الأحد، 20 أبريل 2014

محمد برادة عن "كتاب الأمان"


  

متاهة الذات وسديميّة المجتمع






في روايتــه الثانية «كــتاب الأمــان» (دار التنوير- دار محمد عـلي، 2013)، يـبـني يـاسـر عبـد الـحافـظ نـصَّه على الـتــركـيب وتــجـاور الـمـحكيّات. والــسارد المـنسِّـق للـحكي ومـوزِّع الكلام، هـو خــالـد مـأمـون الذي يـتقـمَّص دور كاتب الـرواية، اعـتمـاداً على تـجربة عـاشها في مـقـرّ عمـله «قـصـر الاعـتـرافات» الذي لا يـحــيل على وظيفة معينة، بل هـو فضاء مـلتـبس يجمع بين مهمّات الشرطة والمخابرات والقضاء الـعـدلـي والـتـحـرّي. إلا أن خالد المـثـقَّف، المـنجذب إلى قـراءة نجيب محفوظ وكافكا، ورامبو، وبـول أوسـتـيـر، يـغـتـنم الـفرصة ليـسجِّل مـا يـتـفـوَّه به المعترفون. وتكون مفـاجـأتـه الـمـفـرحة، هي إنـصـاته وتسجيـله لاعـتـرافات مصطفى إسـماعـيـل الأسـتـاذ الجامعي الذي تـحوَّل إلى لـصّ خطـيـر، يـفـلسف سـرقاته، ويُـنَـظِّـر أفـعـاله وما تـنطوي عليه من أغـراض تـخدم المجتمع. ومن هذه الاعتـرافات ألَّـفَ خالد الـنسخة الأصلية من كتاب الأمان الذي يـتخـلَّل فصول الرواية، ويجَـسِّد الـنـموذج الـمثالي والثـوري، لشخصية مصطفى بـحسب مـا فـهـمه خالـد وتخيَّلَه. إلا أن هذا الـمكـوِّن الأساس يصبح موضع شكّ وإعـادة نظـر، عندما يـتعرَّف خالد إلى حـسـناء ابـنـة مصطفى إسـمـاعيل، التي تـقدِّم صورة مـغـايرة لـوالدها، وتلحّ على نـشـر طـبعة ثانية من كتاب الأمــان، تـصحِّح فيها الصورة الأسطـورية التي رسمها خالد مـأمون في الطبعة الأولى. إلى جانب ذلك، تـشتـمل رواية «كـتاب الأمــان»، على مـحكيّات مـوازية يـسـردها خالد عـن شخصيات يـعـرفها أو عـاشرها، مثـل نـبيـل العدل الذي كان رئـيـسه في قـصـر الاعترافات، أو فـخـري بـطل الشـطرنج الذي انتـهى بـه المطاف إلـى الجنون، أو صديقه لطفي الشاعـر الفاشل الـمشلـول، أو الباشا مهندس أشـرف السـويفي صاحب مقهى المجانين في شــبـرا، أو أنور الورقي ناشر النسخة الأصلية من كتاب الأمان.

هكذا، يـنطلق خالد مـأمون في سـرد روايته مـوزّعـاً بيـن مـحوريـن: مسار مصطفى إسماعيل اللصوصي والأسطوري، والتعديلات المناقضة التي أتـت بها ابـنـتـه في أثناء علاقتها المحمومة والصـراعية بخالد، ثــم مسـار الشخصيات التي عرفها أو عاشرها الـراوي ضـمـن فـضـاءيـن مـتـبـايـنـيـن: حـي شــبـرا الشعبي مـقـابل مدينة نــصـر وهيـلـيـوبولـيـس. وفي غـمـرة السـرد والـتعـليقات وتجاور الخـطابات يـبـدو خالد مـأمون كـأنـه يحمل ملامـح مـن (ســامـح) بـطل رواية «بــمــناسبة الـحياة» (2005) للكاتب نفسه، خاصة حين نـتـذكَّر السؤال الذي تـنــتـهي به: «مــات الذي يعرف كــل شيء، وبــقي الذي يـفهم كل شيء.ومــا ضرورة الفـهم بـدون معـرفة؟». وإذا كانت ســمات التلاقي عديدة بين بطل رواية يـاسـر عبد الحافظ الأولى وبطل هذه الرواية، فـإن الاختلاف والـتـمـايـز بـينـهما واضح نتــيجة للـشكـل وصـوغ الـرؤية الـخـلفـية للــنـص. مـن ثـــم، يـبدو خالد مـأمـون في رواية «كـتاب الأمـان» أكـثـر تـصمـيـماً على فـهم مـا يحيط بـه ومعرفته مـنـطـلقاً من نقطة الـصـفـر، مـزوَّداً بـقـراءاته ومـثـالـيَّته، رافضاً الاتِّـكاء على مـسالك السياسة ومنطقها. بـتـعـبـيـرٍ ثــانٍ، تـمـرّدَ خالد على الـبـطـركيـة في تـجـلياتها المختلفة، ورفضَ الـتـورُّط في التـزامات يـقـرِّرها الآخرون، وارتــمـى في فـضاء مـديـنـي مـهـول أشـبه بالـمـتاهة الـسديـمية، وانخرط في عـمل محـفوف بالـمخاطـر مـصـمِّـماً على الـوصول إلى أجـوبـة تـقـرِّبـه مـن «الحقيـقة الـغـائبة» الـثـاوية في قـصـر الاعـتـرافات، كـما خُـيِّل إلـيه. وهـذا الرهـان الذي عـقـده خالد مـأمون على ما اعـتـرف بـه مصطفى إسـماعيل الذي اخـتــار الانتقال من التدريس في الجامعة إلـى ســرقة بـيـوت الأغنـياء، ســرعان مـا تـحطّـم عندما كشفت لـه ابـنـتـه الـوجـه الـعادي الـلابـطولي لـوالدها؛ فـأدرك عندئذ أن رفضـه التـوقيع على تـقـرير المسؤولين عن قـصر الاعترافات القاضي بـإطلاق سـراح مصطفى إسماعيل،كان مـوقفاً مـجّانـياً، وأن الحقيقة التي ظَنَّها مجسَّدةً لدى اللصّ الـفيلسوف كانت مجرَّد خدعة وتـطـريزات مختـلـقة..يـعـود خـالد، بعـد طـرده من عمله، إلـى حيّ شـبـرا ليـرافق صديقه لطفي، ويلاعبه الشـطـرنج في فضاء تـكسـوه أطلال الـخـراب وبـوادر الـعـنف والانـحدار التي تـتـهـدَّد مجـتـمـعاً فـقــد البــوصلة وامـتلأ بـالمـعميات والـغـرف الــســرية.



في الـبحث عـن الـحقيـقة الـنـهائية

من الصعب حصـر دلالة «كتاب الأمان» في موضوع واحد، لأن نـسيـج سـردها المـتـعدِّد الـزوايا والأصوات والخطاب، وشكــلها المـتداخل الأزمنة والـمـتـشـظي الـبناء، جـعـلا الدلالة تـلـتحف ظـلالاً وإيـحاءات مـتـشابــكة ومـتـنـافـرة، لا تـكـتـسب أبـعادها الدلالـية إلا من خلال الـمقارنة بـين الـتـناقضات والمفارقات. اعـتـباراً لـهذه الملاحظة، نـضع شخصية خـالد مأمون في بؤرة النـص الـمركـزية، لأنـه الـسـارد/الفاعـل الأساس وحـامـل التـسـاؤلات والتـأمُّلات، والباحث عـــن أجـوبة تطـفئ تـعـطّشه إلى معرفة الـحقيقة. ومن هذه الـزاوية، يتـبـدّى المحور الأول من خلال افــتــتـان خالد بشخصية مصطفى إسماعيل، لأنـه استـجاب إلى أفق انتـظار لـديه، يـتـمثَّـل في القدرة على تـكسـيـر المنوالية الاجتماعية وتــحـدّي القيم السائدة. وهـو ما وجده في اعتـرافات مصطفى الأستاذ الجامعي الذي تحوَّل إلى لصّ يـفلسف أفعاله ومغامراتــــــه، ويــنتـسب إلى قـبيلـة الشخصية الشعبية أدهــم الشـرقاوي الذي كان يسـرق الأغنياء ويوزِّع أموالهم على الفقراء. لـكـن هذه الصورة الأسطورية لا ندري إذا كانت تطابق اعتـرافات مصطفى، أم أن خـالداً ابتـدعها في أثناء تـسجيله لأقوال الأستاذ اللـص، لأنها كانت كامنة في لاوَعْــيِه: «بـعد إسـدال الـستار، وفـيما المـمثِّـلون ينحنون للجمهور أفـقـت على أن الأعوام الخمسة التي صـادقـتـه فيها سـراب.... هـل حدث مـا فات أم أنه مجرّد تخــيُّل طــال أكـثـر مـمـا يـنبغي؟». مهـما يكـن، هذه الصورة التي قدَّمها خالد لـمصطفى في الطـبعة الأولى من كتاب الأمان، تـستـجيب لحاجة ملحّة، إذ جعلها سـبباً في تغـيـيـر مجرى حياته: «غـيـر أني، وبـتـأثـيـر تلك الحـادثة، اختـرت الـكـتـب حتى الـتـقيـت مصطفى، فأعادني مـرة أخـرى إلى الانـبـهار بـما يحدث في الواقع». وهذه العودة إلى الـواقع سـتـصحِّـحـها، مرة أخرى، حسناء ابنة مصطفى إسماعيل، حين تحكي لـه تـفاصيل عن والدها، تـظهـره عادياً ومعـرَّضاً للخـطـأ والـتـجـبُّـر مع زوجته وابــنـتـه. من الـبطولة إلى الـلابطـولة، ومن الكـتب إلى الـواقع، ومن الـواقع الـمـؤمثــل إلى الواقع الـيومي الـمـبتـذل: «كيف الـسـبيل إلى الـقبض على الـحقيـقـة الـغـائـصة وسط الـتـنـاقضات الـمـتـأصِّلة في الحياة؟».

المـحـور الـدلالي الثاني، يطالـعنا في ثــنـايا المحكيات الكثيـرة عن رجال ونـساء عاشـرهـم خالد مأمون أو احتكّ بـهم؛ مثل نـبـيل العدل وزوجته، ولطفي وصديقته مـنال، وحسناء والأستاذ عـلي، وفخـري بطل الـشـطـرنج الذي آل به المطاف إلى الجنون. هذه الشخصيات ومـحكيّاتها مـوزَّعـة بـيـن فضاءين مـن مدينة القاهـرة الشـاسعة: حي شـبـرا الشعبي، ومدينة نـصــر وهيـلـيـوبـوليـس، اللذين يأويـان الطبقة المـتوسطة وفـئـات الأثــرياء القـدامى والـمتـسلِّـقيـن. هي محكيّات تـؤثِّـث ذاكرة خـالد وتـدفعه إلى التـأمل في فعل الـزمن، وتحوُّلات الفضاء والناس، خاصة بـعد أن فـقــد عمله وعاد إلى مـوقعه في شـبـرا لـيـتـأسّى ويودِّع أيام الـصـبا الـهـنـيّة: «مـا جـئت أودِّعُــه ضـاع. مـتـحف الـسويفي عـلاه التراب وعـنـكـبـوت يـعمل بهمّة في نسـج شبـاكه على وجـهـه المـنحوت. الـباشا مـهندس أشـرف تـخلّى عن عادته في قــراءة الـجـرائد؛ وبــدلاً منها يـتــأمَّـل النـساء... لـم يـعد إلا عـم سـيّد الجـرسون مـع هَـرَم مـبـالغ فيه، يـجـرّ قـدمـيه بصعوبة، وفَـقَــدَ تـقـريباً حـاسة الـسمع لـحسن حظـه حتى لا تـجـرحـه الكـلمات الـهـازئة من فـتـيان في عـمر المـراهقة... لا أنـتــظـر مـعجـزة. إنْ كان مـن يـقين مـا أستـطيع الـتـأكيد عليه الآن، فـإنـه لا وجـود للمعـجزات. نحن حـمقى، كـل مــنـا يــرى نـفسه بــتـقـديـر مذهـل يـوسـوس لـه لـتـوقُّــع شيء مـا، وعـندما لا يـحدث يــلوم مـا حـولـه: الأرض والسماء».

