قد نكون نبتعد الآن، لكن شعوري هو أننا يجب أن نعمل في هذا الاتجاه لأن الصراع الدائم مرهق، مضن للجميع.
- بشكل شخصي عندما أقرأ رواياتك أشعر أن هناك محاولة للهروب من الواقع المأسوي إلي التاريخ...
شعورك صحيح.
- بالنسبة إلي الحراك العربي أنت قلت أنه ليس علينا حصد الإيجابيات مبكراً... الآن كيف تري وضع الثورات العربية بعد سيطرة المد الديني عليها؟
أولاً أعتقد أن الشيء الأساسي الذي حصل هو ما سمي بكسر جدار الخوف، إنهاء مرحلة التسلط وعدم احترام آراء ومشاعر الشعوب، هذا كان من المفروض أن ينتهي، وربما علي هذا الصعيد حصل تقدم أساسي وسيترك أثراً، ما أعتقده أيضاً أن هذه نهاية مرحلة وبداية أخري، ولكن لا يمكننا الحكم علي المرحلة التي بدأت من نتائج "آخر كام شهر". بالنسبة لي المسألة اليوم هو أن تكون هناك مجتمعات فيها تداول أفكار، تداول للسلطة، فيها انتخابات حرة تجري في مواعيدها، فيها حرية تعبير، أنا لا أتشنج لأن فريقاً آخر ربح في الانتخابات...
- حتي مع الطبيعة الإقصائية للإسلاميين؟
التركيز الأساسي أن تستمر الانتخابات، أن يستمر تداول السلطة، العدو في هذه المسألة من يقول الآن نتوقف عن الانتخاب، ونتوقف عن تداول السلطة، وأن هنا يتوقف القطار، كل من يقول أننا سنواصل، أياً ما كانت أفكاره، من يريد أن يبقي علي اللعبة السياسية، علي حرية الأفكار وعلي حرية التعبير، هذا يسمح بأن تنمو قوي سياسية فكرية تلعب دوراً، وعلي تلك القوي أن تقنع المواطنين بقدراتها علي حل المشكلات، وبصواب أفكارها. إذا التركيز في رأيي يجب أن يكون في الحفاظ علي التداول في الأفكار والتداول في السلطة، هل الفئات السياسية المختلفة تلقائيا تريد تداول السلطة؟ ربما لا لكن هذا شيء يمكن علي الشعوب أن تفرضه علي كل القوي السياسية، أن تقول أننا نؤيد أو نعارض لكن لا أحد يوقف التداول أو يقول انتهي، ومن الآن فصاعدا هناك فريق واحد، هذا ما يمكن الحصول عليه اليوم، لا يمكن في رأيي أن نبدل موازين القوي، هي ما هي، هناك أناس وجدوا الأسلوب لإقناع مواطنيهم بالاقتراع لهم، هذا شيء يجب علينا جميعاً أن نحترمه، ومن كان رأيه غير رأي هؤلاء يجب عليه أن يكون مقنعا أكثر فيما يطرحه وفي الحلول التي يقدمها، لكن الأساس اليوم بعد كل مرحلة التسلط هو أن يكون هناك تداول بالسلطة، وألا نعود إلي مرحلة يستولي فيها أي فريق أو أي فرد علي السلطة ويأخذها من المواطنين الذين اكتسبوها بمعاركهم خلال العام والنصف الفائت.
- وكيف تري مواقف بعض المثقفين الرافضين لهذه الثورات، مثل أدونيس الذي عاداها لمنطلقاتها الدينية حسب زعمه، وسعدي يوسف الذي لم ير فيها إلا مؤامرة أميركية؟
لن أحكم علي مواقف معينة، كان هناك مثل من ذكرتهم، وآخرين مواقفهم تبدلت مع تبدل الظروف والأحداث، أنا لا أعتقد أن ما حدث مؤامرة من أي كان، أو أي دولة، أنا تابعت الأحداث وشعوري أنها انطلقت بالفعل من عمق المجتمعات سواء كان المجتمع المصري أو التونسي أو الليبي، والدول الأخري، بما فيها الدول الكبري كأميركا وسواها، حاولت أن تفهم ما يحدث، ثم حاولت التأثير علي ما يحدث بما يخدم مصالحها وهذا تصرف طبيعي. لكن أن تقول بأن ما حدث حركته دول أو قوي خارجية فهذا ليس شعوري شخصيا، شعوري أن ما حدث في الأصل نابع من عمق تلك المجتمعات وحين تحرك الناس تحركوا لأنهم وصلوا إلي حد أصبح الوضع فيه لا يطاق، و"طفح الكيل" كما يقال، وهذا هو أساس التحرك، وأيا كانت التقلبات التي حصلت ففي رأيي أن الشيء الإيجابي الذي تحقق هو إنهاء عهد التسلط. المسألة الدينية مسألة أساسية لا يمكن لأي إنسان أن يعتبرها مسألة ثانوية أو هامشية، هي مسألة يجب أن يفكر فيها المجتمع كله... بأفراده، بمثقفيه، بقواه السياسية، لإيجاد أفضل صيغة تتلاءم مع مشاعر الناس وتتلاءم مع ضرورات تقدم المجتمع، وهذه المهمة التاريخية ليست مهمة جيلي أنا فهو جيل بات قديما، إنما للأجيال القادمة، وهذه مسألة مهمة لابد من التعامل معها، لا يمكن أن تنفي هذه المشكلة أو تقول إذا كان الوضع هكذا فأنا أدير ظهري إليه وأمشي... هذا واقع حقيقي له مبررات وله تفسيرات وعلي مجتمعاتنا التعامل مع كل هذه المشكلات، سواء كانت المشكلة الدينية والطائفية في دول مثل سوريا والبحرين أو لبنان أو سواها، مشكلة التنمية، مشكلة المرأة، هذه قضايا أساسية يجب التعامل معها، ويجب أن نؤمن، وهذا الشيء الأساسي أعود لتكراره مرة أخري، أن
يكون هناك إطار سليم للنقاش، للحوار، يمكن الشعوب من التفكير في حلول، وفي صيغ للتعامل مع كل هذه المعطيات.
- في كلمتك التي ألقيتها بمناسبة حصولك علي جائزة أمير استورياس للأدب قلت أنه لابد من دور فاعل للثقافة في مواجهة الانحدار الأخلاقي... هل تري أن المثقف بالفعل مازال له الكلمة وخاصة في العالم العربي؟
يعني المثقف ليس دوره أنه واقف علي قمة الجبل والناس تستمع له، دور المثقف أن يدلي برأيه، بتصوره، ورأيه مسموع، ليس هناك مبرر يجبر الناس علي الاستماع له، لكن الناس يستمعون، يقولون نعم معه حق أو لا غلطان. وما أعتقده حاليا أن دور المثقفين في كل ما حصل ويحصل ليس غائبا وليس مهيمناً، هو دور محدد ولا أعتقد أنه يفترض أن يكون دورا أكبر من ذلك بكثير...
- إنما البعض يري بأن المثقف العربي ساعد علي تفشي الديكتاتوريات العربية بوقوفه إلي جانب النظام، وعليه فإن ليس له الحق في الكلام بل عليه أن يتعلم من الشعوب...
لا يوجد حزب اسمه حزب المثقفون، هناك مثقفون من كل الأنواع، هناك مثقفون تعاملوا مع السلطة وآخرون حاربوها، هناك مثقفون تم اضطهادهم وهناك مثقفون قتلوا وسجنوا، وآخرون اضطروا للهجرة وهناك مثقفون عندهم علاقات مع أحزاب من اليسار أو اليمين، من العلمانيين أو الدينيين، هم ليسوا حزباً، لا تستطيع القول أنهم كانوا تابعين للنظام الفلاني...
- إنما الفئة الأكثر تأثيرا هي التي كانت بجانب النظام، نضرب مثلا بجابر عصفور الذي استلم جائزة القذافي في حين رفضها جويتسلوا، أليس في هذا...
أنا أعرف الواقع المصري بدقة وبالأسماء، لكن من الأوضاع التي أعرفها في مصر أو لبنان أن المثقفين في كل الأحزاب ولهم كل المواقف الممكنة... من المتزلف إلي الشهيد، من البطل الذي لا يحيد شعرة عن قناعاته إلي الفاسد الذي يبيع قناعاته بأي منصب، ما في واحد يمكنه القول أن المثقفين هذا موقفهم...
- وعليه فمازال لهم دور؟
بالطبع، ضروري أن يكون هناك دور، لكن ربما نحتاج لأن نحدد أكثر واجبات المثقف، الواجبات الأخلاقية للمثقف، أن نفهم الناس أن التعامل مع السلطة وتملقها يفقد المثقف مصداقيته، لكن في الوقت نفسه ليس علي المثقف أن يكون دوماً معادياً للسلطة، المفروض أن يكون بموقف نقد ونقد إيجابي ومحاولة التأثير، وأن يقول للحاكم أشياء يجب أن يسمعها لا أن يقول له ما يريد أن يسمعه.
- في الفترة الأخيرة يبدو أنك ابتعدت قليلا عن العمل الروائي لصالح أنواع أخري من الفنون مثل الأوبرا... هل هي استراحة محارب كما يقولون أم أنك استنفدت الشكل الروائي في إيصال الأفكار التي تريد؟
سمها استراحة محارب إذا بتحب. هي فترة كان لدي فيها اهتمامات معينة، مثلاً بعد صدور آخر رواية وهي "رحلة بلدسار" عام 2000 عثرت بالصدفة علي وثائق العائلة وبالتالي أمضيت فترة طويلة في إعداد الكتاب الذي أصبح اسمه "بدايات" وهو ليس رواية لأنه مبني علي وثائق من أسرتي، إنما...
- سيرة ذاتية؟
سيرة ذاتية بمعني عائلية وليس شخصية، وإن كان أيضاً أقرب إلي رواية منه إلي أي شيء آخر، وهناك الأوبرا بالفعل، ولم أنشرها جميعاً بالمناسبة، كتبت أربعة أعمال نشرت منهم اثنتين، وهذا أخذ حيزاً من وقتي، وهناك أعمال نظرية مثل "خلل العالم"، يعني بالفعل بدا وكأني ابتعدت عن الرواية لكن أنا عندي رواية ستصدر نهاية هذا العام...
- ما عنوانها؟
لا أعرف بعد.
- وصفت اللغة العربية بأنها لغة النور والفرنسية بأنها لغة الظل...
ما قلته بالتحديد أنه حين كنت في لبنان كان تعاملي اليومي هو باللغة العربية، واللغة الفرنسية لم أكن أتحدث بها لا في البيت أو في الحياة اليومية، كان وجود الفرنسية هو وجود الظل، موجودة وأقرأ بها أحيانا لكنها لم تكن في حياتي اليومية ولا في العمل، كنت أعمل في صحيفة باللغة العربية وهي "النهار"، وقت انتقلت إلي فرنسا تغير الوضع وأصبحت الفرنسية هي اللغة اليومية، والمكان الوحيد الذي بقيت فيه العربية اللغة الأساسية هو البيت، بهذا المعني تغيرت العلاقة بيني وبين اللغات التي تعلمتها، والتغير الأساسي أتي حين انتقلت إلي باريس، عملت في الصحافة في باريس باللغة الفرنسية...
- هناك من يري أن اللغة العربية أصبحت عاجزة عن مواكبة العصر!
لا أعتقد هذا أبداً..
- يعني نحن ليس لدينا مؤسسة بأهمية الأكاديمية الفرنسية التي تسهر علي العناية باللغة ومدها بالمصطلحات الجديدة...
الأكاديمية الفرنسية شيء فريد، له تفسير في تاريخ بناء الدولة الفرنسية فهي دولة مركزية وكل شيء تريد أن تنشيء له مؤسسة، لكن هذه الأكاديمية لا يوجد لها مقابل باللغة الانكليزية مثلا ولا يعني هذا أن اللغة الانكليزية عاجزة عن أي شيء. أنا أعتقد أن الواحد يمكنه أن يعبر عن أي شيء باللغة العربية إذا كان علي الصعيد الأدبي والثقافي والعلمي، لكن أحيانا لابد أن يكون هناك شغل لمؤسسة ربما لتأمين المفردات ولتكريس مفردات معينة خاصة بالنسبة للتكنولوجيا الحديثة، ولكن لا أعتقد أبدا أن هناك أي نوع من العجز والنقص في اللغة العربية.
- كيف يمكننا تفسير العلاقة بين التاريخ والفعل الروائي في أعمالك في ضوء تأكيدك علي أنك تحترم الحقائق التاريخية، في الوقت نفسه فإن الفعل الروائي قائم في الأساس علي التخييل... كيف يمكنك الموازنة بين الفعلين؟
ليس دائما سهلاً. الأسلوب الذي اتبعته أن كل شيء له علاقة بأحداث تاريخية معينة لا أحورها، يعني إذا حكيت عن سقوط غرناطة لا أخترع سقوطاً آخر لها، أحاول أن أفهم كيف جري ذلك بالتحديد ولا أبتعد عنه في الرواية، وفي الوقت نفسه هناك مجال كبير جدا للخيال، علي الأقل بالنسبة لحياة الأبطال الفردية، يعني مثلا حسن الوزان في "ليون الأفريقي" كل ما يتعلق بحياته الفردية، بعائلته، بزواجه، هذا عمل روائي. فيما يتعلق بالأحداث أحترم أو أحاول أن احترم ما نعرفه تاريخيا عن تلك الأحداث، ليس لدي شعور بأن هناك تناقضاً فعلاً، الروائي ليس ملزماً بدقة التاريخ لكن أعتقد أنه ملزم أدبياً بعدم الكذب تاريخياً، يعني مفيش واحد يكتب رواية عن واترلوو ويعملها أن نابليون ربح إلا إذا قال أنه عاوز يعمل رواية "POLICAL FICTION" ليتخيل كيف كانت ستكون الأمور لو أن نابليون ربح المعركة. في هذه النقطة لدي شعور بالمسؤولية بأن القاريء إذا كان يقرأ عن مرحلة معينة فلابد أن يكون مطمئنا أن ما يقرأه ليس مناقضا للواقع، إذا طالب يقرأ كتابا مستوحي من مرحلة تاريخية معينة لابد أن يشعر أن الشيء الذي يروي عن تلك المرحلة مطابق لما كان يجري فيها، لكن هذا مختلف من كتاب لآخر، يعني مثلاً في "سمرقند" هناك رواية قديمة أنه كان هناك ثلاثة أصدقاء عمر الخيام، ونظام الملك، وحسن الصباغ، الأرجح أنهم لم يكونوا أصدقاء، هناك فارق في العمر والوسط الاجتماعي وغير ذلك، لكن الروائي يستلهم أسطورة من هذا النوع ولكن بين السطور لابد أن يقول أنها أسطورة.
- صرحت قبلاً أنك لست متابعاً جيداً للأدب العربي...
ولا الفرنسي علي فكرة، يعني أنا أقرأ أشياء لكن معظم الوقت لا أقرأ أشياء صدرت مؤخرا، أقرأ أشياء قديمة، أو لها علاقة بالعمل الذي أنجزه، أقرأ دراسات سياسية أو تاريخية، لكن ليس عندي هاجس أن أتابع ما ينشر في اللحظة.
- وكيف تري ترجمة الأدب العربي في باريس؟ أنا أعرف أنه ليس بالضرورة الجيد ما يتم ترجمته هناك.
أنا ما عندي القدرة أني أحكم بشكل شامل، ما أقوله أن هناك ترجمة الآن أكثر من ذي قبل ولكنها مع ذلك ليست كافية، هناك اهتمام بمتابعة ما يصدر في القاهرة أو بيروت وغيرها من العواصم العربية، وهناك دور نشر متيقظة لذلك أكثر مما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات أو خمسة عشر عاما، وهذا إيجابي، أن تصدر رواية بالعربية وخلال عام أو عام ونصف تكون قد صدرت بالفرنسية، لكن أتصور أنه لازم يكون أكثر وربما كذلك من المهم أن تنشر أعمال سابقة لم يتم الاهتمام بها في زمنها، ومن المهم أن تعود للتداول وأن تترجم ترجمات جديدة مع مقدمات ربما.
"أخبار الأدب" في 23 مارس 2012

مفيش جدار

الخيال في مواجهة الديكتاتور






لا يتعلم الديكتاتور أبداً أن الجدران لا تملك حمايته، لا يمكنه تخيل أن الوصول إليه يكون أسهل عندما يختبئ هكذا، فهو بيده يضع علي نفسه علامة لمن قد يستغلق عليه الأمر، وتستعصي عليه ألغاز السياسة... "هنا مقر الديكتاتور"، هذا ما ينقص الجدران التي تمزق شارع قصر العيني وجاردن سيتي، والتي حولت المنطقة إلي ثكنة عسكرية مع مئات من العساكر والضباط والعربات المصفحة والأسلاك الشائكة، وكأنها معابر أقامتها سلطات احتلال ما، فشلت في التواصل مع الأهالي فلجأت إلي الحل الذي يؤشر علي مدي يأسها، ولم يبق إلا أن تضع شروطاً للمرور وتدقق في هويات العابرين.
المفارقة أن الثورة التي قامت تطالب بالحرية واجهها من قالوا إنهم يحمونها، ويسهرون علي تنفيذ مطالبها بعشرات الحوائط، تفصل بينهم وبين الناس من غير أن يمنعهم هذا من القسم علي أنهم كانوا من طليعة الميدان، أما الثورة ذاتها فباقية ومصونة، والآن يمكنك إرسال أغانيها رنة لموبايلك، كما يبشر بذلك الإعلان التليفزيوني علي إحدي القنوات الحكومية، عقب فترة من الأغاني الوطنية التي تمجد اسم مصر...
لم يتغير شيء. لا، عذراً، فللحق والتاريخ هناك بعض الأمور قد تبدلت، وأهمها خلفيات الأغاني.. لم يعد فيها المخلوع وإنجازاته، حل الثوار والشهداء بدلاً منه، محاولة للتأكيد علي نجاح الثورة وتغير الأمور، لكن ما لن يتغير أبداً... اسم مصر، فهي الهدف من كل ما نفعل، الغاية والوسيلة. غير أن تلك الأغاني، والتي تحفل بصور متنوعة للثورة، لا تلتفت إلي الجدران، ولا إلي معاناة من خلفها، مصر في النهاية لا تري إلا ما تريد رؤيته، عيناها لا تقعان إلا علي ما يعجبها ويدغدغ مشاعرها وفخرها بنفسها، هي الآن تري الثورة كفعل مكتمل حقق أهدافه، تبكي علي من سقطوا في الميدان وتمجدهم لأنهم من أتوها بالحرية، لكنها لن تلتفت إلي شيخ مسن يصعد بصعوبة فوق السلالم التي أعدها العابرون من بقايا أحجار ضخمة، يتسلق الكتلة الصخرية الضخمة قبل أن يعاود النزول إلي الجهة الأخري، ولن تسمع أحدهم يسب ويلعن كل شيء... البلد والحكومة والعسكر ومجلس الشعب، رغم أن صورة ذلك المواطن تصلح ككادر مؤثر بمصاحبة الموسيقي المناسبة، فهو ومع لسانه "الفالت" يتوقف ليساعد سيدة مسنة علي العبور، يمد لها يده ليعينها علي الصعود علي الأحجار غير الثابتة، ثم يواصل شتائمه بعد أن يعبرا إلي الجهة المقابلة، والسيدة التي تبدو علي وجهها آثار المجهود الذي بذلته، غالباً ترغب في مشاركته غضبه، لكنها تكتفي بابتسامة مغتصبة وطمأنته بأن "ربنا فوق كل ظالم".
يبدو الأمر هكذا مثيراً للإحباط، خاصة عندما تقع عيناك علي قصيدة أمل دنقل مدونة علي أحد الجدران الأخري:
آه.. ما أقسي الجدار
عندما ينهض في وجه الشروق
ربما ننفق كل العمر.. كي ننقب ثغرة
ليمر النور للأجيال.. مرة!
لكن، ومن حسن الحظ، أن مصر ليست واحدة، لم تنته بعد عملية إعادة تشكيلها، وهناك اليوم أكثر من مصر، وكل واحد لديه الحرية في اختيار الأنسب له، ومن حسن الحظ أيضاً أن حركات المقاومة لم تقع في فخ الجمود الذي أصاب الديكتاتوريات، فلم يصبها الإحباط من طول المواجهات والانكسارات، ظلت تواجه دوماً بعقل وقلب مفتوحين لاكتساب خبرات جديدة من كل معركة، والتعلم من رفاقها في بلاد أخري، ولا شيء ثابتاً بالنسبة لها في تلك المواجهة بينها وبين الجدار إلا إيمانها بأن الوسيلة الأقوي لهدمه هي الفن.. القصائد والرسومات، الطريقة الوحيدة لتحويله من حليف للسلطة إلي مناصر للناس، ومثل الماء الذي يمكنه تفتيت الصخور فإن الفن أيضاً بقدرته أن يحيل الصخور تراباً، ذلك علي الأقل هو مفهوم من أسسوا حركة "مفيش جدار"، رسموا علي تلك الجدران صوراً تحاول الإيحاء بأن الجدار غير موجود، وأن الشارع مفتوح للمارة، وهو الخيال الذي تحقق بعد ذلك في مناسبة "يوم الأرض" عندما قام مجموعة من النشطاء بهدم جدار شارع الشيخ ريحان ليفتحوا الطريق نسبياً أمام المارة بعد أن كانوا مجبرين علي قطع مسافات طويلة للوصول إلي هدفهم.
فيما كنت أتابع الناس وهم يتسلقون الجدار المهدم للعبور إلي الجهة الأخري، كان شاب يتسلق الجدار المجاور للمجمع العلمي، يفعل ذلك ببساطة وكأنه أمر عادي، كأنه عاش مع سلطات الاحتلال طوال عمره وتكيف مع ممارساتها، وقف أعلي الجدار يتأمل ما حوله، لم يهتم كثيراً عندما طلبت منه أن يحترس، يبدو صعود كتلة صخرية واحدة من الجدار المحطم صعباً فما البال وهو يتسلق جداراً كاملاً، لكني في اللحظة نفسها وقبل أن أحصل منه علي رد ما تنبهت إلي اللوحة التي تجاور الحائط... "شارع مفيش جدار"، ساعتها ابتسمت لما فعله الوهم بي، فمنذ ساعات وأنا هنا في شارع قصر العيني أقف مهلوساً، أظن أني أري جدرانا بناها ديكتاتور يظن أنها ستحميه من خيال الناس!
"أخبار الأدب" في 8 إبريل 2012