".... لم تهدأ النفوس بعد، يمكن معرفة هذا من خلال ردود الأفعال على مشاركة الجزائر في مونديال أفريقيا، ما زال الحمقى كثيرون، سكتوا مرغمين لكنهم يتحينون الفرصة لإشعال النار مرة أخرى. أظن أنه من الواجب، ولو أني أشك في جدوى هذا، الصراخ في وجوههم مع كل مناسبة: أنتم حمقى".
من يرد إلى مصر عقلها
ولما لا!
ما المانع في أن نضيف ثنائية جديدة إلى عالمنا الذي باتت تسحره الانقسامات. بدأنا بـ "مسلم – مسيحي"، ثم "سني – شيعي"، وبدأت القائمة تطول حتى يمكننا الآن أن نفخر بأنه لدينا قاموس جديد للمترادفات يعتمد على الكراهية: "عربي – إيراني"، "لبناني – سوري"، "كويتي – عراقي"،"حوثي – يمني". ثم الانقسام الأحدث والذي دخل إلى المسرح بزفة: "مصري – جزائري". والأخير يبشر بأنه سيمكن المضي في اللعبة بدون توقف، فهناك مقترحات يومية لا تخطر على بال أحد، وكل شيء أصبح قابلاً أن يكون مصدراً للانقسام. وإذا كان هذا هو الوضع بين البلاد وبعضها فإن الداخل أيضاً لن يتجاوز هذا القانون والمحترفون سيمكنهم الوصول إلى الثنائيات الأكثر دقة داخل كل جماعة. والشعار المقبل في تلك الحال يمكن التنبؤ به ببساطة "اقتل ثم اسأل بعد ذلك".
الآن مطلوب منا أن نغضب. وعندما تسأل عن السبب يعتبرك من سبقك إلى الغضب لا تتمتع بالكرامة الواجبة، ولا بالرغبة في استعادة الروح "المصرية" المفقودة منذ زمن، وإذا أبديت تشكك في أهداف النظام الذي أشعل هذه اللعبة الخطرة يتم تذكيرك بالمبدأ البرجماتي في السياسة والذي يوصي أن تستفيد في حربك مما يقدمه لك الآخرون بغض النظر عن أهدافهم، فإن تحججت بأن الطرف الآخر في الثنائية الحالية عربي مثلك قيل لك أنك واهم، وأنه ينتمي إلى الفرانكفونية أكثر مما ينتمي إليك، هو لا يتحدث العربية، ويكن لك حقداً أعمى، وأن هذا لا يشمل جمهور كرة القدم فقط وإنما يمتد ليشمل الجميع بما في ذلك النخبة.
فليكن، لنغضب، ما المشكلة في أن نغضب، لدينا غضب محشور في الحلق من زمن، غضب على قتلانا في القطارات، والمستشفيات البائسة، والمراكب التي تحمل الآلاف هاربين من وطن الأغاني، غضب على أحلام مقموعة لم نحظ بفرصة اختبارها. سنستعيد كل هذا ونلم عزيمتنا التي لانت بعد ثلاثين عاماً من السلام، وقوانا التي لم نعد في حاجة إليها بعد أن امتلكنا الحكمة. سنرقص على النيران المشتعلة في أعلام عدونا، لن نفكر بعد الآن، التفكير خطيئة الغاضب.. لو أقدم عليها لعاقبه إله الغضب بإنزال السكينة على نفسه، ونحن مللنا السكينة، مللنا أن يقال عنا "خونة"، هل نحن خونة؟ ألا يتسابقون الآن خلف الأبواب المغلقة لاحتضان من يلعنونه على صفحات الجرائد، هل جريمتنا أنا كنا واضحين، حاربنا ثم مهرنا سلامنا أمام عين الشمس. هل خطيئتنا أننا أصحاب أول حضارة في الدنيا، هل يكرهوننا لأننا ملكنا كل شيء: السينما، المسرح، الغناء، خفة الظل، و"تلاتة" نوبل، ألم نصمت على هذا الحقد بما يكفي. أليس هذا الوقت المناسب للانتقام؟
***
حيث أقيم وأعمل حالياً في الكويت ومنذ أن اشتعلت الأزمة أجد من ألقاهم من مصريين يقومون برصد من معنا ومن علينا، في خيطان (المحافظة التي شهدت ثورة الصعايدة قبل سنوات) رصد أحدهم أن السوريين قاموا بمسيرة حملوا فيها العلم الجزائري تأييداً وانحيازاً سافراً. لكن اللبنانيين معانا، هكذا يقول آخر ويضيف وهو يبتسم بثقة قائد ضمن نتيجة المعركة: ومعظم الكوايته متعاطفين.
نعم يا سادة من الأفضل أن تأهبوا أنفسكم لهذه الحقيقة: نحن ذاهبون إلى الحرب، ومن لا قدرة له على المعارك فليمكث في بيته بين النساء مكللاً بالعار. لا لن تصل إلى الأمور إلى هذا الحد بالطبع، يؤكد السياسيون بعد اطمئنانهم إلى مقدرتهم على توجيه الجمهور. يوضحون أنه لم يتم سحب السفير كما يتداول العامة بفرح، فقط لقد تم استدعاؤه، مذكرين بأن هذا إجراء قاس جداً لم يتم سوى عام 2000 مع إسرائيل. يا سلام! وأنت تريد أن تفهم، لأنك لا ترى ما يراه الناس، فهل هي الوحدة والبعد قد أثرا على إحساسك الوطني فلم تعد تشارك الناس فرحها وآلامها، هل ينفع في هذه الحالة الاستماع إلى الأغاني الوطنية التي انتشرت على "الفيس بوك"، وإلى بكائيات الإعلام. لا كانت محاولة فاشلة، صوت جلال معوض وهو يقدم حليم كان لأول مرة باهتاً بل وسخيفاً.
لا مبرر للعنف. لكن علينا أن نتذكر أن تلك كانت مباراة في كرة القدم، وهذا الجمهور لم يأت للاستماع إلى فصول أوبرا شهيرة ليهذب مشاعره، ومن لم يسمع قبلاً عن جمهور كرة القدم في العالم كله، من لم يسمع عن دموية وعنف المشجعين الانجليز مثلاً، فليبحث في ملف اسمه "شغب الملاعب"، وإذا أراد أن يتخصص أكثر فليبحث عن ظاهرة ـالهولكنز" hooligans"
ظاهرة فرض عنفها في أوروبا أن يكون لها أطباء نفسيين يشرحون ويحللون ويقدمون الحلول المناسبة، وأولها أن يمتنع الإعلام عن الشحن الزائد. والحقيقة أنه ليس سراً أن بعض الجمهور الجزائري ينتمي إلى "الهولكنز" بامتياز، كان على الجميع أن يعرف هذا، السلطات المصرية والسودانية، والنصيحة الأولى: لا تترك نفسك فريسة سهلة أمام هؤلاء، لكن لا أحد اهتم بذلك، كنا ذاهبين ولدينا وعد من السماء بالنصر، المعجزة التي تمت على استاد القاهرة كان لابد لها أن تكتمل، هذا ما يقوله المنطق، لكن من قال أن القدر يأبه بمنطقنا، هو لديه منطق مسرحي يسير به الأمور.
عاد الناس ينعون ضياع الأخلاق الرياضية، وروح التنافس الشريفة، وحسن الضيافة. كلام يذكرك بما كان يقولونه قبلاً عن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين، والسنة والشيعة، والعلاقات العربية العربية، كلام لا علاقة له بالواقع، لكننا احترفنا هذه اللغة، ونلجأ إليها دوماً في كل المواقف، ربما هذه هي المرة الوحيدة التي نستخدمها لنشعل الحريق لا لنطفأه.
من حقنا أن نغضب. من حقنا أن نهدد اتحادات الكرة، وأن نطالب بمنع الجزائر من لعب كرة القدم لأنها سفرت إلى السودان مشاغبين وليس جمهوراً مهذباً مثلما فعلنا. من حقنا أن نؤلف القصائد والأغاني نتذكر فيها أمجادنا. من حق مصر أن تحمي أبناءها في الخارج (أتمنى)، وممتلكاتهم في الدول الأخرى. من حقنا أن نحلم بأن دولتنا قررت أن تفتح صفحة جديدة مع شعبها، وأن هذه الرومانتيكية ستستمر لتكون منهجاً لها، لن تفرق بعد الآن بين رجل أعمال وبين عامل بسيط، كلاهما مغترب، وكلاهما كرامته من كرامة مصر. من حقنا أن نفكر إن كنا عرباً أم فراعنة. من حقنا ألا نسكت على انحياز "الجزيرة" السافر ضدنا. من حقنا أن نغضب، وأن نحطم في طريقنا إلى سفارة الجزائر ممتلكاتنا، هي في النهاية ممتلكاتنا ونحن أحرار نبني البلد أو نحرقها ليس لأحد أن يعترض. لن ينازعنا أحد من كان في حقنا الرد على إهانة توجه لنا، نحن من فرط في هذا من البداية، غير أن الرد لابد أن يكون بذكاء، رد دولة لها ثقلها ووزنها السياسي، دولة تعرف كيف توازن بين الفعل والرد عليه، كيف تفصل بين البيان العسكري والعتاب، بين وظيفة الجيش وشغب الجمهور.
من حقي كمواطن أن أغضب من تصرفات جزائري متعصب، لكن ما هو ليس من حقنا أبداً أن نهين شعباً بالكامل لأننا خسرنا مباراة كرة قدم، ليس من حقنا أبداً محو أحد من على الخريطة. مصر "أم طرحة وجلابية" لم تعد تفكر ونأمل أن يرد لها شخص ما عقلها.
نشر في "أخبار الأدب"
