الثلاثاء، 6 يوليو 2010


(أحدهم قال: "ليتعظ العلمانيون من موته" وكأنه بسلامته لن يموت يوماً)
في المعنى الرمزي لرحيل نصر حامد أبو زيد
شهادة نشرت في "السفير" اللبنانية صباح اليوم
***
ياسر عبدالحافظ: المعنى الرمزي لرحيله

ليس من باب التراجيديا القول بأن هذه لحظة تتويج انتصار المشروع السلفي. رحيل نصر حامد أبو زيد يكتسب، وسط موجة الرحيل المتتالية من أعلام الفكر في العالم العربي، معنى رمزياً بالغ الدلالة، يرحل ومعه الورقة الأخيرة التي راهن عليها البعض في عودة الوعي، قبل رحيله، بعام تقريباً، كان هناك مشهدان لهما من الدلالة ما يكفي لقراءة راهننا، الأول جرت وقائعه في مطار الكويت، حيث مُنِع من الدخول تلبية لدعوة إحدى الجمعيات الخاصة لالقاء محاضرة، والمشهد الثاني في القاهرة، حيث منعه الأمن من دخول إحدى قاعات نقابة الصحافيين، ليضطر لعقد مؤتمره الصحافي لشرح ملابسات ما حدث في الكويت، في بهو النقابة، وكأنها بهذا، أي النقابة، تعتذر عن تأخرها في الانضمام إلى المؤسسات التي أضفت على نفسها المسحة «الدينية».
كانت محاولة أخيرة قام بها نصر للعودة إلى عالمه الذي يعرفه، والذي لم يتأقلم خارجه، لكنه ربما لم يعرف إلى أي مدى ساءت الأوضاع خلال الفترة التي قضاها في الخارج، بين قرار المحكمة القاضي بتفريقه عن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، وبين لحظتي المنع في القاهرة والكويت، كانت الأمور قد وصلت إلى الحد الذي بات فيه الجميع يتواطأ لدفن أي فكرة، انتهت معركة التنوير «الزائف» التي بدأت مع عهد التسعينيات، عادت الكتب إلى المخازن، مع اتفاق غير معلن بين السلطة والسلفيين، القاء السلاح مقابل توزيع الغنائم، كل شيء مناصفة: شعارات «الإسلام هي الحل»، و«ضرورة الحجاب»، تتجاور جنباً إلى جنب مع أفلام وأغنيات العري، وقصص الفساد، والقمع. صيغة تهادنت عليها المجتمعات العربية، وهي تعرف أن لحظة الانفجار مقبلة لا محالة. من في لحظة كتلك يخاطر بإعادة فتح الباب أمام ما طالب به «ضرورة التحرر من سيطرة النصوص، وأولها القرآن الكريم». هل ما زالت من فرصة للشرح بأن التحرر من سلطة النص الديني وإعادة تفسيره بما يقتضيه العصر، وباستخدام العلوم الحديثة، لا يعني الكفر به. ليس الآن على أي حال، وهو عرف ذلك... قال في مؤتمره الصحافي المشار إليه «إذا كان القرآن يُقرأ خطأ فأنا لا أحزن لو تم فهمي خطأ». ما لم يدركه أبو زيد أن ما أشار إليه في نهاية القرن الماضي من خطورة «أسلمة الدولة» قد تحقق بخطوات متسارعة، وأن «الزواج الكاثوليكي المحرم بين الدولة والدين في عالمنا العربي» لم يعد من سبيل لوقفه بعد أن باركته الجهات التي كان ينتظر منها أن تعترض: الجامعة، المؤسسة الثقافية، والمثقفون أنفسهم.
اعتاد المثقفون أن يرثوا الراحلين بكلمات أصبحت مثيرة للسخرية: سيبقى الراحل طالما أفكاره معنا. غير أن الأفكار لم تعد تصمد أكثر من أيام الحداد. والمؤكد أنه في حالة نصر أبو زيد سيتم الإسراع في عملية النسيان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق