الثلاثاء، 6 يوليو 2010


(أحدهم قال: "ليتعظ العلمانيون من موته" وكأنه بسلامته لن يموت يوماً)
في المعنى الرمزي لرحيل نصر حامد أبو زيد
شهادة نشرت في "السفير" اللبنانية صباح اليوم
***
ياسر عبدالحافظ: المعنى الرمزي لرحيله

ليس من باب التراجيديا القول بأن هذه لحظة تتويج انتصار المشروع السلفي. رحيل نصر حامد أبو زيد يكتسب، وسط موجة الرحيل المتتالية من أعلام الفكر في العالم العربي، معنى رمزياً بالغ الدلالة، يرحل ومعه الورقة الأخيرة التي راهن عليها البعض في عودة الوعي، قبل رحيله، بعام تقريباً، كان هناك مشهدان لهما من الدلالة ما يكفي لقراءة راهننا، الأول جرت وقائعه في مطار الكويت، حيث مُنِع من الدخول تلبية لدعوة إحدى الجمعيات الخاصة لالقاء محاضرة، والمشهد الثاني في القاهرة، حيث منعه الأمن من دخول إحدى قاعات نقابة الصحافيين، ليضطر لعقد مؤتمره الصحافي لشرح ملابسات ما حدث في الكويت، في بهو النقابة، وكأنها بهذا، أي النقابة، تعتذر عن تأخرها في الانضمام إلى المؤسسات التي أضفت على نفسها المسحة «الدينية».
كانت محاولة أخيرة قام بها نصر للعودة إلى عالمه الذي يعرفه، والذي لم يتأقلم خارجه، لكنه ربما لم يعرف إلى أي مدى ساءت الأوضاع خلال الفترة التي قضاها في الخارج، بين قرار المحكمة القاضي بتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، وبين لحظتي المنع في القاهرة والكويت، كانت الأمور قد وصلت إلى الحد الذي بات فيه الجميع يتواطأ لدفن أي فكرة، انتهت معركة التنوير «الزائف» التي بدأت مع عهد التسعينيات، عادت الكتب إلى المخازن، مع اتفاق غير معلن بين السلطة والسلفيين، القاء السلاح مقابل توزيع الغنائم، كل شيء مناصفة: شعارات «الإسلام هي الحل»، و«ضرورة الحجاب»، تتجاور جنباً إلى جنب مع أفلام وأغنيات العري، وقصص الفساد، والقمع. صيغة تهادنت عليها المجتمعات العربية، وهي تعرف أن لحظة الانفجار مقبلة لا محالة. من في لحظة كتلك يخاطر بإعادة فتح الباب أمام ما طالب به «ضرورة التحرر من سيطرة النصوص، وأولها القرآن الكريم». هل ما زالت من فرصة للشرح بأن التحرر من سلطة النص الديني وإعادة تفسيره بما يقتضيه العصر، وباستخدام العلوم الحديثة، لا يعني الكفر به. ليس الآن على أي حال، وهو عرف ذلك... قال في مؤتمره الصحافي المشار إليه «إذا كان القرآن يُقرأ خطأ فأنا لا أحزن لو تم فهمي خطأ». ما لم يدركه أبو زيد أن ما أشار إليه في نهاية القرن الماضي من خطورة «أسلمة الدولة» قد تحقق بخطوات متسارعة، وأن «الزواج الكاثوليكي المحرم بين الدولة والدين في عالمنا العربي» لم يعد من سبيل لوقفه بعد أن باركته الجهات التي كان ينتظر منها أن تعترض: الجامعة، المؤسسة الثقافية، والمثقفون أنفسهم.
اعتاد المثقفون أن يرثوا الراحلين بكلمات أصبحت مثيرة للسخرية: سيبقى الراحل طالما أفكاره معنا. غير أن الأفكار لم تعد تصمد أكثر من أيام الحداد. والمؤكد أنه في حالة نصر أبو زيد سيتم الإسراع في عملية النسيان.

الاثنين، 5 يوليو 2010

الفرق بين "صباح الخير" و"إيه النظام" ليس شكلياً

العامية... سلطة من دون نص

"نص الشهادة التي ألقيت في مهرجان

العجيلي الثاني للرواية" في مدينة الرقة السورية

في ظني أن سؤال لمن نكتب هو الوجه الآخر للسؤال الأبدي: لماذا نكتب؟

عندما احترفت العمل بالصحافة الأدبية قدمت من خلال "أخبار الأدب" باباً أسبوعياً تحت عنوان "ملامح جيل" كان معنياً وكما يفصح عنوانه بتقديم مبدعين شباب، الحوار معهم واكتشاف طرائقهم في الكتابة والتفكير، نظرتهم للعالم والثقافة وما إلى ذلك، كان سؤالي الأخير دوماً في كل حوار هو: لماذا تكتب؟ الردود تنوعت غير أنها دارت في أفق واحد لم تغادره..اكتب لنفسي، أو لأفهم نفسي، أو لأن هذا هو الفعل الذي أتحقق من خلال ممارسته.

كان بيناً بالنسبة لي ولآخرين أن ذلك هو رد فعل تلقائي من مبدع نرجسي تجاه جمهور غير مبالٍ، الحل الأسهل دوماً هو أن تمارس النفي والإقصاء على من بادر بذلك بدلاً من إعادة بناء الجسر الذي تهدم، وثقافتنا العربية وعلى الأقل في عهدها الأخير تشجع على تلك القطيعة فلم تعد مهتمة ولا تراودها الرغبة في اكتشاف الآخر، وكلما ازداد عناد الجمهور وتصميمه على إبعاد صفة قارئ عنه كلما ازداد عناد الأديب والناقد في المقابل، وهو عناد يأخذ شكلاً ثقافياً فيتحول إلى تنظير حول ضرورة إقصاء الجمهور لإنتاج نص لا يحكمه المنطق التجاري، أو بأن الإبداع عمل نخبوي وأنه كان كذلك طوال الوقت إلا من بعض الاستثناءات التي اخترقت القاعدة لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل إن هذا تحديداً يتحول إلى أحد أهم الأسباب في تكريس مبدأ الابتعاد عن الجمهور لأنه في العرف الثقافي فإن النص الذي يكتسب شعبية ما هو بالضرورة نص متواضع فنياً، والمبدع الذي يغازل الجمهور هو بالضرورة ينتمي إلى عقلية ذلك الجمهور بكل ما يستدعيه هذا من توصيفات سلبية أخفها فكرة "القطيع".

في الوقت نفسه الذي كنت أجري فيه الحوارات مع مبدعين من جيلي كنت أمارس الكتابة الإبداعية، أكتب نصوصاً قصصية بين الحين والآخر، وأعمل على مشروع رواية تنطلق من همي وتفاصيلي الخاصة، غير أنى وكلما مضيت فيها وظننت أنى انتهيت أعود لأتوقف اسأل نفسي: لماذا ولمن؟

لماذا؟ كانت سهلة، لسنا أنبياء هذا العصر، لم نعد مطالبين بإرشاد أحد إلى الطريق، تكفلت الصورة بهذا الدور، ثم أنه أيضاً لم تعد هناك مشاريع وطنية أو قومية تطالبنا بأن ندعم برنامجها النضالي. إذن الكتابة لمجرد الكتابة، لأننا بالفعل لا نجيد غيرها، لأن الكلمات الصادقة لا تموت أبداً، لابد أن نطلقها من أسرها ثم ستجد هي هدفها.

يبقى لمن؟ وهو السؤال الأصعب، من الذي تتخيله يمسك نصك ويقرأه حتى لو ظل هذا افتراضا في خيالك؟ هناك من يكتب وعينه على النخبة، هناك من يكتب للمترجمين، وهناك من يكتب من أجل الجوائز، وهناك من يكتب خصيصاً للحبيبة، والقائمة تطول وتبقى كلها أهداف مشروعة ومحترمة طالما ظل النص محكوماً بقانونه الداخلي لا قانون طرف خارجي عنه.

بالنسبة لي وجدت نفسي ودون تخطيط كامل، في روايتي"بمناسبة الحياة" والتي استندت إلى تجربتي في كتابتها لتقديم هذه الشهادة، أتوجه لعالم المهمشين، العالم التحتي في مصر، والذي له مثيل في كل دولة بالطبع، غير أن الفرق أنه في مصر ومع التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتسارعة أصبح له من القوة والسطوة حتى أن من يرصدون حركته لن يندهشوا إن تحول هو إلى المتن طارداً العوالم الأخرى إلى الهامش لأنها في الحقيقة تكاد تكون كذلك الآن ولا ينقص الأمر سوى إعلان بالتعريفات والأوضاع الجديدة.

يقول لينين "يستحيل العيش في المجتمع، مع التحرر من المجتمع" جملة صحيحة تماماً غير أنه لابد من الاختلاف معها حتى لا نعيد تجربة الستينيات، هذا ما كان يشغلني أثناء الكتابة، فأن تكون جزءا من المجتمع ومعبراً عنه أمر يمنح الأدب حيوية يفتقدها عندما يدور النص في فلك الذات والتفاصيل الصغيرة، لكن ما الذي يضمن لنص يتبنى وجهة نظر واقعه عدم السقوط في فخ المسميات القديمة من عينة: الأدب الموجه، والهادف، والثوري، والطليعي؟

لم تكن قضيتي هي سؤال سارتر التعريفي "ما الأدب؟" والمؤكد أنها ليست تكراراً لدعوته بالأدب الملتزم الأخلاقي، إنما فقط اتفاقاً مع أحد عناصر الأدب الوجودي كما يراه هو: أن يضع الناس أو الجمهور الذي يتوجه له في قلب العصر بمشكلاته واحتمالاته، ليضفوا عليه المعنى من خلال سلوكهم الذي يختارونه بإرادة واعية حرة.

هكذا فقد جاء عملي ممتلئاً بالمجرمين والقوادين والمرتشين والمقهورين، كان مخططي في البداية أن تكون الرواية عن حال "مثقف" وسط هؤلاء، غير أنني ومثلما قال نجيب محفوظ عن "بداية ونهاية" خانني القلم وإذا كانت تحولت لديه من ملهاة إلى مأساة، فإنها معي انقلبت من رواية تنطلق من الهم الذاتي وسط المجتمع المهمش إلى رصد لهذا المجتمع وشخصياته وقوانينه.

"الحكومة ما تخوفش راجل"

هكذا تقول إحدى شخصيات الرواية، تكشف بذلك عن السلطة التي تكونت لهذا العالم على مدار السنوات الماضية، سلطة لها كل المفردات التي تمنحها الحق في أن تكون كذلك، قانونها الخاص، جمهورها الذي لا يملك غير الطاعة، إعلامها المتمثل في الميكروفونات المثبتة في كل مكان، لها جيش من العسس والبلطجية لتأديب المخالفين والأهم وهو ما يعنيني هنا أن لها لغتها التي استطاعت تثبيتها وفرضها في الشارع في مواجهة لغة النظام الرسمي للدولة وهو من جانبه يماطل كثيراً قبل أن يقع في فخ حيويتها للدرجة التي توشك بها سلطته أن تقع في أسر منطقها.

أقصد هنا اللغة العامية بالطبع، لكنها درجة أخرى غير التي تمنى محفوظ أن يجد بينها وبين الفصحى طريقاً ثالثاً، وليست هي التي انشغل بها يوسف إدريس ويحيى حقي، فالعامية واختلافاً عن الفصحى ليست جامدة، تتطور باستمرار حسب احتياجات الناس، لا تنتظر أن يجتمع السادة فقهاء اللغة ليقرروا بعد دراسات مستفيضة وضع تعريف أو تعديل قاعدة ما، هي تعتمد في قاعدتها الأولى على أن المفردة التي تجد قبولاً بين الناس تصبح سارية منذ لحظتها، أما ما يغفلونه فقد ذهب إلى النسيان، ومن حسن الحظ أنه ليس لتلك اللغة نص مقدس لهذا فهي مستباحة، ليس لها حراس مثل أولئك الأشداء الساهرين على حماية الفصحى من محاولات العبث المستمرة، وربما سنظل نذكر دورهم الهام في حمايتها من دعوة طه حسين القوية التي كادت تؤتى أثرها عندما طالب في "الشعر الجاهلي" بإخضاعها لعمل الباحثين كما تخضع المادة لتجارب العلماء. مؤكداً على أنه يجب ألا نتقيد بشيء ولا نذعن لشيء إلا مناهج البحث العلمي الصحيح، وأنه لنفعل ذلك لابد بالضرورة من نزع القداسة عنها.

لم أكتب رواية بالعامية كما قد يتبادر للذهن من الكلام السابق لكنى حاولت اقتباس شيئاً من حيويتها في العالم الذي صنعته، غير أن هناك كلمات عامية لم أستطع إيجاد بديل لها فكان لابد من وضعها كما هي، يقول أحدهم "في الرواية" "أنا ما يهمنيش ربنا" وهو يقصد أنه لا يهتم إن كان ربه سيحاسبه على أفعاله أم لا، وهذا هو الحد الأعلى في ارتكاب الخطيئة، أن تفعلها غير عابئ بالحساب، تلك الجملة التي تأتى على لسان أحد المجرمين كان يقصد بها بث الذعر في نفس من أمامه، فهو إن كان لا يخاف الله فلن يبالى بقانون بشرى أو بأخلاق أو بعرف. كل هذا يفهمه الطرف الآخر لهذا يصيبه الخوف فعلاً، فرغم كونه مثقفاً إلا أنه يعرف ثقافة الشارع ويفهم لغته مما يجعله يدرك قوانين ذلك العالم.

جملة كهذه لا يمكن نقلها للفصحى بكل ما تحمله من إيحاءات ودلالات، المقابل لها مثلا سيكون "أنا لا اهتم بالإله" أو "أنا كافر" أو غير ذلك من جمل ليس لها على الأقل تاريخ الجملة بالعامية، ذلك أن بعض المفردات تتحول من إشارة إلى شيء أو دلالة على معنى إلى الاحتشاد بحدث تاريخي عادة تم نحت المفردة بسببه، عندما يطلق أبطال الرواية مثلاً على مفتش البوليس لقب "السادات" فإن هذا يعنى ببساطة أنه يتصف بالخبث والدهاء والحيلة، شخص لابد أن تلزم الحذر منه دوماً، اللقب هنا يتحول إلى مجموعة من الصفات، وشهرته في العامية كافية جداً لفهم دلالاته بحيث يصبح من التزيد أن تشرح بالفصحى داخل نص أدبي ما الذي يعنيه، وتلك واحدة من المشكلات الحقيقية التي تواجه استخدام العامية داخل نص أدبي، فتلك اللغة بقدر غناها إلا أنه ومع تجددها المستمر لا يعرف أسرارها إلا الذين يعيشون وسط أهلها تماماً، فهي وإن كانت لغة المجتمع بأكمله إلا أن لها مثل الفصحى مستوياتها وهى تختلف باختلاف الطبقات الاجتماعية، وما واجهني أثناء كتابة العمل هو هل حقاً أنه مثلما يذهب الباحث والروائي بدر نشأت أنها الابنة الشرعية للغة الأم الفصحى العربية، أم أنها سياق مختلف تماماً بحيث أنها تعبر عن سلطة تواجه سلطة الأولى وتعارضها؟

بحسب ايجلتون في "مقدمة في نظرية الأدب" فإن: "اللغة لا تعكس الواقع، بل تنتجه: إنها طريقة خاصة لتشكيل العالم تعتمد على نحو عميق على أنساق العلامات التي نملكها تحت تصرفنا. أو بالأخرى التي تملكنا تحت تصرفها"

الفكرة هنا أن اللغة العامية تنتج نسقاً من العلاقات وقواعد التفكير مغاير تماما لما تنتجه الفصحى، وأن الكتابة بالعامية أو استخدامها لا يعنى على الإطلاق ترجمة ما كتبناه بالفصحى مثلما نجد مثلاً في تجربة لويس عوض المثيرة للجدل "مذكرات طالب بعثة" فهي من وجهة نظري أفكار بالفصحى مدونة بالعامية المصرية، وكان ذلك أحد تطبيقات لويس عوض على مفهومه للغة والذي جاء في كتابه الذي منع لسنوات "فقه اللغة"، وهى نفس دعوة التجديد التي أطلقها طه حسين وقوبلت بالرفض التام أيضاً، غير أن انحياز لويس للعامية كان شكلاني إلى حد كبير، وربما هذا ما نجده دوماً عند مناقشة قضية: العامية والفصحى، فالتصورات دوماً عن العامية تتوقف عند كونها لغة تعبر عن ما نعبر به نفسه بالفصحى إنما بمفردات وتعابير مختلفة، فإذا كان هذا صحيحاً فأين القضية؟

في الفترة الأخيرة بدأ علماء الاجتماع في مصر الالتفات إلى ما تمت تسميته "اللغة السرية" أسباب انتشارها بين الشباب، وأصلها، وكما في كل البحوث الرسمية: مدى تأثيرها على الفصحى؟ وهو سؤال تستتبعه إجابة رسمية أيضاً موجهة للجمهور الذي يخالونه ينتظر النتيجة في قلق بأن اللغة العربية بخير ولا خطر عليها فهي لغة القرآن و.... إلى آخر تلك الجمل الإنشائية المحفوظة.

هناك فارق كبير بين تحيتين:

صباح الخير

و إيه النظام؟

الأولى موجهة من مواطن يلتزم بتعاليم الدولة، يتحرك في محيط اجتماعي مستقر، يؤدى الفروض الدينية حسب قدرته، يترقى في وظيفته بشكل يضمن له الحصول على معاش جيد في نهاية مدة الخدمة. هذا هو التفكير بالفصحى.

الثانية مواطن خارج حتى هذه اللحظة عن القوانين المرعية، لا يهتم بالوظيفة حتى وإن كان يشغلها، بالنسبة له النهار هو الفترة المزعجة من اليوم والليل هو الآمان حيث يتحقق مع من مثله، يرى أن الحياة عبث لا فائدة لها وأن الأنساق الاجتماعية عبء بما في ذلك أحيانا الشكل الديني... وهذا هو التفكير بالعامية.

إذن عندما تتخير جملة من هذه يلقيها شخص على آخر فهذا لا يعنى مجرد أنك تكتب بالفصحى أو العامية، وإنما تنقل وتصور طريقة ورؤية للحياة مغايرة تماماً.

التعبيرات والمفردات العامية غالباً لا يكون لها معنى مباشر بالفصحى لأنها عبارة عن خبرات متراكمة للناس، شيء أشبه بالرموز والإشارات، هي في ظني محاولة جادة للتمرد على طريقة التفكير الفاسدة والمنافقة بالفصحى، المشكلة الأساسية في استخدامها في عمل فني أنها في حاجة أحياناً لشرح ما تعنيه، وهذا ما واجهته عندما قام الصديق والمترجم المغربى د. علي أزرياح باختيار فصل من الرواية لترجمته للإنجليزية لمجلة "بانيبال" فوجئت بأن الكلمات العامية في النص مبهمة بالنسبة له، طبعاً كان له عذره لأن أصدقاء لي مصريون واجهوا مشكلة في تأويل بعض الكلمات، وتلك بعض الأمثلة التي تناقشنا حولها أنا ود. أزرياح لتساعد على تقريب الصورة إليكم:

1- من النص: "فاضي" (الكلمة التي نستخدمها دلالة على خلونا من المخدرات أو الخمور) لكنه كان مشحوناً بدرجة لم يصل إليها مع أي"دماغ."

كلمة فاضي هي المرادف العامي لكلمة فارغ وهى تستخدم على أوجه عدة، فتقول الكوب فاضي بمعنى أنه فارغ، أو تقول أن فلاناً فاضي والمقصود هنا أنه غير مشغول بشيء، وغالباً فإنه هنا وصف سلبي لحالة هذا الشخص، فالمثل الدارج على ألسنة الناس لوصف حالة شخص لا يفعل شيئاً في حياته هو: أصله فاضي. وفي الرواية يستخدم أبطاله هذا اللفظ لتوصيف حالتهم عندما يكونوا في حالتهم الطبيعية دون تأثير من مخدر أو خمر.

دماغ في العامية يقابلها الرأس بما يحويه من أعصاب في الفصحى، يقول الناس فلان دماغه كويسه تعبير يقصد مدح طريقة تفكير هذا الشخص، يقولون فلانٌ هذا دماغ... والمقصود أنه عبقري. على مستوى آخر فإن الكلمة تستخدم للتعبير عن حالة غير طبيعية للإنسان يصل إليها بالمخدر أو الخمر، فأن أقول عن نفسي "أنا عامل دماغ" فأقصد أنى واقع تحت تأثير المخدر.

2- من النص:"قام بشراء"كالون" معلناً استقلالاً لم يستسلم له الكبير في البداية."

المعنى هنا رمزي جداً وهو شائع في مصر، فأن تقوم بتغيير كالون باب فأنت تعلن الاستيلاء عليه لنفسك وتمنع الآخرين من دخوله، أنت هنا المسيطر على المكان، هنا قام البطل بشراء كالون جديد واستبدله بالقديم فأعلن المكان خاصاً به وأعلن كذلك استقلاله، لأنه في البيت المصري لا توجد خصوصية فالأبواب لا تغلق وإن أغلقت يمكن فتحها في أية لحظة من قبل الأب أو الأم، وهذا الاستقلال بكل ما يتبعه هو ما رفضه الأب في البداية.

3 - من النص: "هو احنا يا بهوات عشان بنتاجر في المخدرات خلاص ما نصدق ونبقى مجرمين."

هذا من تاريخ الألقاب العثمانية... بك وباشا وأفندي. بك قد تحولت في العامية إلى بيه وجمعها بهوات، تاجر المخدرات هنا يستخدم هذا اللقب للإشارة إلى المستوى الطبقي لزبائنه، فهم هنا أعلى من المنطقة الشعبية التي ينتمي هو إليها، هذا التاجر المنسوبة إليه الجملة يؤمن وكما جاء في الرواية بأخلاقيات زمن مضى، وهو يعتقد أنه لابد من حد أخلاقي لكل الناس حتى لو كانوا تجاراً للمخدرات، هو يرى هنا أن تجارة المخدرات قد لا تكون عيباً أو حراماً بشكل مطلق وأنه إذا كانت الظروف الصعبة قد أجبرته على ممارستها فليس معنى هذا أنه قد أصبح مجرماً بالكامل، بمعنى آخر يمكنك أن تقتل مثلاً لكن هذا لا يلزمك أن توقع عقدا مفتوحاً ببيع روحك للشيطان.

4- من النص:"مخصص للناس "الجامدة" بعد حصولهم على مزاجهم يمضون وقتا آخر في تبادل الحديث معه."

في العامية المصرية يشير مصطلح الناس الجامدة إلى فئة اجتماعية معينة، أو غالباً إلى مناصب ربما ذات ثقل، هو وصف عام يعنى أن هؤلاء الناس أصحاب مال وسلطة. والمزاج هو اصطلاح آخر يصف تعاطي المخدرات، فبعد حصولهم على مزاجهم تعنى بعد أن تعاطوا المخدرات... لكن ليس ذلك فقط فهي أيضا تتضمن بشكل خفي إشارة إلى أنهم قد أصبحوا في حالة مزاجية جيدة بسبب هذه المخدرات، في العامية المصرية أيضاً وعندما تقول أن فلاناً مزاجه حلو فهذا يعنى أنه في حالة نفسية ممتازة.

5- من النص:"والبرشام وببنط أصغر... "بحمد الله نحن لا نبيع الخمور".

هناك بعض الأدوية المصنعة على هيئة حبوب تتضمن نسبة مخدر عالية يسميها المصريون البرشام، ومنها نقول فلان مبرشم بمعنى أنه واقع تحت تأثير مخدر على هيئة أقراص مخصصة أساساً للعلاج. وفى الثقافة الشعبية المصرية فإن تجارة المخدرات ليست حراماً مثلما هي تجارة الخمور، وهذا الاتجاه ساعد عليه عدم وجود نص صريح في الدين الإسلامي يتحدث عن المخدرات، في حين تجد كثير من النصوص تتحدث عن حرمانية الخمر، وجملة "بحمد الله نحن لا نبيع الخمور". هي بشكل ما سخرية من هذا الاتجاه الديني السطحي.. فأنت تجد أحيانا شخصاً متديناً افتتح محلاً للبقالة وكتب يافطة كتب عليها.."الحمد لله...لا نبيع السجائر" فبعض المتشددين الإسلاميين يحرمون كذلك بيع السجائر.

***

في النهاية وبالنسبة لي كان لابد من فهم أبعاد استخدام العامية في النص الأدبي، فإذا كانت الفصحى تمثل السلطة القديمة الأكثر رسوخاً واستقراراً، فإن العامية تمثل في المقابل سلطة أخرى لا تقل قوانين مجتمعها ديكتاتورية وغلظة عن منافستها، وأن الانحياز لواحدة منهما على حساب الأخرى يعني رؤية نصف الصورة فقط، أو بوجه أكثر تحديدا نصف الصورة المشوهة فقط!

السبت، 3 يوليو 2010


قال وقتها أن الكتابة دماء تجري في عروقه... وأنا ما زلت معجباً بالتشبيه
خليل حنا تادرس
أنا لست... مارتن لوثر كنج






"ثم لف يديه حول عنقها العاجى وأخذ يقبلها فى عينيها..وفى شفتيها وفى وجنتيها ويغمر كل جزء فى وجهها بالقبل، ولكأنها كانت لحظة من زمان الجنة اختطفاها من وراء الدهر.
مرت لحظات قصار كأنما هي العمر كله ثم أطلقها من بين ذراعيه وهو يقاوم بعنف ذلك الحيوان الذى استيقظ في جسده يريد أن يأكل..أن يلتهم هذه الثمرة الشهية أمامه"
بعدما يزيد على العشرين عاما اقرأ نفس الكلمات غير أنه بالتأكيد ليس الشعور الأول نفسه، لا تقفز عينى على السطور مترقبة ما سيحدث.
يدخل خليل حنا تادرس، كان يتفاوض مع عمال دار نشر صحفية كبرى على الإكرامية التى تلقوها منه لقاء تنزيل الكتب من العربة إلى مكتبه، تتولى تلك الدار توزيع كتبه، لكنه سحبها الآن قبل دخول شهر رمضان "السوق ها ينام" هكذا يقول بينما أضع كتابه "لا تغلق الباب" والذى أهداه لى قبل دقائق بجوارى بارتباك محاولا تذكر عدد المرات "اللى اتمسكت فيها متلبسا بقراءة خليل حنا تادرس" بكل ما كان يعنيه اسمه وقتها من دلالات.
مكتب بشارع فيصل يمارس منه عمله الذى أتقنه طوال ما يقرب من خمسين عاما كاملة: نشر وطباعة وتوزيع الكتب، رحلة بدأت بعد أن اكتشف أن الناشرون يربحون الكثير من وراء إنتاجه بينما لا يأخذ هو سوى الفتات فقرر أن يلعب الدورين معا..المؤلف والناشر وكان الربح بالفعل أكبر كما توقع، وهذا مع أنه كان يتقاضى أجرا كبيرا بالنسبة للوقت الذى بدأ فيه، خمسون جنيها لقاء أول عمل "شيطان الحب" من دار النشر الحديثة والتى كانت تقع فى 2 شارع كلوت بك وذلك عام 58، ثم تضاعف المبلغ إلى مائة مع الأعمال التالية "همسات حبيبى"، "شفاه مرتابة"، "أجنحة الحب".
طالب ثانوى من بنى سويف، هكذا كان خليل عندما نشرت أولى أعماله، استمر فى التردد على القاهرة من أجل نشر أعماله التالية قبل أن يقرر بعد ذلك بعامين الاستقرار فى العاصمة ليس فقط لممارسة الكتابة وإنما كذلك لمباشرة مهام وظيفته الجديدة..سكرتير الخدمة الاجتماعية فى بطارطركية الأقباط الأرثوذكس فى كلوت بك، تلك المهنة التى ساعدته فى الكتابة لأنها جعلته يتفقد الحالات المأسوية جدا.
يعنى أدبك كان له علاقة بالواقع؟
ليجيب بلا تردد: كان كله واقع.
تكشف الإجابة عن رؤية خليل لما كان يكتب، ربما تكون محاولة للدفاع عن اتهام كتبه بالإباحية، غير أنه يبدو أنه لم يطور أدواته وأساليبه الفنية وغالبا كان لمهنة الناشر التى احترفها بجوار التأليف سطوتها. كل ما يتذكره عن استقبال الوسط الأدبى لأعماله أن السيد ناظر المدرسة أقام حفلا جميلا بمناسبة ظهور أديب شاب واعد فى بنى سويف.أما بالنسبة للنقد فلم يكن هناك شئ من ذلك فى تلك الأيام مؤكدا بثقة"احنا اللى عملنا النقد الأيام دى" دون أن أفهم على من تعود "احنا" تلك ذلك أنه ينتقل سريعا ليحكى عن الحرب التى كانت تشن ضده، ولم تكن من أدباء أو نقاد كما تخيلت وإنما من تيارات إسلامية، هو كما يقول كان يطبع تلك النوعية ( لفظ النوعية من عنده) من الكتب بكثرة وكان يعطى نسبة خصم كبيرة للبائع لهذا كانت توزع أكثر من الكتب الإسلامية لهذا هاجموه فى جرائدهم قائلين: بينما نحن نبنى فإن هذه الكتب تهدم. هكذا تكتشف كيف سيطرت عقلية الناشر على تادرس..المسألة كلها فى النهاية: فلوس.
انتهز الفرصة لأسأله عمن هاجموه أيضا بدعوى أن ما يكتبه يندرج تحت بند "الاباحى" ينتفض بجانبى مستنكرا الكلمة، أقول أنها ليست رأيى وإنما اسأل عن رد فعل من كانوا حوله؟
"لم يكن يهاجمنى أحد كنت موضع فخر، وبعدين أنا لم أكن وحدى كان هناك فى ذلك الوقت كتب كثيرة لكنها كانت كتب سطحية وأنا كنت أتصدر الساحة"
وصمت تاركا الكلام معلقا لينشغل بالبحث وسط كم هائل من الكتب والأوراق عن نماذج من الموافقات التى كان يحصل عليها من وزارة الإعلام، أحاول إثناءه عن ذلك محاولا توجيه الحديث ناحية أخرى لكنه لا يهدأ حتى يجدها، يعرضها أمامى وبذلك ينتفى أى مبرر لسؤالى، غير أنى أحتمى مثلما فعل بمستند آخر، أفتح كتاب ريشار جاكمون"بين كتبة وكتاب" على الصفحات التى كتبها عنه.
ريشار يصف ما تكتب بأنه " الأدب الذى يقرأ بيد واحدة" والمعنى مفهوم بالطبع، يأخذ الكتاب ليقرأ الصفحات وهو يقول "هو جانى هنا" ينتهى من القراءة ويسأل عن أماكن بيع الكتاب. "مدبولى...إيه رأيك فى وصف ريشار"؟
"أنا لا أقر بهذا الرأى، حتى التراث الاسلامى مملوء بهذه الألفاظ، أنا لم أخرج عن المألوف، هذه قصص أدبية، وهناك آخرين كتبهم فيها ألفاظ أكثر منى ألف مرة، عندك المستنقع لعبد الحميد جودة السحار، بيت من لحم ليوسف إدريس، لا أنام لاحسان عبد القدوس وكل كتبه"
"طيب لماذا كنت تتعمد وضع تلك الأغلفة المثيرة على الكتب؟" يجيب بتلقائية ودون تفكير" هذا كان شأن الكتب والمجلات فى ذلك الوقت..كان أمرا مباحا، وبعدين أنا لا أضع صورا عارية، يعنى أن الآن اشتغل على كتاب فى الأساطير، شوف الصور دى" وأخرج من حقيبته السامسونيت السبعينية لوحات عالمية معروفة لفتيات تستحم وتلعب وقال "دى من كتاب ثروت عكاشة مسخ الكائنات"!!
كان ما زال يتأمل اللوحات" شوف دى" ونضحك سويا، لا يتركها وهو يجيب عل سؤالى الذى أحاول به الوصول لشخصية المؤلف داخله:
لماذا تكتب؟
رنة ساخرة تطبع كلامه "ودا سؤال برضه ياباشا..سؤال غريب، باكتب لأنى باحب الكتابة، والكتابة دماء تجرى فى عروقى"، أحاول تطوير الأمر لنصل لمنطقة أخرى" يعنى هناك مثلا من يكتب لأنه يريد تغيير المجتمع أو دفاعا عن قضية".
فيرد بنفس التلقائية التى تميزه" ليه هو أنا مارتن لوثر كنج، أنا لست كاتبا ثوريا، أنا كاتب قصة، كاتب أدبى".
"فلماذا أشعر أنك لم تأخذ حقك الأدبى رغم انتشار اسمك والتوزيع الكبير لكتبك" فيعود للبحث فى أوراقه وهو يقول" أخذت أكثر من شهادة تقدير، منها واحدة من جماعة أبوللو التى كان يرأسها عبد العزيز شرف وقد كتب عنى فى الأهرام، وكانت هناك عدة ندوات أدبية حول أعمالى، لكنى لا أحب الأضواء، هالة سرحان استضافتنى مرتين.."
لم يعد خليل حنا تادرس يكتب الآن تلك "النوعية" من الكتب التى اشتهر بها، عدة أسباب دفعته لهذا على رأسها الحالة الصحية فهو الآن فى السبعين من عمره وقبل شهرين أصيب بذبحة صدرية، ومن ناحية أخرى فقد ساء حال الكتاب كثيرا، لكنه مع ذلك يقول أنه لا يتملص أو يتحرر من تلك الكتب لكنه فقط بدأ فى التنويع. أقول له أن السبب ربما يكون فى حالة التزمت الموجودة الآن، فينفى قائلا أن الحرية الآن أكثر من ذى قبل" بيعلنوا عن كتاب رجوع الشيخ إلى صباه فى الوسيط، ادخل النت واكتب 89 أو هانز هانز ها تلاقى برامج أوضاع جنسية، إعلانات الفياجرا فى الشوارع، والآن هناك تدريس للثقافة الجنسية على قنواتنا وليس القنوات الفضائية"
وماذا عن الترجمة..كيف تختار الكتاب الذى ستقوم بترجمته، ما هو معيارك؟
لابد أن يكون له صدى واسع، اضمن أنه سليقى توزيع جيد هنا.
أنا أذكر أنى قرأت لك كتابا مترجما وكانت الشخصيات تحمل أسماء عربية..هل تتدخل فى النص الذى تقوم بترجمته؟
"السأم" لالبرتومرافيا، غيرت الأسماء مع المحافظة على كيان القصة وجوهرها، وممكن اختصر، يعنى الكتاب يكون 500 صفحة يطلع فى 150 مع الحفاظ على ما قلت لك عليه.
اسأله قبل أن ننهى الحوار: ألا توجد قصة تريد كتابتها الآن من وحى الواقع الذى تراه؟
أنا دايما نفسى اكتب حاجات كثيرة، ولسه فى خيالى أفكار، نفسى اكتب قصة شبيهة بنشوى والحب لأنها كانت سبب شهرتى وطبعت أكثر من عشرين مرة.
أخرج من عنده لأجد البواب واقفا على الباب يرفع يده بالتحية وعينه على غلاف أحد الكتب،امرأة ترتدى قميص مفتوح على جسد عارى، نتبادل ابتسامة متواطأة..هل ما زال لخليل حنا تادرس ذلك السحر القديم؟
"نشر في أخبار الأدب"

الجمعة، 18 يونيو 2010

".... لم تهدأ النفوس بعد، يمكن معرفة هذا من خلال ردود الأفعال على مشاركة الجزائر في مونديال أفريقيا، ما زال الحمقى كثيرون، سكتوا مرغمين لكنهم يتحينون الفرصة لإشعال النار مرة أخرى. أظن أنه من الواجب، ولو أني أشك في جدوى هذا، الصراخ في وجوههم مع كل مناسبة: أنتم حمقى".

من يرد إلى مصر عقلها

ولما لا!

ما المانع في أن نضيف ثنائية جديدة إلى عالمنا الذي باتت تسحره الانقسامات. بدأنا بـ "مسلم – مسيحي"، ثم "سني – شيعي"، وبدأت القائمة تطول حتى يمكننا الآن أن نفخر بأنه لدينا قاموس جديد للمترادفات يعتمد على الكراهية: "عربي – إيراني"، "لبناني – سوري"، "كويتي – عراقي"،"حوثي – يمني". ثم الانقسام الأحدث والذي دخل إلى المسرح بزفة: "مصري – جزائري". والأخير يبشر بأنه سيمكن المضي في اللعبة بدون توقف، فهناك مقترحات يومية لا تخطر على بال أحد، وكل شيء أصبح قابلاً أن يكون مصدراً للانقسام. وإذا كان هذا هو الوضع بين البلاد وبعضها فإن الداخل أيضاً لن يتجاوز هذا القانون والمحترفون سيمكنهم الوصول إلى الثنائيات الأكثر دقة داخل كل جماعة. والشعار المقبل في تلك الحال يمكن التنبؤ به ببساطة "اقتل ثم اسأل بعد ذلك".

الآن مطلوب منا أن نغضب. وعندما تسأل عن السبب يعتبرك من سبقك إلى الغضب لا تتمتع بالكرامة الواجبة، ولا بالرغبة في استعادة الروح "المصرية" المفقودة منذ زمن، وإذا أبديت تشكك في أهداف النظام الذي أشعل هذه اللعبة الخطرة يتم تذكيرك بالمبدأ البرجماتي في السياسة والذي يوصي أن تستفيد في حربك مما يقدمه لك الآخرون بغض النظر عن أهدافهم، فإن تحججت بأن الطرف الآخر في الثنائية الحالية عربي مثلك قيل لك أنك واهم، وأنه ينتمي إلى الفرانكفونية أكثر مما ينتمي إليك، هو لا يتحدث العربية، ويكن لك حقداً أعمى، وأن هذا لا يشمل جمهور كرة القدم فقط وإنما يمتد ليشمل الجميع بما في ذلك النخبة.

فليكن، لنغضب، ما المشكلة في أن نغضب، لدينا غضب محشور في الحلق من زمن، غضب على قتلانا في القطارات، والمستشفيات البائسة، والمراكب التي تحمل الآلاف هاربين من وطن الأغاني، غضب على أحلام مقموعة لم نحظ بفرصة اختبارها. سنستعيد كل هذا ونلم عزيمتنا التي لانت بعد ثلاثين عاماً من السلام، وقوانا التي لم نعد في حاجة إليها بعد أن امتلكنا الحكمة. سنرقص على النيران المشتعلة في أعلام عدونا، لن نفكر بعد الآن، التفكير خطيئة الغاضب.. لو أقدم عليها لعاقبه إله الغضب بإنزال السكينة على نفسه، ونحن مللنا السكينة، مللنا أن يقال عنا "خونة"، هل نحن خونة؟ ألا يتسابقون الآن خلف الأبواب المغلقة لاحتضان من يلعنونه على صفحات الجرائد، هل جريمتنا أنا كنا واضحين، حاربنا ثم مهرنا سلامنا أمام عين الشمس. هل خطيئتنا أننا أصحاب أول حضارة في الدنيا، هل يكرهوننا لأننا ملكنا كل شيء: السينما، المسرح، الغناء، خفة الظل، و"تلاتة" نوبل، ألم نصمت على هذا الحقد بما يكفي. أليس هذا الوقت المناسب للانتقام؟

***

حيث أقيم وأعمل حالياً في الكويت ومنذ أن اشتعلت الأزمة أجد من ألقاهم من مصريين يقومون برصد من معنا ومن علينا، في خيطان (المحافظة التي شهدت ثورة الصعايدة قبل سنوات) رصد أحدهم أن السوريين قاموا بمسيرة حملوا فيها العلم الجزائري تأييداً وانحيازاً سافراً. لكن اللبنانيين معانا، هكذا يقول آخر ويضيف وهو يبتسم بثقة قائد ضمن نتيجة المعركة: ومعظم الكوايته متعاطفين.

نعم يا سادة من الأفضل أن تأهبوا أنفسكم لهذه الحقيقة: نحن ذاهبون إلى الحرب، ومن لا قدرة له على المعارك فليمكث في بيته بين النساء مكللاً بالعار. لا لن تصل إلى الأمور إلى هذا الحد بالطبع، يؤكد السياسيون بعد اطمئنانهم إلى مقدرتهم على توجيه الجمهور. يوضحون أنه لم يتم سحب السفير كما يتداول العامة بفرح، فقط لقد تم استدعاؤه، مذكرين بأن هذا إجراء قاس جداً لم يتم سوى عام 2000 مع إسرائيل. يا سلام! وأنت تريد أن تفهم، لأنك لا ترى ما يراه الناس، فهل هي الوحدة والبعد قد أثرا على إحساسك الوطني فلم تعد تشارك الناس فرحها وآلامها، هل ينفع في هذه الحالة الاستماع إلى الأغاني الوطنية التي انتشرت على "الفيس بوك"، وإلى بكائيات الإعلام. لا كانت محاولة فاشلة، صوت جلال معوض وهو يقدم حليم كان لأول مرة باهتاً بل وسخيفاً.

لا مبرر للعنف. لكن علينا أن نتذكر أن تلك كانت مباراة في كرة القدم، وهذا الجمهور لم يأت للاستماع إلى فصول أوبرا شهيرة ليهذب مشاعره، ومن لم يسمع قبلاً عن جمهور كرة القدم في العالم كله، من لم يسمع عن دموية وعنف المشجعين الانجليز مثلاً، فليبحث في ملف اسمه "شغب الملاعب"، وإذا أراد أن يتخصص أكثر فليبحث عن ظاهرة ـالهولكنز" hooligans"

ظاهرة فرض عنفها في أوروبا أن يكون لها أطباء نفسيين يشرحون ويحللون ويقدمون الحلول المناسبة، وأولها أن يمتنع الإعلام عن الشحن الزائد. والحقيقة أنه ليس سراً أن بعض الجمهور الجزائري ينتمي إلى "الهولكنز" بامتياز، كان على الجميع أن يعرف هذا، السلطات المصرية والسودانية، والنصيحة الأولى: لا تترك نفسك فريسة سهلة أمام هؤلاء، لكن لا أحد اهتم بذلك، كنا ذاهبين ولدينا وعد من السماء بالنصر، المعجزة التي تمت على استاد القاهرة كان لابد لها أن تكتمل، هذا ما يقوله المنطق، لكن من قال أن القدر يأبه بمنطقنا، هو لديه منطق مسرحي يسير به الأمور.

عاد الناس ينعون ضياع الأخلاق الرياضية، وروح التنافس الشريفة، وحسن الضيافة. كلام يذكرك بما كان يقولونه قبلاً عن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، والسنة والشيعة، والعلاقات العربية العربية، كلام لا علاقة له بالواقع، لكننا احترفنا هذه اللغة، ونلجأ إليها دوماً في كل المواقف، ربما هذه هي المرة الوحيدة التي نستخدمها لنشعل الحريق لا لنطفأه.

من حقنا أن نغضب. من حقنا أن نهدد اتحادات الكرة، وأن نطالب بمنع الجزائر من لعب كرة القدم لأنها سفرت إلى السودان مشاغبين وليس جمهوراً مهذباً مثلما فعلنا. من حقنا أن نؤلف القصائد والأغاني نتذكر فيها أمجادنا. من حق مصر أن تحمي أبناءها في الخارج (أتمنى)، وممتلكاتهم في الدول الأخرى. من حقنا أن نحلم بأن دولتنا قررت أن تفتح صفحة جديدة مع شعبها، وأن هذه الرومانتيكية ستستمر لتكون منهجاً لها، لن تفرق بعد الآن بين رجل أعمال وبين عامل بسيط، كلاهما مغترب، وكلاهما كرامته من كرامة مصر. من حقنا أن نفكر إن كنا عرباً أم فراعنة. من حقنا ألا نسكت على انحياز "الجزيرة" السافر ضدنا. من حقنا أن نغضب، وأن نحطم في طريقنا إلى سفارة الجزائر ممتلكاتنا، هي في النهاية ممتلكاتنا ونحن أحرار نبني البلد أو نحرقها ليس لأحد أن يعترض. لن ينازعنا أحد من كان في حقنا الرد على إهانة توجه لنا، نحن من فرط في هذا من البداية، غير أن الرد لابد أن يكون بذكاء، رد دولة لها ثقلها ووزنها السياسي، دولة تعرف كيف توازن بين الفعل والرد عليه، كيف تفصل بين البيان العسكري والعتاب، بين وظيفة الجيش وشغب الجمهور.

من حقي كمواطن أن أغضب من تصرفات جزائري متعصب، لكن ما هو ليس من حقنا أبداً أن نهين شعباً بالكامل لأننا خسرنا مباراة كرة قدم، ليس من حقنا أبداً محو أحد من على الخريطة. مصر "أم طرحة وجلابية" لم تعد تفكر ونأمل أن يرد لها شخص ما عقلها.

نشر في "أخبار الأدب"


الخميس، 17 يونيو 2010


إنسان «الفيس بوك»... الحياة الافتراضية أكثر بهجة




بيته الواسع في حجم الشاشة.
هو أول ما تتفتح عليه عيناه في الصباح، وآخر ما يراه قبل النوم. تلك الصفحة المؤطرة بشاشة الكمبيوتر باتت عالمه كله، لم يعد يريد شيئاً من الخارج، فقط الاحتياجات الضرورية التي تمكنه من العيش، كل ما يريده ويحلم به تلخص هنا: الأصدقاء، الثورة، الأحلام، الحبيبة، فقد الخارج بريقه بعد أن تحقق له التواصل معه وهو جالس في مقعده الوثير.
اليوم كان عيد ميلاده، ملأت التهاني سطح الشاشة، زينت الرموز والأشكال الالكترونية بجوار الكلمات سطح الشاشة، لا يذكر أن أحد أعياد ميلاده في العالم الواقعي كان حافلاً مثل هذا. منحه الـ «الفيس بوك» الحياة التي طالما حلم بها، تلك التي آمن، بعد الخيبات العديدة، أنها لن تتحقق.
يمر على منازل أصدقائه يتابع ما يفعلون، يرسل هدية لحبيبته، يحايلها بوردة. قدح من القهوة لصديق لم يره من فترة. يكتب لآخر متسائلاً عن انقطاعه الذي طال. يدون خاطرة مرت في ذهنه على «نوت» ويختار بعضا ممن يعرف أنهم مهتمون بالموضوع يرسلها لهم ليبدأ بعدها بقليل نقاش حولها على الهواء.
الوضع في غزة يضايقه، تؤلمه مشاهد القتل والدمار على التلفزيون، يشارك في «جروب» خصص لنصرة غزة، بل ويغير صورته على «البروفايل» ليضع مكانها شعاراً لقبضة تصر على السلاح وتحتها بالأحمر القاني «غزة لن تموت»، يرى أن ذلك الشعار أفضل من وضع صورة لطفلة من الضحايا تبكي من الألم والخوف، تلك ميلودراما لم تعد تناسب هذا الزمن، لم نعد في التسعينات بأي حال، يتردد في المشاركة في جروب آخر يعارض السلطة القائمة بكلمات عنيفة، لكن تردده سرعان ما يذهب وهو يفكر في حاله: كاد أن يتم الثلاثين بلا عمل حقيقي ولا أمل في ارتباط جاد، تتغير حالته النفسية خلال تلك الساعات التي قضاها أمام الجهاز، يشعر بضرورة أن يغير الـ «status» ليعبر عن مزاجه في تلك اللحظة، مثلما يفعل معظم أصدقائه بشكل دوري، هكذا فإنه عندما يدخل إلى صفحة الـ «هووم»، تلك التي يرى من خلالها بشكل سريع التغييرات التي قام بها أصدقاؤه على صفحاتهم، فإن أول ما يفاجئه تلك الحفلة الصاخبة من المشاعر والحالات الوجودية، من القلق، والسعادة والاغتراب، والأمل، والغضب، للحظة يداهمه الشعور بأنه جزء من طقس تعري نفسي ما. في البداية كان هذا يشعره ببعض التوتر، لم يكن في يوم يشعر أنه مكشوف إلى هذا الحد، وكذلك الآخرون، غير أنه بمرور الوقت تعلم أن يفصح عن مشاعره مثل الآخرين، تعلم العيش المشترك، ذلك الذي تنص أول قواعده ألا تخاف من الإعلان عن مشاعرك.
قبل أن يصبح عضواً في تلك الشبكة كانت تصله يومياً الدعوات من أصدقائه لينضم إليهم، كان متردداً، ربما ذلك الانتشار الهائل هو ما جعله يحجم عن القبول، ربما لأنه شعر أنها تقليعة سرعان ما تمضي لحالها، أو لأنه شعر أنها وسيلة تناسب أشخاصا مغرمين بأنفسهم إلى حد كبير، كان يسمعهم ويراهم وهم يتحدثون عن الأنشطة التي قاموا بها في صفحاتهم، الصور التي وضعوها، المفاخرة بينهم عن أعداد أصدقائهم، وعمن كتب لهم على الـ «وول». مع متابعته لهم بدأ يشعر أنهم يمارسون أنشطة معينة ليس من أجل الاستمتاع بها ولكن من أجل أن يضعوها أمام الناس على الهواء. لكن رفضه لم يكن ليدوم طويلاً، بعد وقت قليل ومع تزايد انتشار الموقع كاد يكون الوحيد غير الموجود عليه، والأهم أن مدونته التي كان يسجل فيها آراءه ومواقفه والتي كان لها شعبية قبلاً، بدت وكأنها تنتمي إلى زمن مضى، لم يعد زوارها بالكثافة القديمة.
هل لديك «فيس بوك»؟
كان السؤال يطارده في كل وقت، من إدارة الموقع ومن أصدقائه.
السؤال بسيط. والأبسط أنه يمكنك تجاهله مثل آلاف الإعلانات التجارية التي تحاصرنا في كل لحظة. لكنك في الحقيقة تقع في خطأ فادح إن فعلت، هكذا قال له أحد المدونين من أصدقائه، كتب يشرح له أهمية الفيس بوك: يمكنني أن أصف لك حجم الخطأ الذي توشك على الوقع فيه بالتالي... أنت بهذا القرار وبمحض إرادتك تنأسر في لحظة زمنية توشك الدخول إلى قسم المحفوظات في كتاب التاريخ الإنساني. منذ رفضك سيسبق كل ما تفعله أفعال الماضي، ذلك لأنك ببساطة تقرر الانفصال عن مئات الملايين الذين يرسمون الآن شكلاً جديداً لكيفية إدارة العلاقات الإنسانية، يضغطون من خلال تلك الشبكة على الطرق السائدة والمتعارف عليها، والتي كانت قد بدأت في الاهتزاز مع دخول عصر الانترنت، إلا أنها تلقت ضربة قوية خلال الأعوام القليلة الماضية بعد الجماهيرية الكبيرة التي حققها الـ «فيس بوك» في العالم، وخاصة في عالمنا العربي والإسلامي، ليؤشر بقرب نهاية عصر سيطرة أجيال الحكمة، والتقاليد، والموروثات الاجتماعية. وليس في الأمر مبالغة ما.
في الحقيقة هو كان يعرف هذا، الأرقام ودرجة الفعالية التي يتابعها تؤكد ما قاله صديقه. يبلغ عدد مشتركي الفيس بوك حالياً ما يقرب من مئة مليون مشترك والعدد يتزايد في وتيرة سريعة، وزواره يقتربون من 200 ألف زائر يومياً، كان يعرف أن الموقع يكتسح المواقع الاجتماعية الأخرى بشكل درامي، وأن هذا يتم بفضل سلاسة وبساطة تطبيقاته وجاذبيتها في الوقت نفسه.
كان يعرف عن الـ «فيس بوك» ربما أكثر مما يعرفه أصدقاؤه من مستخدميه، قرأ عن مبرمجه مارك جوكربيرج، ذلك الشاب الذي يماثله في العمر تقريباً، يعرف أنه لم يكن ليتخيل هذا النجاح الرهيب، لم يكن يتخيل أن شبكته الصغيرة التي أرادها بمثابة ساحة تتيح لزملائه في جامعة هارفارد يتبادلوا من خلالها صورهم وأخبارهم، ستتحول إلى منصة قوية للأصوات غير المسموعة في العالم، تستغلها المعارضة لاطلاق القذائف على السلطات في العالم العربي، السلطات بكل أشكالها... سياسية، فنية، ثقافية، اجتماعية. والمؤكد أكثر أنه لم يدر في ذهن مارك على الإطلاق أن الموقع الذي يفكر في إطلاقه على الشكبة سيتحول إلى موقع إعلامي شعبي في العالم العربي، يقول رأيه في كل شيء، وبشكل يغاير وينافس دوماً ما يقوله الإعلام الرسمي، ليؤكد بعد عقود من الاستغلال الحكومي لوسائط الميديا أن الحقيقة لا يمكن أن يكون لها أبداً وجه واحد. كان مارك يعرف فقط أن فكرته إن قدر لها التواجد ستحوز على شعبية بين زملائه، وتحققت تلك الشعبية بالفعل لكنها تعدت تلك المرحلة سريعاً وتحولت بعد أقل من خمسة أعوام فقط من إطلاق الموقع إلى هوس عالمي بها، وهو الهوس الذي رصدته الشركات الكبرى التي تتعامل في مجال البرمجيات فعرضت على صاحب الموقع ذي الخمس وعشرين عاماً شراءه بمبلغ مليار دولار، إلا أنه رفض العرض وسط دهشة من حوله قائلاً أن قيمة الموقع تتعدى ذلك بكثير، وهو ما جاء التأكيد عليه بالفعل بعد أن عرضت عليه شركة مايكروسوفت شراء 5 في المئة من قيمة موقعه بما يقرب من 500 مليون دولار، وهو ما يعني أن القيمة الإجمالية للموقع قد تصل إلى عشرة مليارات دولار!
وردة افتراضية
في النهاية كان عليه أن يستخدم الموقع ليفهم أسباب هذا النجاح المدوي، وهو بعد أن بدأ في استخدام وفهم ما يوفره من إمكانات لمستخدمه شعر أنه كان مخطأ في تردده، لكنه للآن أيضاً لم يغادره قلقه وتوتره، ويزداد هذا كلما شعر أنه يمضي خطوات أبعد في الكشف عن نفسه الحقيقية، حتى الآن يحاول، رغم الانفتاح النسبي الذي طرأ عليه، أن يتصرف ويتحرك بحذر، يخاف من أن يتحرك بتلقائية في هذا الوسط المنفتح، تفاجئه دوماً تلك التصرفات من شخصيات يراها في الواقع جادة وملتزمة، لكنها في الواقع الافتراضي تحولت إلى عكس ذلك، الكلمات بين الفتيات والشباب تكتسب قدراً من الجرأة والوقاحة، هل معنى الوردة الافتراضية التي أرسلتها تلك الفتاة لذلك الشاب معنى آخر غير الوردة في الحياة الواقعية، هل يستتبع التواصل في الواقع الافتراضي تواصلاً ما في العالم الواقعي أم يظل محدوداً وحبيساً داخل إطار الشاشة، يسأل نفسه لأنه عندما جرب أن ينتقل بإحدى العلاقات إلى خارج الشبكة كانت النتيجة الفشل التام، اكتشف أن الحياة على الواقع الافتراضي تظل بلا مشاكل، وعوائق التواصل بين الناس تظل على الشبكة أقل بكثير منها في العالم الواقعي.
كل الاعضاء نجوم
المخيف أكثر بالنسبة له ذلك العالم السري الذي أصبحت تضمه الشبكة، مقنعون وراء صور فنانين، أو لا يضعون صورة على الإطلاق، اشتركوا لأجل أغراض تستدعي التخفي. فكر يوماً أن يصنع لنفسه شخصية سرية يبحث من خلالها عما يفعله هؤلاء، يعرف أنه بين الأعضاء جواسيس يجوبون هذا العالم بحثاً عن المعلومات، كثيرون يؤمنون أن الفيس بوك ليس في الحقيقة سوى شبكة مخابراتية تقف وراءها وتمولها الـ «سي. آيه. إيه»، هل هناك طريقة أسهل من هذه لجمع المعلومات عن بلد ما، عن أحواله الاجتماعية والسياسية! لهذا كان منطقياً بالنسبة إليه الأخبار التي تم تداولها عن منع الجيش الإسرائيلي جنوده من نشر صورهم أثناء المعارك على صفحاتهم. دوماً يفكر أن هناك جهة ما غير معلومة لأحد تتلقى كل تلك المعلومات لتبدأ في تحليلها، لكنه يفكر أيضاً أنه ليس شخصاً مهماً ليهتم بمعلوماته أحد، هو شخص افتراضي داخل عالم افتراضي يكفي قطع التيار الكهربائي أو وصلات الانترنت ليصبح بلا وجود.
بلغ عدد أصدقائه بعد شهور قليلة من استخدام الموقع ما يقرب من الثلثمئة اسم، ويشعر أن ذلك أكثر من كاف، لكنه لا يفكر في العدد على أنهم اصدقاء، يفكر فيهم على أنهم جماهير تنتظر وتتابع ما يفعل، حتى لو كان فعلاً بسيطاً مثل تغيير صورته، أو أن يصبح عضواً في نادي المعجبين بأحد المشاهير.
هو هنا في هذه المساحة نجم وليس مجرد مواطن عادي، لكنه كان يفهم كذلك أن جميع الأعضاء كذلك، كل مشترك أصبح نجماً داخل هذا المجتمع منذ لحظة اشتراكه، المسألة فقط في الترتيب على خريطة النجومية الواسعة، وهذا رهن بالكيفية التي يستخدم بها كل واحد التطبيقات الممنوحة له على الموقع.
بعد فترة قصيرة من كونه أحد أعضاء الفيس بوك آمن أنه هنا في تلك المساحة تتسع أحلامك إلى ما لانهاية، ولا تكون رهناً بأحد آخر سواك، هنا تجد ما لم تجده في العالم الواقعي. تحول إلى فرد في مجتمع إعلامي واجتماعي متكامل، بالنسبة إليه هذا كان قد بدأ مع المدونات تلك التي خلقت جيلاً من الكتاب والصحافيين والمعارضين السياسيين الذين لم يكونوا معروفين قبلاً على الساحة العربية، كان هو واحد من هذا الجيل، عمل مع زملائه على نقل الأخبار من الشارع، كما حدثت وليس كما تراها السلطات، كشفوا عن وقائع تعذيب وانتهاكات للحرية في عدد من البلاد العربية، كتبوا عن تصورهم وتصور الناس لكيفية حل المشاكل التي تواجهها بلادهم، عن الفن والأدب كما يروه، وليس كما يطرحه مسؤولو الثقافة المعتمدون من الدولة.
ضد نادية الجندي
الآن وبعد أن ازاح الـ «فيس بوك» عرش المدونات عن مكانها، اتخذ التواجد في العالم الافتراضي شكلاً آخر، اكتشف أنه لم يعد لها ذلك السحر القديم، لم يعد عليه أن يكتب كثيراً ليعبر عما يريد قوله، من فترة طويلة كان يرغب أن يكتب عن الفنانات اللاتي يصممن على أداء أدوار لا تليق بأعمارهن، امرأة في الخمسين وتؤدي دور فتاة جامعية! وجد نفسه مدعواً للاشتراك في «جروب» يحمل عنوان «من الغبي الذي أطلق الرصاص على هند علام وماقتلهاش؟» والـ «جروب» مخصص للسخرية من الفنانة وعملها التلفزيوني الذي يحمل عنوان «من أطلق الرصاص على هند علام؟»، وجروب آخر ضد تحت عنوان «معاً لإعادة تامر حسني إلى السجن»، أحياناً كان يكتفي بالاشتراك ولا يعلق على ما يجري داخل تلك الجروبات من نقاشات إلا أن تلك الحيوية واتساع رقعة الرفض كان يشعره أن الأمور تسير في طريق سليم على الرغم من كل الاحباطات التي تحيط بالجميع. لكن لأنه ما زال إلى تلك اللحظة يعلق الآمال على تحسن شروط الحياة الواقعية فإنه كان يرى الأمور من هذا المنظار، لهذا كان يرى العيوب التي قد تمنع العالم الافتراضي من فرض رؤاه وتصوراته على الخارج، كان هذا يحدث عندما يشعر أن مشاكل السياسة والواقع الخارجي تنتقل بذاتها إلى الواقع الافتراضي، هو لم يكن مؤيداً على سبيل المثال لـ «جروب» «عفواً غزة أنا غير متضامن» رأى أنه يعكس حجم الانقسام العربي بصورة متطرفة، غير أن ما أثار ضيقه أكثر المناقشات داخل الـ «جروب»، والتي انتقلت من مناقشة قضية الحرب على غزة والمواقف العربية منها إلى مشاحنات وصلت درجة السباب بين المشاركين، توارت القضية الحقيقية ليصبح وكأنه برنامج على أحد الفضائيات الفرحة باكتساب مشاهدين من خلال النزاع بين الضيوف.
التظاهر من المنزل
هو يعرف أن المادة الإعلامية المنتجة من قبل الأفراد يعوزها الكثير من التدقيق حتى يمكنها المنافسة بقوة مع المادة المنتجة من قبل الوسائل الإعلامية التقليدية، غير أنه مع تلك الثغرات لا يمكن القول بأن كل ما يضمه الفيس بوك من مواد ضعيف أو سطحي، يكفي الدعوة التي أطلقتها الفتاة المصرية إسراء عبدالفتاح للإضراب يوم 6 إبريل الماضي احتجاجاً على بعض ممارسات السلطات المصرية، والدعوة انضم لها 70 ألف مواطن مصري وانتهت بالقبض على الداعية إليها ثم الافراج عنها بعد ضغوط عديدة. ربما لهذا تكره بعض الحكومات العربية هذا الموقع ونشاطاته، لأنها اعتادت أن يكون حب مواطنيها خالصاً لها بلا شريك أو منافس، ونشاطات الأعضاء على الفيس بوك تقول ببساطة أن الأغاني الوطنية لم تعد وسيلة مناسبة لكي يحب المواطن بلده، سقف المطالبات يرتفع يوماً بعد الآخر، غير أن المسألة في النهاية تظل محكومة بمن سيسعى إلى نقل المطالبات إلى العالم الواقعي، ومثلما قالت الكسندرا ساندليس من منظمة «مينسات» المعنية بمراقبة الإعلام في الشرق الأوسط في معرض حديثها عن تأثير شبكة الانترنت على التغيير السياسي في العالم العربي ان الانترنت يمثل عاملاً يسهم في تسريع عجلة التغيير السياسي في الشرق الأوسط لكنها تحذر قائلة: «يمكنك أن تتظاهر دفاعاً عن قضيتك وأنت جالس على أريكتك المريحة لكن على المرء ألا يسقط في فخ النشاط السياسي من على الأريكة، فنحن نجلس على الأرائك ونتابع المدونة تلو المدونة، وننضم لمجموعة على الفيس بوك تلو المجموعة. لكن كما منا سيخرجون في النهاية إلى الشوارع؟».
هو يعرف هذا ويعرف أكثر منه، يرى أن الأمر ليس قاصراً فقط على عملية التغيير السياسي كما تقول الكسندرا، هي لا ترى سوى جزء من الصورة فقط، أما بقية مكوناتها فهو يشبه كثيراً ما تعرضت له أنجيلا بنيت ـ ساندرا بولوك في فيلمها «الشبكة -the net»، كانت تعمل مبرمجة كمبيوتر، غالباً بشكل غير شرعي، «الشبكة» هي كل علاقتها بالعالم، تعيش في عالم افتراضي أسرها بشكل مطلق بعد الاحباطات المتوالية التي تعرضت لها في الواقع، مثلها مثل كثيرون أصبحوا عالقين في هذا العالم، وبالنسبة لها الخروج منه يعني الخطر. غير أن أنجيلا تضطر في مرحلة لاحقة لترك الواقع الافتراضي والخروج إلى الحياة الحقيقة في محاولة لاستعادة اسمها وهويتها التي سرقت منها من قبل مجموعة من المتنفذين يسعون إلى السيطرة على أميركا من خلال برنامج كمبيوتر. والسؤال الذي كان يبحث عن إجابة عليه، وبعد ذلك الانتشار الساحق للفيس بوك، هل اقتربنا من ذلك اليوم، هل سنقع في أسر الشبكة حتى تضيع هويتنا الحقيقية فنضطر إلى العودة للواقع في رحلة جديدة للبحث عنها.
نشر في جريدة "الراي" الكويتية