إلى جانب هـذين المحورين، يـستــوقـفـنا عـنـصـر ثالـث يـتمـثَّــل في الـمـيــتــا- ســرد المتَّـصل بـمسـألة كتابة الرواية وشكلها، الـمدرج داخل النص من خلال تأمُّلات خالد في ما يكـتـبه، أو من خلال حوار بـينه وبين نـاشره الذي يعتـرض على إدراج قصة سـوسن الكاشف لأنها لا تـضيف شـيئاً؛ أو حين تـنـتـقد حسناء ما كَتَـبَـه عن أبيها من دون أن يشرح للقارئ سـبب تـحـوُّل مصطفى إلى لــصّ. هذه الـتـقنـية التي تـستـدمـج أسـئلة الكتابة واخـتـيار الشكل ضـمن نسيج الـسـرد، سـمة اقـتـرنت بالتجديد الروائي عالـمـياً وعـربـياً، لأنـها تـدفع الـقارئ إلى الـتـشكُّــك في الصـيغة التي قـرأهـــــا، وتـفتح أمامه الباب لـتـخـيُّـل شكـلٍ ســردي آخــر مـحتـمَل. يمكن أن نضيف في هذا الصدد، بالنسبة للـميـتـا- سـرد في «كتاب الأمــان»، مـا أورده خـالـد عـن مـحاولة حـسناء اســتــخلاص صفحة مـن كل رواية تـحتويها مكتبتها، لتـؤلِّف رواية واحدة تـغـنـيـها عن مـئــات الروايات، لأنـها ستغـدو بمـثابة خلاصة مصفّـاة عن «الحقـيقـة الـنـهائية» التي تـشغل بال مـؤلف «كــتاب الأمـان». وفي الاتـجــاه نفسه، يمكن أن نـقـرأ اللجـوء إلى الـمـيـتـا- سـرد بكـثافة، على أنـه تـبـريـــر لـشــكـل «كتاب الأمـان» الذي جاء أقـرب ما يكون إلى «رواية شـمـولية» تلامــس أكـبـر عدد مـمـكن من الأسئلة الذاتية والــغــيـرية التي تـشـغـل مـن يـعـيشـون في فضاء اجتماعي- سياسي خـانـق، وفي مجتمع سـائـر نحو الانحـــــــدار والانـفجـار، مـثلما كان عليه الحال في مــصـر طوال الـعـقـديـن الأخيـرين.

لـقـد أنـجـز يـاسـر عبد الحافظ عـبـر روايته «كتاب الأمـان» وكاتبها الـمـتـخيّل خـالد مـأمـون، رحـلةً سـرديةً تـجمع بيـن الـطرافة والـعمق، وتـستــفيد مـن جـرأة التـجريــب وغـرابة التــخـيــيــل؛ وهي جـمـيعها عـنـاصـر ضـرورية لالــتـقـاط مـرحلة الـسـديم التي تـرتـادها المـجتـمعات العـربية المـنـتـفضة ضـد الاسـتـبداد والـفـكـر الماضوي. وأظن أن الإشـارة التي وردت في الرواية عـن نظـرية «الـمنطـق الـضبـابي» التي ابـتـدعها الـبروفسور عـلي، تـنطوي على ما يـتـيح لـنا قـيـاس الـتـصـرُّفات والرغبات الـواقعة بـيـن الـخـطـأ والصواب، بـين الانـحـدار والـنـهوض: «قـاعدة الصح والـخـطـأ ليــست كافية للتـعـبـيـر عـن كل المسائل المــنطقية. وطـريقة الـفهـم الكلاسيكية باتـت قـاصـرة في تعـريـــف الـدرجات المختلفة بيـن الـصـفـر والـواحــد. والــمـيـزة التي وفَّرها الـمنـطق الـضبــابي، أنــه يصـف لـنـا علاقـة الــتـابـع بـشـكـلٍ أشـمـل وأعَــمّ من ذلــك، حيث إن الحالة يــمـكن أن تكون حـالة وسط بيـن الـحالتـين المـألوفـتـين. فمن خلال الـنـظــرية، يـكون الانـتـقال بيـن الـوضعـين بـشــكـلٍ تـدريـجي.».


د.محمد برادة
مجلة "الدوحة"

 العدد 76  فبراير 2014

   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق