قال وقتها أن الكتابة دماء تجري في عروقه... وأنا ما زلت معجباً بالتشبيه
خليل حنا تادرسأنا لست... مارتن لوثر كنج
"ثم لف يديه حول عنقها العاجى وأخذ يقبلها فى عينيها..وفى شفتيها وفى وجنتيها ويغمر كل جزء فى وجهها بالقبل، ولكأنها كانت لحظة من زمان الجنة اختطفاها من وراء الدهر.
مرت لحظات قصار كأنما هي العمر كله ثم أطلقها من بين ذراعيه وهو يقاوم بعنف ذلك الحيوان الذى استيقظ في جسده يريد أن يأكل..أن يلتهم هذه الثمرة الشهية أمامه"
بعدما يزيد على العشرين عاما اقرأ نفس الكلمات غير أنه بالتأكيد ليس الشعور الأول نفسه، لا تقفز عينى على السطور مترقبة ما سيحدث.
يدخل خليل حنا تادرس، كان يتفاوض مع عمال دار نشر صحفية كبرى على الإكرامية التى تلقوها منه لقاء تنزيل الكتب من العربة إلى مكتبه، تتولى تلك الدار توزيع كتبه، لكنه سحبها الآن قبل دخول شهر رمضان "السوق ها ينام" هكذا يقول بينما أضع كتابه "لا تغلق الباب" والذى أهداه لى قبل دقائق بجوارى بارتباك محاولا تذكر عدد المرات "اللى اتمسكت فيها متلبسا بقراءة خليل حنا تادرس" بكل ما كان يعنيه اسمه وقتها من دلالات.
مكتب بشارع فيصل يمارس منه عمله الذى أتقنه طوال ما يقرب من خمسين عاما كاملة: نشر وطباعة وتوزيع الكتب، رحلة بدأت بعد أن اكتشف أن الناشرون يربحون الكثير من وراء إنتاجه بينما لا يأخذ هو سوى الفتات فقرر أن يلعب الدورين معا..المؤلف والناشر وكان الربح بالفعل أكبر كما توقع، وهذا مع أنه كان يتقاضى أجرا كبيرا بالنسبة للوقت الذى بدأ فيه، خمسون جنيها لقاء أول عمل "شيطان الحب" من دار النشر الحديثة والتى كانت تقع فى 2 شارع كلوت بك وذلك عام 58، ثم تضاعف المبلغ إلى مائة مع الأعمال التالية "همسات حبيبى"، "شفاه مرتابة"، "أجنحة الحب".
طالب ثانوى من بنى سويف، هكذا كان خليل عندما نشرت أولى أعماله، استمر فى التردد على القاهرة من أجل نشر أعماله التالية قبل أن يقرر بعد ذلك بعامين الاستقرار فى العاصمة ليس فقط لممارسة الكتابة وإنما كذلك لمباشرة مهام وظيفته الجديدة..سكرتير الخدمة الاجتماعية فى بطارطركية الأقباط الأرثوذكس فى كلوت بك، تلك المهنة التى ساعدته فى الكتابة لأنها جعلته يتفقد الحالات المأسوية جدا.
يعنى أدبك كان له علاقة بالواقع؟
ليجيب بلا تردد: كان كله واقع.
تكشف الإجابة عن رؤية خليل لما كان يكتب، ربما تكون محاولة للدفاع عن اتهام كتبه بالإباحية، غير أنه يبدو أنه لم يطور أدواته وأساليبه الفنية وغالبا كان لمهنة الناشر التى احترفها بجوار التأليف سطوتها. كل ما يتذكره عن استقبال الوسط الأدبى لأعماله أن السيد ناظر المدرسة أقام حفلا جميلا بمناسبة ظهور أديب شاب واعد فى بنى سويف.أما بالنسبة للنقد فلم يكن هناك شئ من ذلك فى تلك الأيام مؤكدا بثقة"احنا اللى عملنا النقد الأيام دى" دون أن أفهم على من تعود "احنا" تلك ذلك أنه ينتقل سريعا ليحكى عن الحرب التى كانت تشن ضده، ولم تكن من أدباء أو نقاد كما تخيلت وإنما من تيارات إسلامية، هو كما يقول كان يطبع تلك النوعية ( لفظ النوعية من عنده) من الكتب بكثرة وكان يعطى نسبة خصم كبيرة للبائع لهذا كانت توزع أكثر من الكتب الإسلامية لهذا هاجموه فى جرائدهم قائلين: بينما نحن نبنى فإن هذه الكتب تهدم. هكذا تكتشف كيف سيطرت عقلية الناشر على تادرس..المسألة كلها فى النهاية: فلوس.
انتهز الفرصة لأسأله عمن هاجموه أيضا بدعوى أن ما يكتبه يندرج تحت بند "الاباحى" ينتفض بجانبى مستنكرا الكلمة، أقول أنها ليست رأيى وإنما اسأل عن رد فعل من كانوا حوله؟
"لم يكن يهاجمنى أحد كنت موضع فخر، وبعدين أنا لم أكن وحدى كان هناك فى ذلك الوقت كتب كثيرة لكنها كانت كتب سطحية وأنا كنت أتصدر الساحة"
وصمت تاركا الكلام معلقا لينشغل بالبحث وسط كم هائل من الكتب والأوراق عن نماذج من الموافقات التى كان يحصل عليها من وزارة الإعلام، أحاول إثناءه عن ذلك محاولا توجيه الحديث ناحية أخرى لكنه لا يهدأ حتى يجدها، يعرضها أمامى وبذلك ينتفى أى مبرر لسؤالى، غير أنى أحتمى مثلما فعل بمستند آخر، أفتح كتاب ريشار جاكمون"بين كتبة وكتاب" على الصفحات التى كتبها عنه.
ريشار يصف ما تكتب بأنه " الأدب الذى يقرأ بيد واحدة" والمعنى مفهوم بالطبع، يأخذ الكتاب ليقرأ الصفحات وهو يقول "هو جانى هنا" ينتهى من القراءة ويسأل عن أماكن بيع الكتاب. "مدبولى...إيه رأيك فى وصف ريشار"؟
"أنا لا أقر بهذا الرأى، حتى التراث الاسلامى مملوء بهذه الألفاظ، أنا لم أخرج عن المألوف، هذه قصص أدبية، وهناك آخرين كتبهم فيها ألفاظ أكثر منى ألف مرة، عندك المستنقع لعبد الحميد جودة السحار، بيت من لحم ليوسف إدريس، لا أنام لاحسان عبد القدوس وكل كتبه"
"طيب لماذا كنت تتعمد وضع تلك الأغلفة المثيرة على الكتب؟" يجيب بتلقائية ودون تفكير" هذا كان شأن الكتب والمجلات فى ذلك الوقت..كان أمرا مباحا، وبعدين أنا لا أضع صورا عارية، يعنى أن الآن اشتغل على كتاب فى الأساطير، شوف الصور دى" وأخرج من حقيبته السامسونيت السبعينية لوحات عالمية معروفة لفتيات تستحم وتلعب وقال "دى من كتاب ثروت عكاشة مسخ الكائنات"!!
كان ما زال يتأمل اللوحات" شوف دى" ونضحك سويا، لا يتركها وهو يجيب عل سؤالى الذى أحاول به الوصول لشخصية المؤلف داخله:
لماذا تكتب؟
رنة ساخرة تطبع كلامه "ودا سؤال برضه ياباشا..سؤال غريب، باكتب لأنى باحب الكتابة، والكتابة دماء تجرى فى عروقى"، أحاول تطوير الأمر لنصل لمنطقة أخرى" يعنى هناك مثلا من يكتب لأنه يريد تغيير المجتمع أو دفاعا عن قضية".
فيرد بنفس التلقائية التى تميزه" ليه هو أنا مارتن لوثر كنج، أنا لست كاتبا ثوريا، أنا كاتب قصة، كاتب أدبى".
"فلماذا أشعر أنك لم تأخذ حقك الأدبى رغم انتشار اسمك والتوزيع الكبير لكتبك" فيعود للبحث فى أوراقه وهو يقول" أخذت أكثر من شهادة تقدير، منها واحدة من جماعة أبوللو التى كان يرأسها عبد العزيز شرف وقد كتب عنى فى الأهرام، وكانت هناك عدة ندوات أدبية حول أعمالى، لكنى لا أحب الأضواء، هالة سرحان استضافتنى مرتين.."
لم يعد خليل حنا تادرس يكتب الآن تلك "النوعية" من الكتب التى اشتهر بها، عدة أسباب دفعته لهذا على رأسها الحالة الصحية فهو الآن فى السبعين من عمره وقبل شهرين أصيب بذبحة صدرية، ومن ناحية أخرى فقد ساء حال الكتاب كثيرا، لكنه مع ذلك يقول أنه لا يتملص أو يتحرر من تلك الكتب لكنه فقط بدأ فى التنويع. أقول له أن السبب ربما يكون فى حالة التزمت الموجودة الآن، فينفى قائلا أن الحرية الآن أكثر من ذى قبل" بيعلنوا عن كتاب رجوع الشيخ إلى صباه فى الوسيط، ادخل النت واكتب 89 أو هانز هانز ها تلاقى برامج أوضاع جنسية، إعلانات الفياجرا فى الشوارع، والآن هناك تدريس للثقافة الجنسية على قنواتنا وليس القنوات الفضائية"
وماذا عن الترجمة..كيف تختار الكتاب الذى ستقوم بترجمته، ما هو معيارك؟
لابد أن يكون له صدى واسع، اضمن أنه سليقى توزيع جيد هنا.
أنا أذكر أنى قرأت لك كتابا مترجما وكانت الشخصيات تحمل أسماء عربية..هل تتدخل فى النص الذى تقوم بترجمته؟
"السأم" لالبرتومرافيا، غيرت الأسماء مع المحافظة على كيان القصة وجوهرها، وممكن اختصر، يعنى الكتاب يكون 500 صفحة يطلع فى 150 مع الحفاظ على ما قلت لك عليه.
اسأله قبل أن ننهى الحوار: ألا توجد قصة تريد كتابتها الآن من وحى الواقع الذى تراه؟
أنا دايما نفسى اكتب حاجات كثيرة، ولسه فى خيالى أفكار، نفسى اكتب قصة شبيهة بنشوى والحب لأنها كانت سبب شهرتى وطبعت أكثر من عشرين مرة.
أخرج من عنده لأجد البواب واقفا على الباب يرفع يده بالتحية وعينه على غلاف أحد الكتب،امرأة ترتدى قميص مفتوح على جسد عارى، نتبادل ابتسامة متواطأة..هل ما زال لخليل حنا تادرس ذلك السحر القديم؟
"نشر في أخبار الأدب"
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق