الأربعاء، 30 نوفمبر 2016

لماذا صرخت النائبة نادية هنري تحت قبة البرلمان المصري: "يا نهار أسود.. هيودونا في داهية"؟

نجيب محفوظ ليس أفضل من أحمد ناجي



 الإثنين الماضي، انعقدت داخل البرلمان اللجنة التشريعية لمناقشة مشروع قانون بتعديل المادة الخاصة بخدش الحياء داخل قطاع النشر. الاقتراح تقدم به النائبان: أحمد سعيد ونادية هنري، للمناقشة، وقد سقط المشروع  برفض 21 عضوا، في مقابل موافقة ستة.

لم يكن أحد ربما ليسمع عن الجلسة، أو ربما مر ما توصلت إليه في ضجة أقل لولا أن المناقشات دارت بصورة دراماتيكية أوصلتها للصحافة تحت عنوان: نائب يطالب بحبس نجيب محفوظ.

المادة التي طالب النائبان بتغييرها هي تلك التي يقضي الروائي أحمد ناجي بناء عليها سنتين حبسا كعقوبة على نشر فصل من روايته "استخدام الحياة" في جريدة "أخبار الأدب". والمادة سيئة الذكر رقمها 178 من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 وتنص على: "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرة آلاف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع  أو حاز بقصد الاتجار أو اللصق أو العرض مطبوعات أو مخطوطات أو رسومات أو إعلانات أو صورا محفورة أو منقوشة أو رسومات يدوية أو فوتوغرافية أو إشارات رمزية أو غير ذلك من الأشياء أو الصور عامة إذا كانت منافية للآداب العامة".

لم يكن مطلوبا داخل اللجنة التشريعية إلغاء المادة التي يمكن الاستناد إليها دوما في مطاردة الأدب والفن، كل ما اقترحه النائبان تعديل العقوبة من الحبس إلى الغرامة، بمعنى أن الفن سيظل مشكوكا في أمره إن كان ينافي الآداب أم لا، يمكن اتهامه في أي لحظة، لكن وفق التعديل المقترح فإن صاحبه على الأقل لن يخسر حريته، فقط سيدفع مالا مقابل جريمته.

الرعب


من المخيف بالفعل تأمل مناقشات اللجنة حول الموضوع والتي آلت في النهاية إلى بقاء تلك المادة على حالها، كتلة النواب المساندة لرأي الحكومة باستمرار عقوبة الحبس في قضايا النشر الخاصة بخدش الحياء، كان على مقدمتها الصحفي والنائب مصطفى بكري الذي شدد على أن هناك فروقا بين العمل الابتكاري والفعل الفاضح، و"إما أن نحافظ على المجتمع وقيمه، وإما أن نفرط في ثوابتنا". بكري هنا يؤكد على الخطاب القديم والذي اعتدنا سماعه طوال عقود، خطاب العموميات الذي لا تفهم منه شيئا، خطاب القيم والثوابت الذي يقرر وحده ما هو فن وما هو إباحي، وفق نظرته ومعرفته. ورغم أننا كنا نعتبر النقطة التي توقف عندها أصحاب هذا الخطاب قديمة للغاية، لكنها تبدو الآن، وفي مقابل قناعات جديدة كشف عنها نواب آخرون في تلك الجلسة، رؤية ما بعد حداثية.

النائب سمير رمضان مثلا استند في رفضه إلى أن التعديل سيسمح هكذا بالإباحية، وأنه بهذا الشكل يمكن نشر صور عارية لأى امرأة، بل ومن الممكن تصوير عمل خادش للحياء بزعم أنه إبداع.

هنا خلط بين الفن و"البورنو"،  ومن الصعب شرح الاختلافات بين النوعين لمن لا يدركها، هل من المتصور أصلا أن نائبا لا يعرف كيف يميز بينهما! لكن المصيبة أنها لم تكن رؤية فردية تخص رمضان، فقد وجدت صدى لدى البعض للدرجة التي دفعت أحمد سعيد، أحد النائبين اللذين تقدما بمشروع التعديل، للدفاع عن نفسه: "احترم كل الآراء، ولكن يصعب علي أن يقال إني مقدم مشروع قانون يتيح الإباحية".

المساواة.. في حق الحبس


أثناء المناقشة جاء ذكر نجيب محفوظ، سعيد بينما يدافع عن مقترحه تساءل عن معايير خدش الحياء: هل محفوظ كان يخدش الحياء في "السكرية"، و"قصر الشوق"؟

الرد المنطقي الرسمي الوظيفي المعتاد كان سيقول إن الفارق كبير بين إبداع أديب عالمي مثل محفوظ وبين أعمال أخرى لا فن فيها وتسعى لهدم الثوابت، لكن أحد النواب فاجأ اللجنة ومصر كلها برده أن أعمال نجيب محفوظ خادشة للحياء وأنه كان يستلزم معاقبته أثناء حياته.

اسمه أبو المعاطي مصطفى، لكن هذا ليس مهما لأن لقبه سيتحول إلى: النائب الذي أراد سجن نجيب محفوظ، مستندا إلى دفوعات غرائبية حيث يرى أن إلغاء الحبس في قضايا النشر يهدر مبدأ المساواة بين المواطنين بمنح فئة امتياز عدم الحبس عند خدشهم للحياء، يقصد المبدعين بالطبع، لا ميزة للفن بالنسبة لأبو المعاطي، ووفقا لكلامه فلو كان محفوظ حيا لكان من المفترض أن يكون رهن التحقيق. صحيح.. ما الذي يمنح محفوظ الظن بأنه أفضل من أي آخر مرتكب لجريمة الخدش؟!

الروائي النائب يوسف القعيد علق، في تصريحات صحفية، قائلا أن هذا النائب لا يستحق الرد عليه، ومن المؤكد أنه لم يقرأ لنجيب محفوظ تماما، وإنه، أي القعيد، يرفض بشدة أن يتم تناول اسم الأديب العالمي بالسلب داخل البرلمان.

والحقيقة أنه لا يمكن الاتفاق مع تصريح القعيد، كلام أبو المعاطي يستمد قوته من كونه أحد نواب الشعب، ورفض القعيد الإساءة لمحفوظ جاء متأخرا جدا، ما الذي يضمن الآن ألا يتقدم أحدهم ببلاغ إلى النيابة يطالب فيه بسحب أعمال محفوظ ومصادرتها لأنها خدشت حياءه، وأنه كاد يصاب بأزمة قلبية عندما قرأ "قصر الشوق"، تماما مثلما قال المواطن صاحب الثوابت في بلاغه عما أصابه عندما قرأ رواية أحمد ناجي.

أهلا بالجميع في قاعة المحكمة


 الجلسة التي تحولت إلى فضيحة بما تعنيه الكلمة انتهت بسؤال حاسم لأبو المعاطي: هل يعنى الإبداع أن أقوم بتصوير حالة جماع كامل على الشاشة، وأقوم بإذاعتها؟ النائبة نادية هنري المشاركة في تقديم مشروع اقتراح التعديل لم تجد ردا إلا: "يا نهار اسود...هتودونا في داهية". وللأسف هو كذلك.

هذه الجلسة التي تستحق التأريخ عن جدارة أتت مباشرة بعد يوم واحد من رفض الاستشكال الذي طالب بوقف حبس أحمد ناجي مستندا إلى مجموعة من الأسباب أهمها، أن "الحكم كان به العديد من الإشكاليات منها أنه تعامل مع الفصل المنشور من رواية "استخدام الحياة" على أنه مقال، في تجاهل واضح للفرق بين الرواية والمقالة، الرواية محض خيال، ليست لها صلة بالواقع".

كما أوضح الاستشكال أن: "تراثنا الأدبي والثقافي مليء بالعديد من الروايات بهذا النمط، رواية ألف ليلة وليلة تمت مصادرتها في منتصف الثمانينيات، تحت زعم أنها خادشة للحياء، ولكن في عام 1986 حكم رئيس محكمة شمال القاهرة بإلغاء الحكم والإفراج عن الرواية التي كانت تحاكم بنفس المادة 178 من قانون العقوبات التي يحاكم بها أحمد الآن وإعادة نشرها باعتبارها عمل أدبي. وفرقت ما بين القصد الجنائي والقصد الأدبي، فلا يوجد قصد لدى الكاتب عند تخيل عوالم روايته خدش الحياء أو قصد جنائي لإثارة الغرائز الجنسية، ولكن له قصد أدبي في تقديم رواية خيالية، ولكنها لا تعبر عن الواقع".

هذه الحجج التي ساقتها هيئة دفاع ناجي عنه يبدو أنه من الضروري الآن تقديمها أيضا لبعض نواب البرلمان، وتوزيعها على نطاق واسع مجتمعيا، مع قائمة قراءة لإدراك معنى مصطلح "فن" لأنه بخلاف هذا فنحن على وشك أن نشهد واحدة من أكثر المراحل الهزلية المسجلة في المسيرة الإنسانية بجر تاريخ الفن المصري كله جنبا إلى حاضره إلى قاعات المحاكم.

تذكير:



أحمد ناجي محبوس منذ ٢٠ فبراير الماضي لمدة سنتين بحكم صادر عن محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا. وفي ٤ ديسمبر المقبل تعقد جلسة لنقض حكم حبسه.

29/11/2016

الأربعاء، 20 أغسطس 2014

المجتمع مختبر خوف في «كتاب الأمان»

عمار على حسن


لعلّ الكاتب المصري ياسر عبدالحافظ أعطى، من دون قصد، قارئ روايته المغايرة والمركبة «كتاب الأمان» (دار التنوير - القاهرة) إذناً بالمشاركة في تأويل نصه المثير للجدل كيفما شاء، من خلال عبارته الأولى: «إختر ما ترى أنه الإجابة الصحيحة مع مراعاة إملائها على كاتب التحقيق». علماً أنه لا يخاطب القارئ هنا إنما يرسم ملامح حوار صامت بين شخصين، أحدهما محقق يفكر ويُملي، والآخر طابع يكتب ما يسمعه على آلة صمّاء.
لكنّ القارئ مدعوّ هنا بكل وضوح إلى القلق والتساؤل وشحذ طاقته العقلية كاملة كي يمضي عبر سطور رواية لا تسعى إلى إمتاعه أو تسليته، إنما مساءلته وإشراكه في الفهم والتفسير وملء الفراغات المتتابعة، والتأرجح بين الحركة والسكون، والتشوف والتعرف، والتفكير والتدبير، وهو يراوح بين «قصر الاعترافات» التابع لجهة «سيادية» و «مقهى المجانين» في أحد أحياء القاهرة، وربما يسعى إلى الإجابة عن الأسئلة الوجودية التي تطرحها شخصيات الرواية، المصحوبة باللعنات: مدون التحقيقات خالد المأمون، والمحقق نبيل العدل، ومصطفى إسماعيل، الأستاذ الجامعي الذي صار لصاً محترفاً، يوظف معارفه العميقة وتفكيره العلمي في خدمة مغامراته المفتوحة.
وثمة عبارات كثيرة في الرواية تبيّن بجلاء أنّ كاتبها أراد على لسانه هو وألسنة أبطاله أن يقاوم الاستسلام للأفكار الجاهزة والمعلبة، وأن ينفض عن نفسه الكسل أمام تصاريف الحياة: «من قال إنه لا بدَّ من وجود قوانين لنلتزم بأن تكون لنا مبادئ؟» لأنّ «الفلسفة الحقّة تقودك الى خرق القوانين»، ولأن «الذين حفظوا بغباء أنه لا توجد حقائق مطلقة أو نهائية، يريحون أنفسهم بهذا حتى لا يجتهدوا فى تقديم إجابات»... هكذا نقرأ تلك العبارات المتفرقة في ثنايا النص لنضع أيدينا على الهدف منه، والذي جاء الشكل والمضمون ليحققاه معاً.
ولا يسعى الكاتب إلى كتابة بيان ساحر متساوقاً مع الرأي السائد الذي يقول إن «الأدب هو تشكيل جمالي للغة»، إنما يصنع سرداً متحرراً من حمولات البلاغة، وفيضان الصور، ودهشة المفارقات، يعتمد على التكثيف والعفوية والإغراق في الوصف أحياناً والتنقل الحرّ بين خطين دراميين متوازيين، وتعدد اللسان، والحضّ المستمر على التأني وإعادة القراءة، بعد أن يتم اصطياد القارئ من خلال جملة استفهامية مفتاحية بالغة الدلالة تقول: «هل تحب الاطلاع على نهايتك، ثم ترتب حياتك وفقها؟».
لا ينشغل الكاتب بتحديد زمن صارم للرواية، ولا يجعل همّه الأساسي أن نعرفه من خلال سياق يدل عليه أو مضاهاة بين الشخصيات والواقع لنخمّنه، بمقدار انشغاله بصناعة نص مفتوح على أزمنة وأمكنة شتى. بل إنّ ما يطرحه من أسئلة ومكابدات قد يكون صالحاً لكل الأوقات، التي لم تخل أبداً من صراع وحيرة. ومع هذا، لم يخلُ النص من عبارات تدل على زمنه مثل: «اللعنة على الثمانينات وما ورثناه منها، لا فن، لا موضة، انتهى عهد السياسة والثقافة...»، وهناك وقائع متفرقة تبين أنها تدور في زمان ليس بعيداً منا، وإن كانت أمثولة لأزمنة شتى.
أما المكان فيمتد من حي مصر الجديدة حتى مدينة فرعونية قديمة تسمى «بوتو»، كانت عاصمة الوجه البحري قبل أن يقوم الملك مينا بتوحيد القطرين، ويعود إلى حي شبرا الشعبي، ليخالط أصنافاً شتى من الناس.
علاوة على هذا يطلق الكاتب العنان للتجريب من خلال تفاوت مستويات السرد، وتبادل الأدوار مع الراوي، وكأننا أمام مؤلفين للنص، أحدهما مستتر والآخر ظاهر، إضافة إلى إضاءة مختلف جوانب بعض المواقف والوقائع.
بطل الرواية هو خالد مأمون الملازم لـ «قصر الاعترافات» الذي يأتي إليه المعترفون تباعاً، ليحكوا أمامه ويدون هو ما يتفوهون به، لكنه لا يقف منه محايداً إنما يتفاعل معه ويذوب فيه، فيقرر هو الآخر أن يعترف، وأن يروي للعالم ما يدور داخل هذا القصر الغامض. والشخصية المثيرة للجدال في الرواية هي شخصية «اللص»، الذي يقود عصابة مكونة من عشر مجموعات عنقودية، ويفلت بسرقات لكنه لا يلبث أن يسقط في يد الأمن حين يسطو على بيت قائد حرس رئيس الجمهورية، ليُظهر التحقيق معه أنه كان يسرق الأغنياء من أجل الفقراء، كما كان يفعل «روبن هود» أو شعراء العرب الصعاليك. لذلك كان يطلب من أفراد العصابة ألا يتصرفوا بصلف وخشونة وإكراه وتبجح مع أصحاب البيوت التي يسرقونها إن وجدوهم في طريقهم.
ويمنحنا خالد مأمون فرصة لنتعرف إلى شخصية هذا اللص المختلف حين يقول: «ومثلما هم الأبطال الأسطوريون، فإن شيئاً في وجهه يترك الانطباع بحزن غائر. أدركت ساعتها أن الوصف الذي يرد في الملاحم البشرية عن سمات البطل لم يكن تكاسلاً من مدونيها كما ظننت، إنما، الوجوه تُنحت على حسب الدور المقرر لها لعبه».
وثمة شخصية سوسن الكاشف المولعة بالحياة الخالية من كل قيد، فهي تتمرد على زوجها وتقاليد المجتمع، وتسقط بعدها في الخطيئة كي تبرهن أنها حرة، فيقول لها الزوج إنها وقعت تحت سطوة شيطان سرق روحها وإنسانيتها. وفي المقابل توجد حسناء، ابنة مصطفى إسماعيل، التي تسعى إلى إعادة صياغة «كتاب الأمان»، بحيث يتضمن ما خفي من حكايات عن أبيها اللص.
مقابل هذه الشخصيات المرتبطة بحياة «القصر» في حي مصر الجديدة الذي تقطنه بعض شرائح الطبقة الثرية، نجد شخصيات مرتبطة بحي شبرا الشعبي الذي يقطنه الفقراء ومساتير الناس. فيحرص الكاتب على أن تأتي حياتها موافقة للسياق الاجتماعي المحيط بها، فها هو لطفى زادة الذي بدأ حياته عاشقاً لحفط الشعر وحاول كتابته ينتهي قعيداً. وكذلك فخري الذي نال شرف لعب الشطرنج مع الملك فاروق وتعادل معه، فتصدرت صورته الصحف، قبل يوم واحد من اندلاع ثورة يوليو 1952، ليلازمه سوء الحظ، كما يلازم كل الذين حوله ممن تنحصر حياتهم بين الذهاب إلى السينما لمشاهدة الأفلام الهندية والجلوس على المقهى لترويض الفراغ والألم.
هكذا يتحوّل الأمان في هذا النص إلى خوف وقلق وحسرات دائمة لا يفلح خيال الروائي في التخفيف من حدّتها، ولا يتمكن هو من خلال إقحام نفسه في النص مكملاً وشارحاً وسائلاً في فتح أي نافذة للأمل، ولا تفعل ذلك حتى الأفلام الهندية الحالمة والمشبعة بالأساطير المبهجة، فليس في وسع هذا كله تبديد عبارة قاسية جاءت على لسان فخري، تقول: «المرأة مثل شعوبنا تعشق الديكتاتور».
"الحياة" 30 يوليو 2014

الأحد، 20 أبريل 2014

محمد برادة عن "كتاب الأمان"


  

متاهة الذات وسديميّة المجتمع






في روايتــه الثانية «كــتاب الأمــان» (دار التنوير- دار محمد عـلي، 2013)، يـبـني يـاسـر عبـد الـحافـظ نـصَّه على الـتــركـيب وتــجـاور الـمـحكيّات. والــسارد المـنسِّـق للـحكي ومـوزِّع الكلام، هـو خــالـد مـأمـون الذي يـتقـمَّص دور كاتب الـرواية، اعـتمـاداً على تـجربة عـاشها في مـقـرّ عمـله «قـصـر الاعـتـرافات» الذي لا يـحــيل على وظيفة معينة، بل هـو فضاء مـلتـبس يجمع بين مهمّات الشرطة والمخابرات والقضاء الـعـدلـي والـتـحـرّي. إلا أن خالد المـثـقَّف، المـنجذب إلى قـراءة نجيب محفوظ وكافكا، ورامبو، وبـول أوسـتـيـر، يـغـتـنم الـفرصة ليـسجِّل مـا يـتـفـوَّه به المعترفون. وتكون مفـاجـأتـه الـمـفـرحة، هي إنـصـاته وتسجيـله لاعـتـرافات مصطفى إسـماعـيـل الأسـتـاذ الجامعي الذي تـحوَّل إلى لـصّ خطـيـر، يـفـلسف سـرقاته، ويُـنَـظِّـر أفـعـاله وما تـنطوي عليه من أغـراض تـخدم المجتمع. ومن هذه الاعتـرافات ألَّـفَ خالد الـنسخة الأصلية من كتاب الأمان الذي يـتخـلَّل فصول الرواية، ويجَـسِّد الـنـموذج الـمثالي والثـوري، لشخصية مصطفى بـحسب مـا فـهـمه خالـد وتخيَّلَه. إلا أن هذا الـمكـوِّن الأساس يصبح موضع شكّ وإعـادة نظـر، عندما يـتعرَّف خالد إلى حـسـناء ابـنـة مصطفى إسـمـاعيل، التي تـقدِّم صورة مـغـايرة لـوالدها، وتلحّ على نـشـر طـبعة ثانية من كتاب الأمــان، تـصحِّح فيها الصورة الأسطـورية التي رسمها خالد مـأمون في الطبعة الأولى. إلى جانب ذلك، تـشتـمل رواية «كـتاب الأمــان»، على مـحكيّات مـوازية يـسـردها خالد عـن شخصيات يـعـرفها أو عـاشرها، مثـل نـبيـل العدل الذي كان رئـيـسه في قـصـر الاعترافات، أو فـخـري بـطل الشـطرنج الذي انتـهى بـه المطاف إلـى الجنون، أو صديقه لطفي الشاعـر الفاشل الـمشلـول، أو الباشا مهندس أشـرف السـويفي صاحب مقهى المجانين في شــبـرا، أو أنور الورقي ناشر النسخة الأصلية من كتاب الأمان.

هكذا، يـنطلق خالد مـأمون في سـرد روايته مـوزّعـاً بيـن مـحوريـن: مسار مصطفى إسماعيل اللصوصي والأسطوري، والتعديلات المناقضة التي أتـت بها ابـنـتـه في أثناء علاقتها المحمومة والصـراعية بخالد، ثــم مسـار الشخصيات التي عرفها أو عاشرها الـراوي ضـمـن فـضـاءيـن مـتـبـايـنـيـن: حـي شــبـرا الشعبي مـقـابل مدينة نــصـر وهيـلـيـوبولـيـس. وفي غـمـرة السـرد والـتعـليقات وتجاور الخـطابات يـبـدو خالد مـأمون كـأنـه يحمل ملامـح مـن (ســامـح) بـطل رواية «بــمــناسبة الـحياة» (2005) للكاتب نفسه، خاصة حين نـتـذكَّر السؤال الذي تـنــتـهي به: «مــات الذي يعرف كــل شيء، وبــقي الذي يـفهم كل شيء.ومــا ضرورة الفـهم بـدون معـرفة؟». وإذا كانت ســمات التلاقي عديدة بين بطل رواية يـاسـر عبد الحافظ الأولى وبطل هذه الرواية، فـإن الاختلاف والـتـمـايـز بـينـهما واضح نتــيجة للـشكـل وصـوغ الـرؤية الـخـلفـية للــنـص. مـن ثـــم، يـبدو خالد مـأمـون في رواية «كـتاب الأمـان» أكـثـر تـصمـيـماً على فـهم مـا يحيط بـه ومعرفته مـنـطـلقاً من نقطة الـصـفـر، مـزوَّداً بـقـراءاته ومـثـالـيَّته، رافضاً الاتِّـكاء على مـسالك السياسة ومنطقها. بـتـعـبـيـرٍ ثــانٍ، تـمـرّدَ خالد على الـبـطـركيـة في تـجـلياتها المختلفة، ورفضَ الـتـورُّط في التـزامات يـقـرِّرها الآخرون، وارتــمـى في فـضاء مـديـنـي مـهـول أشـبه بالـمـتاهة الـسديـمية، وانخرط في عـمل محـفوف بالـمخاطـر مـصـمِّـماً على الـوصول إلى أجـوبـة تـقـرِّبـه مـن «الحقيـقة الـغـائبة» الـثـاوية في قـصـر الاعـتـرافات، كـما خُـيِّل إلـيه. وهـذا الرهـان الذي عـقـده خالد مـأمون على ما اعـتـرف بـه مصطفى إسـماعيل الذي اخـتــار الانتقال من التدريس في الجامعة إلـى ســرقة بـيـوت الأغنـياء، ســرعان مـا تـحطّـم عندما كشفت لـه ابـنـتـه الـوجـه الـعادي الـلابـطولي لـوالدها؛ فـأدرك عندئذ أن رفضـه التـوقيع على تـقـرير المسؤولين عن قـصر الاعترافات القاضي بـإطلاق سـراح مصطفى إسماعيل،كان مـوقفاً مـجّانـياً، وأن الحقيقة التي ظَنَّها مجسَّدةً لدى اللصّ الـفيلسوف كانت مجرَّد خدعة وتـطـريزات مختـلـقة..يـعـود خـالد، بعـد طـرده من عمله، إلـى حيّ شـبـرا ليـرافق صديقه لطفي، ويلاعبه الشـطـرنج في فضاء تـكسـوه أطلال الـخـراب وبـوادر الـعـنف والانـحدار التي تـتـهـدَّد مجـتـمـعاً فـقــد البــوصلة وامـتلأ بـالمـعميات والـغـرف الــســرية.



في الـبحث عـن الـحقيـقة الـنـهائية

من الصعب حصـر دلالة «كتاب الأمان» في موضوع واحد، لأن نـسيـج سـردها المـتـعدِّد الـزوايا والأصوات والخطاب، وشكــلها المـتداخل الأزمنة والـمـتـشـظي الـبناء، جـعـلا الدلالة تـلـتحف ظـلالاً وإيـحاءات مـتـشابــكة ومـتـنـافـرة، لا تـكـتـسب أبـعادها الدلالـية إلا من خلال الـمقارنة بـين الـتـناقضات والمفارقات. اعـتـباراً لـهذه الملاحظة، نـضع شخصية خـالد مأمون في بؤرة النـص الـمركـزية، لأنـه الـسـارد/الفاعـل الأساس وحـامـل التـسـاؤلات والتـأمُّلات، والباحث عـــن أجـوبة تطـفئ تـعـطّشه إلى معرفة الـحقيقة. ومن هذه الـزاوية، يتـبـدّى المحور الأول من خلال افــتــتـان خالد بشخصية مصطفى إسماعيل، لأنـه استـجاب إلى أفق انتـظار لـديه، يـتـمثَّـل في القدرة على تـكسـيـر المنوالية الاجتماعية وتــحـدّي القيم السائدة. وهـو ما وجده في اعتـرافات مصطفى الأستاذ الجامعي الذي تحوَّل إلى لصّ يـفلسف أفعاله ومغامراتــــــه، ويــنتـسب إلى قـبيلـة الشخصية الشعبية أدهــم الشـرقاوي الذي كان يسـرق الأغنياء ويوزِّع أموالهم على الفقراء. لـكـن هذه الصورة الأسطورية لا ندري إذا كانت تطابق اعتـرافات مصطفى، أم أن خـالداً ابتـدعها في أثناء تـسجيله لأقوال الأستاذ اللـص، لأنها كانت كامنة في لاوَعْــيِه: «بـعد إسـدال الـستار، وفـيما المـمثِّـلون ينحنون للجمهور أفـقـت على أن الأعوام الخمسة التي صـادقـتـه فيها سـراب.... هـل حدث مـا فات أم أنه مجرّد تخــيُّل طــال أكـثـر مـمـا يـنبغي؟». مهـما يكـن، هذه الصورة التي قدَّمها خالد لـمصطفى في الطـبعة الأولى من كتاب الأمان، تـستـجيب لحاجة ملحّة، إذ جعلها سـبباً في تغـيـيـر مجرى حياته: «غـيـر أني، وبـتـأثـيـر تلك الحـادثة، اختـرت الـكـتـب حتى الـتـقيـت مصطفى، فأعادني مـرة أخـرى إلى الانـبـهار بـما يحدث في الواقع». وهذه العودة إلى الـواقع سـتـصحِّـحـها، مرة أخرى، حسناء ابنة مصطفى إسماعيل، حين تحكي لـه تـفاصيل عن والدها، تـظهـره عادياً ومعـرَّضاً للخـطـأ والـتـجـبُّـر مع زوجته وابــنـتـه. من الـبطولة إلى الـلابطـولة، ومن الكـتب إلى الـواقع، ومن الـواقع الـمـؤمثــل إلى الواقع الـيومي الـمـبتـذل: «كيف الـسـبيل إلى الـقبض على الـحقيـقـة الـغـائـصة وسط الـتـنـاقضات الـمـتـأصِّلة في الحياة؟».

المـحـور الـدلالي الثاني، يطالـعنا في ثــنـايا المحكيات الكثيـرة عن رجال ونـساء عاشـرهـم خالد مأمون أو احتكّ بـهم؛ مثل نـبـيل العدل وزوجته، ولطفي وصديقته مـنال، وحسناء والأستاذ عـلي، وفخـري بطل الـشـطـرنج الذي آل به المطاف إلى الجنون. هذه الشخصيات ومـحكيّاتها مـوزَّعـة بـيـن فضاءين مـن مدينة القاهـرة الشـاسعة: حي شـبـرا الشعبي، ومدينة نـصــر وهيـلـيـوبـوليـس، اللذين يأويـان الطبقة المـتوسطة وفـئـات الأثــرياء القـدامى والـمتـسلِّـقيـن. هي محكيّات تـؤثِّـث ذاكرة خـالد وتـدفعه إلى التـأمل في فعل الـزمن، وتحوُّلات الفضاء والناس، خاصة بـعد أن فـقــد عمله وعاد إلى مـوقعه في شـبـرا لـيـتـأسّى ويودِّع أيام الـصـبا الـهـنـيّة: «مـا جـئت أودِّعُــه ضـاع. مـتـحف الـسويفي عـلاه التراب وعـنـكـبـوت يـعمل بهمّة في نسـج شبـاكه على وجـهـه المـنحوت. الـباشا مـهندس أشـرف تـخلّى عن عادته في قــراءة الـجـرائد؛ وبــدلاً منها يـتــأمَّـل النـساء... لـم يـعد إلا عـم سـيّد الجـرسون مـع هَـرَم مـبـالغ فيه، يـجـرّ قـدمـيه بصعوبة، وفَـقَــدَ تـقـريباً حـاسة الـسمع لـحسن حظـه حتى لا تـجـرحـه الكـلمات الـهـازئة من فـتـيان في عـمر المـراهقة... لا أنـتــظـر مـعجـزة. إنْ كان مـن يـقين مـا أستـطيع الـتـأكيد عليه الآن، فـإنـه لا وجـود للمعـجزات. نحن حـمقى، كـل مــنـا يــرى نـفسه بــتـقـديـر مذهـل يـوسـوس لـه لـتـوقُّــع شيء مـا، وعـندما لا يـحدث يــلوم مـا حـولـه: الأرض والسماء».

إلى جانب هـذين المحورين، يـستــوقـفـنا عـنـصـر ثالـث يـتمـثَّــل في الـمـيــتــا- ســرد المتَّـصل بـمسـألة كتابة الرواية وشكلها، الـمدرج داخل النص من خلال تأمُّلات خالد في ما يكـتـبه، أو من خلال حوار بـينه وبين نـاشره الذي يعتـرض على إدراج قصة سـوسن الكاشف لأنها لا تـضيف شـيئاً؛ أو حين تـنـتـقد حسناء ما كَتَـبَـه عن أبيها من دون أن يشرح للقارئ سـبب تـحـوُّل مصطفى إلى لــصّ. هذه الـتـقنـية التي تـستـدمـج أسـئلة الكتابة واخـتـيار الشكل ضـمن نسيج الـسـرد، سـمة اقـتـرنت بالتجديد الروائي عالـمـياً وعـربـياً، لأنـها تـدفع الـقارئ إلى الـتـشكُّــك في الصـيغة التي قـرأهـــــا، وتـفتح أمامه الباب لـتـخـيُّـل شكـلٍ ســردي آخــر مـحتـمَل. يمكن أن نضيف في هذا الصدد، بالنسبة للـميـتـا- سـرد في «كتاب الأمــان»، مـا أورده خـالـد عـن مـحاولة حـسناء اســتــخلاص صفحة مـن كل رواية تـحتويها مكتبتها، لتـؤلِّف رواية واحدة تـغـنـيـها عن مـئــات الروايات، لأنـها ستغـدو بمـثابة خلاصة مصفّـاة عن «الحقـيقـة الـنـهائية» التي تـشغل بال مـؤلف «كــتاب الأمـان». وفي الاتـجــاه نفسه، يمكن أن نـقـرأ اللجـوء إلى الـمـيـتـا- سـرد بكـثافة، على أنـه تـبـريـــر لـشــكـل «كتاب الأمـان» الذي جاء أقـرب ما يكون إلى «رواية شـمـولية» تلامــس أكـبـر عدد مـمـكن من الأسئلة الذاتية والــغــيـرية التي تـشـغـل مـن يـعـيشـون في فضاء اجتماعي- سياسي خـانـق، وفي مجتمع سـائـر نحو الانحـــــــدار والانـفجـار، مـثلما كان عليه الحال في مــصـر طوال الـعـقـديـن الأخيـرين.

لـقـد أنـجـز يـاسـر عبد الحافظ عـبـر روايته «كتاب الأمـان» وكاتبها الـمـتـخيّل خـالد مـأمـون، رحـلةً سـرديةً تـجمع بيـن الـطرافة والـعمق، وتـستــفيد مـن جـرأة التـجريــب وغـرابة التــخـيــيــل؛ وهي جـمـيعها عـنـاصـر ضـرورية لالــتـقـاط مـرحلة الـسـديم التي تـرتـادها المـجتـمعات العـربية المـنـتـفضة ضـد الاسـتـبداد والـفـكـر الماضوي. وأظن أن الإشـارة التي وردت في الرواية عـن نظـرية «الـمنطـق الـضبـابي» التي ابـتـدعها الـبروفسور عـلي، تـنطوي على ما يـتـيح لـنا قـيـاس الـتـصـرُّفات والرغبات الـواقعة بـيـن الـخـطـأ والصواب، بـين الانـحـدار والـنـهوض: «قـاعدة الصح والـخـطـأ ليــست كافية للتـعـبـيـر عـن كل المسائل المــنطقية. وطـريقة الـفهـم الكلاسيكية باتـت قـاصـرة في تعـريـــف الـدرجات المختلفة بيـن الـصـفـر والـواحــد. والــمـيـزة التي وفَّرها الـمنـطق الـضبــابي، أنــه يصـف لـنـا علاقـة الــتـابـع بـشـكـلٍ أشـمـل وأعَــمّ من ذلــك، حيث إن الحالة يــمـكن أن تكون حـالة وسط بيـن الـحالتـين المـألوفـتـين. فمن خلال الـنـظــرية، يـكون الانـتـقال بيـن الـوضعـين بـشــكـلٍ تـدريـجي.».


د.محمد برادة
مجلة "الدوحة"

 العدد 76  فبراير 2014

   

الأربعاء، 5 فبراير 2014

محمد عمر جنادى عن "كتاب الأمان"

"كتاب الأمان"... كتابة الوهم... و"ديموقراطية التأويل"



            
                                                                                  
        

   تضع " كتاب الأمان"، الرواية الثانية لياسر عبد الحافظ ، من خلال نهايتها الدالة، الأفلام الهندية (إحدى أهم أيقونات التسعينيات)  كأقصى نقيض ممكن لها. يذهب "خالد مأمون" مع "لطفى زاده" إلى سينما "شبرا بالاس" بناْءً على رغبة الأخير الشديدة فى رؤية " التحفة البوليديةالأروع.. الحقيقة النهائية"، وينجحا فى الدخول إلى صالة العرض رغم الزحام الشديد بفضل مساعدة الجمهور وإفساحهم الطريق بدافع الشفقة على " لطفى زادة" الجالس على كرسيه المتحرك. يحمل الفيلم الهندى نفس عنوان الكتاب الذى تسعى "حسناء" إلى إنجازه، والذى سيحتوى على الخلاصة النهائية للمعرفةالبشرية: "الحقيقة النهائية". تستدعى المطابقة- بين الفيلم الهندى والرواية- السخرية المريرة: اليقين المستقر النهائى، الرؤية الواثقة المستوعبة للعالم، أنساق القيم القارة الثابتة، الخير والشر، البنية التقليدية للفن، فى مواجهة الشك والنسبية والقلق، غياب أية دعائم منطقية للعلاقات الإنسانية،والتطويرات الشكلية للبنية الفنية. الحياة كحقيقة مبتذلة فى مواجهة الوهم كحقيقة للحياة.

     يمنح النص الروائى الوهم شكلا وبنية ً، يحوله من تجربة ايديولوجية مألوفة للبشر إلى شىء مختلف، الخيال ربما، حيث يبنى النص صورة روائية كابوسية، فى غالبية أجزائها، وعند إحالتها/مطابقتها للواقع لا نتبين أيهما أكثر اكتمالا.

     عند قدوم "مصطفى اسماعيل" إلى "قصر الاعترافات"، جهة التحقيق السيادية الغامضة، للتحقيق معه فى تهم السرقة التى ارتكبها وفق نهجه الخاص، وبمعية تنظيم قام بتكوينه عنقوديا، تترك اعترافاته وكلماته أثرا كبيرا فى نفس "مصطفى اسماعيل" مدون التحقيقات فى القصر.  يصفه خالد مأمون قائلا: " ومثلما هم الأبطال الأسطوريون فإن شيئا فى وجهه يترك الانطباع بحزنغائر. أدركت ساعتها أن الوصف الذى يرد فى الملاحم البشرية عن سمات البطل لم يكن تكاسلا من مدونيها كما ظننت،إنما، الوجوه تُنحت على حسب الدور المقرر لها لعبه." ﺻ26

    لكن الفن الروائى يخلق مغايراأساسيا عن الدراما أو الملحمة من حيث الفعل أو القدرة عليه، فداخل المحكى الملحمى –ويمكن اعتبار الفيلم الهندى تغير أو تطور مبتذل للملحمة- يصبح لفعل البطل دلالة عامة أكيدة، وموقفه الايديولوجى له دلالة بالنسبة للعالم الملحمى، ولا يتفرد خطابه، بل يختلط بخطاب الكاتب. أما "مصطفى اسماعيل"، وكذلك الشخصيات القادرة على الفعل بشكل ما مثل "سوسن " و " لطفى زادة"، لا يغدو لأفعالهم تلك الدلالة العامة الأكيدة، ولا تصبح مقبولة داخل العالم، أو ذات دلالة لدى الجميع، لذلك تختلف دلالة أفعال "مصطفى اسماعيل" من شخصية لأخرى، فيراه البعض بطلا قوميا، وتراه ابنته "حسناء" و"نبيل العدل" (رئيس خالد مأمون المباشر) مجرد لص، بينما يراه "خالد مأمون" يحاول إحياء أسطورة روبن هود، تلك الأسطورة التى يحاول "مأمون" خلقها من الحكاية فى طبعته الأولى من "كتاب الأمان" ، ثم لا يلبث أن ينقضها فى طبعته الثانية، نحو رؤية أكثر واقعية. فى الرواية، الشخصيات متكلمة، وفى الغالب إما عاجزة عن الفعل أو مستاءة منه، محكوما عليها بالكلام العارى (بتعبيرباختين): بأحلام اليقظة، وبالمواعظ غير الفاعلة، وبالنزعة التعليمية (كما فى نسخة مصطفى اسماعيل من كتاب الأمان)، والتأملات المجدِبة (كما فى حالة حسناء). ولأنه ليس للرواية منظور واحد وحيد (كالمحكى الملحمى)، بل تشتمل على عدد كبير من المنظورات، لا تصبح مواقف الشخصيات "الإيديولوجية" المواقف الوحيدة الممكنة، لذلك فهى عرضة للمناهضة من قِبل السلطة أو المجتمع.. أو القارئ.

     تتعدد اللسانية الاجتماعية للذوات المتحدثة داخل الرواية، لكنها تعددية مختلفة عن "تعدد الأصوات"بالمعنى الباختينى المألوف. فبالرغم من الهيراركية الظاهرة لصوت راوى واحد، نتبين هشاشة هيمنة هذا الراوى المتخيل، والذى يتحدث بضمير المتكلم، للمؤلف الضمنى أو المفترض "خالد مأمون"، فكلام الشخصيات أو خطابها غير خاضع لصوت "خالد مأمون"، فلا تذعن الشخصيات لوجهة نظره، ولا يمتزج وعيها به، كما تباعد البنية السردية للرواية بين خطابها وأى تراتب هرمى صارم، عن الطريق الكاتب الفعلى/ الحقيقى الذى يتقنع خلف كاتبه المفترض/الضمنى، فينطمس صوته تماما، دافعا ﺒ"النسبيةالمنتشية" إلى حدودها القصوى.

      تحدد الرواية العلاقة بينالبنية السردية للنص وخطابها، فالمضمون صار شكلا، حيث تنتج الرواية شكلها الفنى والذى يتشكل عبر رؤيتها للعالم، رؤية تتطلب خطابا حيث لا يكون أى موقف أيديولوجى أو أخلاقى معصوما من الطعن فيه ومخالفته، وتطويرا شكليا للبنية الفنية يناسب الرؤية الجديدة والتى تسائل "النسبية" ذاتها.  

  يقوم المخرج الأمريكى "كوينتن تارانتينو" بلعبة تبادل الأدوار فى أغلب أفلامه، تصير الضحية جلادا، والجلاد ضحية أو مُطاردا: الشرطة والجناة، اليهود والنازيون، العبد الزنجى والرجل الأبيض، وهى لعبة ترتكز على مفهوم ما بعد حداثى عن الحقيقة والمعنى والسلطة، إذا سنحت الفرصة للضحية لكى ينتقم، سيفعل مثلما فعل جلاده، بل وأكثر من ذلك، لا وجود للخير والشر، فقط، التموضع التاريخى. ويبدو سؤال الرواية أو مفهومها عن الحقيقة مقاربا لذلك الفهم، ليوتارى فى بعض ملامحه، وكما يذكر "آلن هاو": "تتقوّض شرعية التصورات الحداثية عن"الحقيقة" و "العقل" و"التقدم"... يقول مصطفى اسماعيل: "لا فارق بيننا وبين رجال الأمن سوى أنهم صنعوا لأنفسهم زيا" ﺻ241 .. لكن النص الروائى يلوح مقيدا بما لا يقوله، لا بما قاله بالفعل، عبر التعارض المستمر والتباين بين المعانى،"يتكلم" النص فى لحظات صمته، أو بالأحرى تجعله "القراءة" يتكلم".

    تتصادم وجهات النظر داخل الرواية، من خلال حواريتها الساكنة. يورد النص فقرات متواترة من نسخة  "مصطفى اسماعيل" الأصلية لكتاب الأمان، كما يقدم النص صوت "خالد مأمون"، والذى يفترض أنه صوت المؤلف الضمنى ذاته، فى سرده وتأملاته:

  "لعنة الله على الثمانينيات وما ورثناه منها، لا فن، لا موضة، انتهى عهد السياسة والثقافة وبدأ التدين والتقاليد، نفعل ما نريد شرط البسملة والحوقلة" ﺻ165

   " عندما سلموه أدوات الثورة، بعض الكتب السلفية وجنزيرا، قلت له إن الموضوع تعدى مجرد اكتشاف أفكارمختلفة..."ﺻ177     

   "لكن بعد قليل بدأت الصورة تتضح، كلمات متناثرة يتبادلها الركاب فى عرباتهم عن حادث وقع، انفجرت قنبلة فى أحد الأتوبيسات،الإصابات ليست خطيرة لكنها موجعة، سببتها المسامير التى تم تزويد القنبلة بدائيةالصنع بها، اخترقت أجساد الضحايا تاركة لهم هدايا باسم زمن التسعينيات." ﺻ233


" لم تعد مفردات مثل "إرهابى" و"تطرف" و"الحكومة الكافرة" بغريبة على الأذن.. "ﺻ259


 "رجال الثورة الآتين للحكم عطشى وجوعى عُرف عنهم الولع بثلاثة: النساء، الغناء، الشطرنج. وفى المقابل يكرهون ثلاثة: الملك، ورجاله، والحرية."ﺻ 251


أو يقول على لسان الأستاذ فخرى: "المرأة مثل شعوبنا تعشق الديكتاتور" ﺻ166


لكن تلك التأملات تكشف- بشكل ضئيل- عن الحدود التى يكتب المؤلف الحقيقى من داخلها، بسبب لغتها ذات الكثافة الضمنية، والسرد الذى يورد التباين ( مثل وجهتى نظر "حسناء" و"خالد مأمون" المتناقتضين فى رواية "الحب فى زمن الكوليرا")، والأهم، الطبعة الثانية من كتاب "كتاب الأمان"، التى ينوى "خالد مأمون" كتابتها مستندا إلى رؤية حسناء ابنة مصطفى اسماعيل،والتى تقوض كتابته أو طبعته الأولى :

 " كيف لم انتبه إلى أنى كنت أسير وفق ما تنتظره مخيلة الكثيرين، صنعت بطولة وهمية لرجل قد لا يكون كذلك على الإطلاق. فى الطبعة الثانية سأكتب قصة حسناء و معها الحقيقة المطلقة.سأعترف وأطلب العفو..  كنت مغفلا صنعت من لص بطلا قوميا، منحته بطولة لا يستحقها، كنت أبحث عن وسيلة للاعتراض، لشق الصمت الذى وجدت نفسى مقيدا به.." ﺻ209

 فى شكل فريد من "الميتاسرد"، لا يستبق الانتقاد أو يدرج النقد المحتمل فى سياقه فقط، وإنما يؤكد" ديموقراطية الشكل الأدبى للرواية"، بتعبير "ديفيد لودج"، الذى يناهض الشمولية،   
 والذى ينتج مفهوما عن الحقيقة والأخلاق، عبر تصارع النصوص، خاضعا هو الآخر  ﻟ"ديموقراطية التأويل"، على حد وصف خالد مأمون: ".. وأنا لا اقول شيئا، ألوذ بدموقراطية التأويل، وحق النص فى الحياة بعيدا عن صاحبه." ﺻ 176    

    يختلف فعل الكتابة، ومنطلقاته، وتختلف أسئلتها من شخصية لأخرى. فتتجمد الكتابة عند "خالد مأمون" - فترة عمله فى "قصر الاعترافات"- فى معناها الحرفى/الأوّلى: التدوين، وهوالمعنى الذى تتبناه السلطة: تدوين ما تراه حقائق و معلومات، والاستخام البرجماتى للكلمات. بلا مجاز، بلا خيال. تتحول بعد ذلك عن كتابة "مأمون" لحكاية" مصطفى اسماعيل" إلى عملية خلق فنى، خلق أسطورة من الحكاية، كوسيلة للمقاومة والاعتراض و"شق الصمت". أما "مصطفى اسماعيل"، فيبدو سؤال الكتابة عنده مرادفا للكمال، أو وسيلة لتحويل أفكاره وأفعاله إلى الكمال الذى يمكن تعليمه لغيره، بوصفه الحقيقة. و"حسناء" التى تسعى إلى النظام عبرالفوضى، وإلى معنى شمولى للحقيقة، مستخدمة التعارض/التعددية كوسيلة: خلاصة المعرفةالإنسانية فى كتاب، يحتوى صفحات قامت بانتقاءها من شتى كتب المعارف المختلفة، صفحة من كل كتاب، حيث ستتبدى وتتجلى "الحقيقة النهائية" لمن يقرأه. و"لطفى زاده" الذى يبدو فشله فى كتابة الشعر محفزا على العنف كتجربة جديدة.

   تتصارع النصوص وتتنازع خطاباتها (النسخة الأصلية لكتاب الأمان، نسخة "خالد مأمون" الطبعة الأولى، الطبعة الثانية، كتاب حسناْء...)، فى محاولة كلٍ منها بسط سلطته السردية، وتحقيق السيادة. تبدو الحقيقة مبتغى تلك النصوص، والأرض التى يدور حولها، وعليها النزاع..النص/السلطة/الحقيقة... لكن الصراع يفضى، فى النهاية، إلى تفكيك السلطة والكتابة فى آن، تفكيك الكتابة بردها إلى عناصرها، والكشف عن البنية الكامنة لنظامها، والعلاقة بين هذه العناصر، وعن تعاظم التناقضات والثغرات داخل خطاب النص، مؤدية فى النهاية إلى وعى الخطاب بذاته، ونفيه.. وتفكيك السلطة كقيمة: "تقويض أو فك أنساق الفكر القمعى"، بدلا من التعويل على معادِلات أو مرادفات سردية مبتذلة عنها (الأب، الشيخ، التسلط الذكورى...)، أو صيغ نمطية، كما فى كثير من المنجز الروائى السابق: " ليس الفن أن يكون اللص هو الشريف، ولا من تبيع جسدها هى البتول، كيف فاتنى أن تلك الصيغة آن لها السقوط، أننا فى حاجة للاعتراف بأننا نصنع من هلاوسنا صيغا كاذبة تستقر حتى تصبح كالحقيقة." ﺻ 209 ..ومن هنا تتحقق القطيعة بمعناها الأوسع: رفض تكوين أى سردية قمعية جديدة دوجمائية تبتغى الكليانية، أو ذات طبيعة "إرهابية"، أو تتدعى، كوجه آخر للعملة،"موت الذات"، بل تحاول الرواية جاهدة الإبقاء على توترها الخلاق، وطاقةالنص الاحتجاجية.

   و بينما توهم الرواية بالواقع (يقدم خالد مأمون فى نهاية الرواية، بصفته كاتبها المفترض، "شكر ودعوة" إلى شخصيات حقيقيةفى واقعنا الثقافى: "فادى عوض"، "إيمان مرسال"، "منصورةعزالدين")، فإنها تتباعد عنه، ترفضه وتنفيه. ترسم الرواية واقعا ناقصا، وتقدم صورة كابوسية له، تنزع مألوفيته، فى سردها التغريبى عن "مدينة نصر"و"شبرا"، والتخييلى عن "بيت اللوتس" و"قصرالاعترافات"، راسمة بذلك فضاءها المكانى الذى يمتزج به الواقعى بالمتخيل، والتوثيقى بالمتخيل (تل المساخيط، قصر البارون). 

  للنص الروائى سمات كافكاوية، فبالإضافة إلى تيمة الكابوس، نجد تيمات التحول، لكنه تحول أقل حدة من تحول"جريجورى سامسا" إلى حشرة، و يعمد إلى المرواغة. يتحول "مصطفى اسماعيل" من أستاذ جامعى فى مجال القانون إلى لص، ويتحول "لطفى زاده" من شاعر فاشل إلى متطرف ثم إلى مشلول، ويتحول أستاذ "فخرى" إلى الجنون. تبقى مسببات التحول عند "مصطفى اسماعيل" مجهولة، لكن"مأمون" يرجح فى النهاية أن دخول "اسماعيل" "بيت اللوتس" و سقوطه فى الماء هو الطقس الذى مارسه للتحول، متسائلا من جديد إن كان ما فعله "مصطفى اسماعيل" يتعدى مجرد السرقة.

     التأويل هو الوجه الآخر للمجاز، و"القانون" و "الاحصاء والتعداد" و"جهات التحقيق" (مجالات كلٍ من: مصطفى اسماعيل و زوجته و خالد مأمون) هى وجوه فعلية لسلطة الدولة ورقابتها، والتى يصفها "خالد مأمون" ﺑ "عين ترى كل شئ" ﺻ 185 ..وفى حين تكون معظم النظم التسلطية عاجزة تماما عقليا عن تبرير قيم حكمها الخاصة، يصوغ "مصطفى اسماعيل" قيمه وأفكاره فى النسخة الأصلية من "كتاب الأمان"، وبينما تحتقر السلطة المجاز والخيال، يحتفى الفن بهما، فى محاولة لتجاوز الواقع الذى يتشكل وفق" الفيزياء الدقيقة للسلطة"، بتعبير"فوكو"، و تعمل اللغة المجازية للرواية على إعتاق النص من الخضوع لرؤيةبعينها، كما تعمل الرموز (مثل: ساحرات الإلياذة، إينجما) والإشارات الثقافية ( بول أوستر، هايدجر، نيتشه، ..) التى يتضمنها السرد على خلق عوالم أخرى أو فضاءات رحبة داخل الرواية. ليست تلك الرموز والإشارات مجرد حلية إضافية للنص، بل تمثل عناصر هامة فى دلالاته وتكوينه، وتكشف عن وعى النص بمصادر تفاعله، والعلاقة الجدلية بين سياق ثقافى داخلى تمثله المادة الثقافية داخل النص، وسياق ثقافى خارجى والذى تتموفق أطره المرجعية عمليات القراءة والتأويل.   
     

   تحقق "كتاب الأمان" فى تباعدها عن القوالب(الفنية والفكرية) المألوفة والمستهلكة عالمها الخاص، وتفرض أسئلتها القلقة عن الكتابة والمعرفة والحقيقة، وقدرة الفن على التغيير.
"أخبار الأدب" 12 يناير 2014



الروائى ياسر عبد الحافظ: الكتابة تعويض عن فشلى فى الخروج على القانون

حوار - عزمى عبد الوهاب

فى صمت يعكف الروائى «ياسر عبد الحافظ» على كتابته، يسعى لأن يكون عمله معبرا عنه فى الدقة والتأني، لذا لم يقدم للمكتبة العربية سوى روايتين، الأولى «بمناسبة الحياة» والثانية صدرت حديثا بعنوان «كتاب الأمان»، عن دار التنوير بالقاهرة، وهو فى كل الأحوال يختلف عن أبناء جيله الذين يستسهلون عملية الكتابة، حتى إنهم يمتلكون وصفة جاهزة، تجعلهم يقدمون على نشر عمل روائى كل عام.
فى هذا الحوار نقترب أكثر من الروائى “ياسر عبد الحافظ.

> فى بداية عملك الصحفى أجريت مجموعة حوارات مع عدد من الأدباء الشباب وكان السؤال الأساسى فيها: لماذا تكتب؟ هل توصلت إلى إجابة تخصك؟
لم أصل إلى إجابة نهائية، كل فترة تتكون لدى إجابة، سرعان ما تُنسى وتحل محلها أخرى، الزمن والتجارب يتلاعبان بقناعاتنا، عندما كنت أصغر قليلاً أحببت التفكير فى الكتابة على أنها وسيلتى للانتقام، الآن أظن أنى أكتب لأنها المهارة الوحيدة التى أملكها، لعدم قدرتى على فعل شيء آخر، إنها تعويض عن الضعف، لفشلى فى التمرد والخروج على النظام والقانون. 

> ما الذى يغرى فى كتاب «جمهورية أفلاطون» حتى تظل منشغلا به على مدار روايتين؟
ليس الكتاب بالتحديد، إنما الفكرة التى تقف وراءه وتستند إليها الفلسفة بشكل عام، فى «الجمهورية» بعض الأفكار التى لا أتفق معها وبالذات الموقف الأخلاقى من الشعر أو الفن، لكن عندى هوس بالمدرسة التى تقف وراء الكتاب والتى أصبحت فيما بعد أساساً للتفكير والبحث.

فى روايتى “كتاب الأمان” هناك جدل حول الخير والشر، لا يتوقف عند النقاش، لكنه يجد طريقه للتحقق على الأرض، من خلال مصطفى إسماعيل الذى يختار التحول من كونه أستاذا جامعيا إلى لص، ليس فقط لاختبار الخير والشر، إنما للإيمان بأن كل الأفعال متساوية من حيث المبدأ، وممارسة الأفعال تخضع لمفاهيمنا الخاصة عنها بعد استبعاد ما لحقها من تعريفات.
> ترفض أولئك المثقفين الذين لا يجتهدون فى تقديم إجابات بدعوى أنه لا توجد حقائق مطلقة.. هل هذا هو سر أزمة المثقف؟
لا أدعى أنى أعرف سر أزمة المثقف العربي، إنما ربما يكون ذلك أحد أسبابها بالفعل، فالفارق كبير بين السعى للمعرفة، مع التسليم بأن ما سنصل إليه ليس نهائياً، وبين الركون إلى المعلومة، على اعتبار أن كل ما سنعرفه هو من البداية مشكوك فيه. 

> اعتاد القارئ أن يرى الرواية حكاية مسلية فى حين أن كتاباتك تراهن على قارئ غير تقليدى ألا تخشى من ندرة القراءة؟
من المفترض أننا قطعنا شوطاً لا بأس به فى تأسيس فن الرواية العربي، غير أننا نرتد إلى المحاولات الأولى من جديد، هذا يحدث بفضل علاقة محرمة بين ثلاثى التقت أهدافه على تقويض هذا الفن: روائى غير جيد، ناقد سيئ، قارئ كسول، الرواية لم تعد مجرد حكاية مسلية، وفى الأساس هى ليست كذلك فقط، ويكفى للتأكد مراجعة تاريخها الذى نستند إليه، الرواية عملية إعادة بناء للعالم بكل ما فيه وفق تصور الروائي، والحكاية مجرد وسيلة، ضمن وسائل أخرى، لتعزيز هذا البناء. 

أحترم كثيراً القارئ وأؤمن أن له دورا أساسياً فى العمل، فالقراءة التأويلية جزء مهم يقوم عليه عملي، وذلك القارئ موجود، أما القارئ الذى يبحث عن عمل سهل وحكاية مسلية فلا أظن أنه سيرتاح لعملي، لا أتعالى عليه لكنى أفضل بقاء المسافة بيننا على حالها، إلى أن يقرر هو عكس ذلك.

> تهتم كثيرا باللغة كيف ترى أهميتها فى العمل الأدبي؟
اللغة جزء من تركيبة العمل، أحد العناصر المكونة له، ولا بد من الموازنة بينها وبين بقية التقنيات بحيث تؤدى الغرض منها، اعتدت سماع مبدعين يقولون: “أسعى للغة خاصة بي” فى ظنى أن هذا خطأ، الأفضل أن تسعى للغة خاصة بالعمل، وهو ما أحاول تحقيقه، اللغة فى روايتى الأولى “بمناسبة الحياة” مختلفة عنها فى الثانية “كتاب الأمان”، الموضوع والشخصيات وطرائق تفكيرها تفرض ذلك. 

> أغلب كتابات جيل التسعينيات تميل إلى اجترار جوانب من السيرة الذاتية هل ترفض مثل هذه الأنماط فى الرواية؟
الرواية تحتمل أن تكون أى شيء بما فى ذلك أن تحول ذاتك إلى مادة فنية، لكن الشرط أن تكون هذه المادة ثرية بما يكفي، وأن تكون مقنعة فنياً، نحن نعرف أن الروائيين الكبار استغلوا جوانب من سيرهم الذاتية فى أعمالهم، لكنهم امتلكوا القدرة على تحويلها إلى فن، نحن نستغل أنفسنا فى الكتابة بالتأكيد، إنما الفكرة أن ننسى تماماً أن ما نكتبه يخصنا، هذه ليست ذكرياتنا ولا رؤانا ولا أفكارنا، منحناها لشخصيات العمل يخضعونها إلى منطقهم وأهوائهم. 

> يرى البعض أن روايتك تنتمى إلى فن الكتابة على الكتابة بمعنى أن هناك شخصية تعمل على نسخة أصلية مما يسمى “كتاب الأمان” لماذا لجأت إلى هذه الحيلة الروائية؟
كانت لدى رغبة فى كشف “مطبخ” الكتابة، التراوح الدائم بين وجهات النظر المختلفة، أى شخصية أحق بتبنى رؤيتها والانحياز لها، كيف نصيغ الفكرة التى تراودنا، وكيف يمكن التضحية (ربما) بالقناعات استجابة لمطامعنا، من ناحية أخرى كانت تلك الحيلة مهمة فنياً لتجنب تقديس “كتاب الأمان” فى نسخته الأصلية، فقد سمح هذا بتعدد الرؤى حول الكتاب وصاحبه. 
> تنتقد القارئ الكسول، ومع ذلك تقدم له رواية تحتاج إلى مجهود صعب فى القراءة ألا تعتبر أنت ذاتك كاتبا كسولا؟
لا أعتبر نفسى كاتباً كسولاً، نعم لم أصدر سوى روايتين خلال ثمانى سنوات لكن لدى ثلاث مخطوطات أخرى، الفكرة فى أنى أتمهل كثيراً فى النشر، لن أدفع بعمل للناشر إلا عندما يوافق شروطى الخاصة فى الكتابة، إلا إذا قرأته فى مسودته النهائية ولم أجد أن هناك تعديلات ينبغى القيام بها. 

> فى ندوة بعنوان “أحفاد نجيب محفوظ” قدمت قراءة مختلفة عن صاحب نوبل ماذا عن ذلك؟
> لدى فرضية أختبر مدى صدقيتها، وهى أن نجيب محفوظ رغم موهبته اللافتة، وعظمة إنجازه، لم يكن مخلصاً بالكامل لشروط الفن، بمعنى أن محاكاة الواقع يمكنها إنتاج أعمال عظيمة، لكن هذا ليس كافياً لإنتاج فن عظيم.

> وما الذى ينتج فنا عظيما من وجهة نظرك؟
الأمر لا يتوقف على ابتكار شخصيات، وطرائق فى السرد، ولغة محكمة، هناك شيء أبعد من ذلك، يضعك أمام أسئلة مربكة، ليس مهماً لأى مجال تنتمى، لكن علاقتها ليست بالواقع المباشر، بقدر انتمائها إلى ما هو أعمق، إلى حيث يعود الوجود نفسه، وحيث يسكن الفن.

> هل أنت ضد استخدام الواقع فى الفن؟
لا... لكننى فقط ضد البقاء رهن شروطه، وهذا يجعل النص فى تقديرى سجين زمنه، وكلما اتسع الزمن بين القارئ وبينه فقد أهليته، فى ظنى أن محفوظ كان يلجأ للتوفيق بين عناصر لا يمكن لها الاجتماع، لا يمكن بالتأكيد إنكار مدى عبقريته، لكننى لا أعتقد أن هذا هو الفن، ميزة الفن أنه يسمح لك بأن تكفر بكل المثل المنصوص عليها، الفن له قيم ومبادئ مغايرة تماماً لما هو موجود فى الواقع الحي.

> ألم تعد تقرأ نجيب محفوظ؟
مازلت أقرأ محفوظ وأتعلم منه، أتعلم الابتعاد عنه وعن وصفته، أقرأ محفوظ لأتعلم الابتعاد عن لغته، أعود إليه لأتعلم أن الرواية عمل يلزمه الدقة والانضباط، لكن أيضاً أحاول ألا أستغرق تماماً فى هذا، حتى لا أنسى أن الفن لا قانون له.
مجلة "الأهرام العربي" 14 يناير 2014


الاثنين، 4 نوفمبر 2013

صلاح فضل عن "كتاب الأمان"

ياسر عبدالحافظ يخط «كتاب الأمان»

 


يكمل ياسر عبدالحافظ ثالوث المجموعة الطليعية من شباب الروائيين المصريين، مع أنه أشد دهاء ونضجاً وأقل إنتاجاً من رفيقيه طارق إمام وأحمد عبداللطيف، لكنه يتميز بثقة مبالغ فيها بقدراته على التلاعب بمستويات السرد والقرب من محاكاة الواقع وترميز الشخوص والإشارات المضمنة فى كتابته، حتى يتوهم أن بوسع الأطفال قراءته، بينما نجده يمعن فى التجريب وتبادل المواقع مع الراوى وإضمار العناصر الكاشفة وابتسار المواقف والأحداث، بما يتطلب جهداً من المتلقين لإعادة إدراجها فى منظومة متصلة. هذا العزوف عن الحكايات السهلة، الذى يميز الأسلوب الحداثى يجعل القارئ دائماً يدخل إلى السينما متأخراً فيضطر إلى سؤال جاره عما حدث من قبل حتى يتابع المشاهدة، ويجعل أسئلة الكتابة ومزج التقنيات الفنية أدخل فى السياق من تسلسل الأحداث، كما يجعل استيعاب المادة الثقافية شرطاً لازماً لمتابعة القراءة.

ففى مطلع رواية «كتاب الأمان» يصف الراوى المسابقة التى تقدم إليها للعمل موظفاً فى «قصر الاعترافات» الخاص بإحدى الجهات السيادية، فيشرح كيف طلبوا من المتقدمين للوظيفة أن يكتب كل منهم قصة حياته بإيجاز، فيقول الراوى «خالد مأمون»: «أول مرة بكيت فيها شخصاً كانت عندما مات فهمى ابن السيد أحمد عبدالجواد، أول مرة انتابنى الفزع عندما قرأت عن تحول جريجورى ساما، تستيقظ من النوم فتجد نفسك حشرة، وعليك التعامل مع العالم على هذا النحو، ولأنك تعرف أن الدنيا لا منطق لها، وأن الحكايات أصدق من الواقع إذن فكل شىء وارد، حتى لو كان كابوسيا إلى هذا الحد، لكن فى فترة لاحقة أدركت من خلال (ثلاثية نيويورك) أن المعانى مختلطة بدرجة غير عادية، وأنه غالباً لا قيمة لشىء، هكذا يمكننى أن أصف حياتى.. القدرة على التنفس والكلام والتزاوج لا تكفى لتسرد حكايتك».

ومع إعجابى بمستوى الثقافة البليغة فى تركيز الإشارات الدالة على نجيب محفوظ وكافكا وأرسطو وبول أوستر، فإن الأمر لا يمكن أن يتعلق بالحصول على وظيفة بقدر ما هو توصيف منهجى لأسلوب القص الذى يفضله المؤلف والذى يتماهى أحياناً مع الراوى والمروى عنه، وعلى القارئ المدرب أن يدرك منذ قراءته الصفحات الأولى علاقة اسم المؤلف ياسر عبدالحافظ بمؤلف آخر على الصفحة الداخلية هو الراوى خالد مأمون، بمؤلف ثالث لكاتب النسخة الأصلية وهو مصطفى إسماعيل، ليستوعب الفرق بين المؤلف الفعلى والضمنى والراوى والمروى عنه، كى يفك اشتباك هذه العناوين، لكنه عندما ينجو من هذا الارتباك سيجد سطوراً عميقة مركزة، تقطر حكمة ووعياً، ونفاذاً وجمال صياغة، وسيدرك فى النهاية أن التحذير الأخير من أن «هذه الشخصيات والأحداث لا علاقة لها بالواقع» يحمل نبرة ساخرة، لأن واقع البشر العاديين لا يمكن أن تختلط فيه الأمور بهذه الطريقة، إلا إذا انتقلت للأدب فى كتب لا تمثل رسائل ولا عهوداً كما كان الشأن قديما، بل تقدم رؤية للحياة فى جوهرها أصدق بمراحل من صورة الواقع السطحى، كما قال أرسطو بحق.

أى كتاب وأى أمان:

تكاد تكون المقتطفات التى يضعها الكاتب فى صدر فصول روايته هى المتن الأساس المأخوذ من كتاب الأمان المتخيل، وما يليه مجرد سرد هامشى لظروفه، وأول مقتطف يطالعنا يتعلق بأسلحة المعارك المختلفة ومبرراتها الأخلاقية موضحاً طبيعة الكتاب بأنه «يضم مئات الملاحظات حول أفضل الأوقات لارتكاب جريمة، والمحاذير التى لابد من تجنبها، مئات العناوين وأسماء ساكنيها ومهنهم، هواتف المسؤولين، طرق الهرب والتخفى، أساليب التهديد والابتزاز.

كتاب دونه بصبر وحب من نتاج خبرته وخبرات آخرين، ما لم يفطن إليه هو أن الخطأ يحدث تحديداً عندما يحرص على تلافيه» فهو لص مثقف كان يعمل أستاذاً فى الجامعة ويوظف معارفه فى مغامراته، وعندما تتصاعد مستويات الشخصيات التى يسرق بيوتها حتى تصل إلى رئيس الفريق الذى يضع حراسة رئيس الجمهورية يقع مصطفى إسماعيل فى قبضة الأمن، الطريف أنه على وعى بتشابه اسمه مع اسم المقرئ الشهير، ويخضع للاستجواب فى قصر الاعترافات، ويقول له المحقق واسمه نبيل العدل، «نحن استنتجنا أنك كنت تحاول إحياء أسطورة روبن هود» الذى يسرق الأغنياء لصالح الفقراء، لكن مفهوم اللص الشريف له جذوره أيضاً فى الثقافة العربية لم ينتبه لها المحقق، فزمرة الشعراء العرب الصعاليك القدامى كانوا أيضاً يفعلون ذلك، فنحن إذن حيال شخصية لابد أن تكتسب أبعاداً سياسية ورمزية أبعد من مجرد اللصوصية، وعندما نُتابع منطق الخطط التنظيمية التى يشرحها الكتاب ندرك أنها قريبة من المجال السياسى المألوف، حيث «يتضمن التشكيل العنقودى مزايا المجموعات الكبيرة، من حيث قدرتها على الانتشار والإنجاز وجمع المعلومات وتصريف الغنائم بسرعة وعلى مساحة من الأرض يصعب تتبعها.. يتبع تنظيمنا الآن أكثر من عشر مجموعات لا تعرف بعضها، واتصالها معى أنا فقط من خلال رئيسها، ولكل مجموعة هدف وعمل مختلف عن الأخرى».

وهذا هو المعهود فى الخلايا السرية، لكن الطابع المثالى لعمل واضع خطط الأمان الذى يبحث عن الكمال يبعده عن العنف والقتل، ويحصر هدفه فى التحدى الشخصى والنبل الاجتماعى ليقترب أكثر من العمل العام، حيث يدعو أصحابه إلى أن يتصرفوا فى البيوت التى يسطون عليها باعتبارها بيوتهم، دون جرح لمشاعر الآخرين، مع الاحتفاظ بمساحة الاحترام لهم والسيطرة على المشاعر العدائية التى تفسد العمل، وهذا ما يليق بالسياسة التى تسلب إرادة الآخرين وتمكن من السيطرة، فأساليب السلطة فى صراعاتها المشروعة وغير المشروعة هى التى تفسر لنا إشارات الرواية، ويظل بوسع القارئ العادى أن يقف عند دلالتها الحرفية المباشرة فى اللصوصية التى تتقنع بالشرف، أو يذهب إلى معنى أبعد فى السياسة المضمخة بالدهاء، لكنها فى كلتا الحالتين تكتسب خصوبتها من تعدد أبعادها، كما تكتسب تشويقها وجاذبيتها من الأستطرادات السردية الممتعة عن بعض البيوت المدهشة، مثل ذلك البيت المبنى على هيئة زهرة لوتس ذهبية ضخمة، تتوهج عند انعكاس أشعة الشمس عليها مثل قطعة النار «فتصبح كأنها مخدع شهوانى أو رمز لعبادة سرية، وهى تنغلق على نفسها عند غروب الشمس لتعود للتفتح فى الصباح» وتتم فى البيت الذى أقيم على هذا النسق طقوس تحرير الأجساد المسكونة بالجان، وغير ذلك من أعمال السحر الغرائبية التى لاتزال تزخر بها الحياة المصرية فى جوفها العميق. وكذلك نجد بعض النماذج اللافتة للنساء مثل سوسن الكاشف المفتونة بالحياة، التى ترفض التدهور التدريجى الذى اعترى المرأة المصرية وهى تساق لإنكار أنوثتها وارتداء الأسمال التى تحجب جمالها وذوقها، فتتمرد على زوجها ومجتمعها، حتى يتهمها بأن الشيطان قد أغوى روحها، وتقع فى الخطيئة كى تثبت حريتها وحقها فى الاختيار والتلذذ بصورها المتمردة، إلى غير ذلك من عشرات المواقف والمشاهد الدامغة التى التقطتها عدسة ياسر العالية الحساسية لتجسيد معاناة الروح وإكراهات الجسد فى الحياة المصرية المعاصرة.

الإطار الزمكانى:

تسبح الرواية حتى قرب نهايتها فى فضاء زمانى مبهم، وتتنقل بين أماكن عديدة، خلف الذكريات والتحقيقات والرحلات التى تخترق العاصمة وبعض الأقاليم، إذ نجد فيها استطرادا توثيقياً بمناسبة الحديث عن جد المحقق الذى عاصر استراتيجية تشكيل ضاحية مصر الجديدة ومنطق تجاور البيوت الكلاسيكية مع أسطورة قصر البارون والتحولات التى مرت بها الضاحية الأرستقراطية حتى عهد قريب، كما نجد رحلة إلى قلب الدلتا إلى مدينة «بوتو» عاصمة الوجه البحرى قبل التوحيد، حيث يقوم «تل المساخيط»، وتعمل فيه عصابات الآثار مستعينة بسحرة يبحثون عن الكنوز الفرعونية التى لا تفتح إلا إذا أريقت فوقها دماء طفل يافع، يستقون ذلك من أسطورة توارثوها عن أن هذه الأرض كانت تسكنها امرأة لها رأس حية، وكانت ساحرة حكم عليها بالحرق عندما فشلت فى علاج أحد أبناء الملوك، ومن يومها وروحها تتعقب صغار السن ممن هم فى عمر ابن الملك، لكن يظل حضور كثير من الأماكن والشخوص شبحياً عارضياً فى الرواية لا يندرج فى سياقها الأساسى، حتى بعض الشخصيات التى يفترض أنها محورية مثل حسناء ابنة مصطفى إسماعيل التى تدفع الراوى لإعادة كتابة صيغة جديدة من كتاب الأمان، وتزوده بمواقف وحقائق عن أبيها وأمها قبل السجن وبعده تظل مختزلة مقتضبة، لا تمتد فى جسد الرواية بشكل مقنع.

وهذا يعود لمنطق الأسلوب الحداثى المتقطع المشتت، وكان علينا أن ننتظر إلى الفصل الأخير وربما الفقرات الأخيرة حتى نعثر على الإطار الزمانى والمكانى لها، إذ تقوم بتمثيل مصير حى شبرا بشوارعه وسكانه بطريقة مجسدة «الناس تبدلت مع لطفى- وهو شخصية ثانوية بدأت حياتها بحفظ الشعر ومحاولة كتابته وانتهى بها الأمر إلى الجلوس على مقعد متحرك- فهم منكسرون مثله، يسيرون بلا إدراك لما حولهم أو لتصرفاتهم، لا ينقصهم سوى أباريق يسقون بها شجراً لا ينمو، على ناصية الشارع ارتفع تل القمامة ومعه طنين الذباب والرائحة العطنة، لأن واحدة من السكان دشنت الفكرة.. مشاجرة مع عامل القمامة دفعتها للاستغناء عن خدماته وتبعها آخرون مفضلين إبقاء قمامتهم أمام عيونهم، ومن يدرى الخطوة التالية؟: الاحتفاظ بها فى بيوتهم» ويحتل «شبرا» الذى انتقل إليه الراوى، وأصبح من المبرر أن يتابع حركة الحياة فيه، وخط الترماى، وهو يفصل الشارع مثل السكين والسينما القائمة فيه، واحتفاؤه بحضور النجم السينمائى والهندى لعرض فيلمه، ومقهى المجانين بطقوس وحركة شخوصه- يحتل كل ذلك الجزء الأخير من الرواية بطريقة طبيعية تختلف عن استطراد مصر الجديدة، لكن تظل عوامة الزمن طافية على سطح الكتابة حتى يأتى ذكر فخرى ابن شبراً الذى استطاع عن طريق الحاشية فى قصر شبرا الذى يأتى إليه الملك يوماً فى الشهر أن يمثل أمامه، ويحظى بشرف لعب الشطرنج والتعادل معه، «لكنه أصبح نموذجاً لسوء الحظ حيث تصدرت صورته الصفحة الأولى للصحف والملك يكرمه بمنحه رقعته الخاصة، ثم فى اليوم التالى تقوم ثورة يوليو 1952 تطيح بهذا الملك»، ثم يعلق الراوى بقوله «رجال الثورة الآتين للحكم عطشى وجوعى عرف عنهم الولع بثلاثة أشياء: النساء والغناء والشطرنج» وفى المقابل يكرهون ثلاثة: «الملك ورجاله والحرية» وعلى ما فى هذه الأحكام من جزافية خاطئة وتبسيط مخل للدوافع وراء حركة التاريخ فإنها تجعل عام 52 ختاماً لأحداث الرواية ومن حى شبرا فضاء تصب فيه مصائر الشخوص الذين نبتوا فى أماكن أخرى، دون أن تعنى الرواية بغلق أقواس هذه المصائر فى نهايات مغلقة أو مفتوحة. لكن ما تخللها من مشاهد وغرائب، من انتقالات واستبطانات وفلسفة وفكر قد صيغ بلغة مكثفة تضمر شعرية رائعة وجمالاً تشكيلياً بديعاً يجعلها عملاً ممتعاً.

د.صلاح فضل
الأربعاء 5 نوفمبر 2013 "المصري اليوم".

الأحد، 27 أكتوبر 2013

عن المسافة المقدسة بين الأدب والسياسة

الأسواني مُروِّض الخيال
ياسر عبد الحافظ


 صورة 1: علاء الأسواني مع محمد مرسي يتصافحان بحرارة، نشوة النصر تحتل وجهيهما بالكامل، ومساحة ودّ ليس في الإمكان تجاهل مدلولها.
صورة 2: بعدها بعام وشهور قليلة. الأسواني في باريس، تحديداً في معهد العالم العربي للترويج لروايته "نادي السيارات"، أنصار مرسي يهاجمونه ويقاطعون حديثه ويحاولون الاعتداء عليه كما تناقلت وكالات الأنباء.

بين الصورتين مساحة من الالتباس والضجة يتمحور حولها كل ما يتعلق بـ"ظاهرة الأسواني"، تلك التي انطلقت ودوت في أعقاب "عمارة يعقوبيان"، وما زالت مستمرة وإن بتأثير أخف يعود في الأساس إلى عدم قدرة أعماله التالية على الوصول إلى المستوى نفسه.

لعل السؤال الأهم ليس قيمة الأدب الذي يقدمه الأسواني وموقعه بين الروايات العربية. هذه محاولة متعسفة ومكتوب عليها الفشل. ليس فقط لأن الحركة النقدية متعثرة، إنما لأن مجمل الإنتاج الروائي العربي لم يتم تصنيفه، والحقيقة أن العديد من محاولات تصنيف الإنتاج الأسواني كانت وراءها دوافع غير أدبية على الرغم من صدقية أحكام وصلت إليها. والمهتمون يعرفون ويتداولون همساً تفاصيل وأسباب المعركة لكنهم حين يكتبون ينأون بأنفسهم باللجوء إلى جاك دريدا، وميشال فوكو، والاقتباس من المنظّرين.

ما ينبغي التوقف عنده: المسافة (المقدسة) التي هدمها الأسواني عامداً، بين الأدب والسياسة، ليروج غالباً للبضاعة التي يقدمها في المجالين. الروائي صاحب المواقف السياسية التقدمية الثورية، والسياسي صاحب الروايات الأكثر توزيعاً، كل مجال منهما يخدم الآخر ويغذيه بمزيد من الدراما الساخنة للحفاظ على الموقع الذي يشغله صاحبه. قارعو طبول المعارك يصحبون الأسواني أينما ذهب. يدقونها بصخب، وهو مستعد ومتأهب. لديه قضية واضحة وهدف محدد كنبيٍّ يمدّه إيمانه بالطاقة اللازمة، "وما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يخلعها". ودوماً، لحروب الأسواني عنوان عام، بريقه يخرس المشككين: الوطن، الفقراء، الديموقراطية، الحرية. وغيرها من شعارات رنانة دأبنا على سماعها من جيل الستينيات (مع ضرورة التأكيد هنا على منجز هذا الجيل في الفن والنقد)، وأفقدها الافتراق بين القول والفعل معناها، حتى عافتها النفس وأصبحت جالبةً للسخرية، ولم تسترد قيمتها إلا في 25 يناير.

يعيد الأسواني نموذج المثقف الستيني في زي مغاير، ومحاذراً السقوط في خطايا بعض أفراد ذلك الجيل المؤثرة للحد الذي وصمت به الجيل كله بالتبعية للدولة. الأسواني: المثقف الملتحم بقضايا وطنه، المدافع عن المبادئ الأساسية بلا مهادنة، سانده إجماع عارم على رفض النظام وما يمثله، وإيمان عميق، حتى عند بعض المحسوبين على ذلك النظام، بأنه آيل للسقوط لا محالة. المشكلة الحقيقية تبدت بعد سقوط ذاك النظام، انفتحت الحياة السياسية فجأة على مصراعيها، وبدلاً من الرأي الواحد هناك مئة، والاختيار بينها صعب للغاية. انقسم البلد إلى قسمين، فلول وثوار، ثم انقسم كل فريق مرات عدة، ليصبح هناك فلوليّ لا يمكن التعامل معه، وآخر يمكن قبول توبته، ثوريّ لا يقبل التنازلات وآخر يضيف العقلانية إلى موقفه.

ووسط مناخ من الحيرة والتردد، كانت مواقف الأسواني حادة ومندفعة، معاداة الفريق أحمد شفيق، الانتصار للإخوان ومحمد مرسي، الاصطفاف ضد المجلس العسكري وحكم العسكر، ثم الانقلاب على الإخوان (بعد الاكتشاف الفجائي بأنهم عصابة) وتأييد الجيش حفاظاً على الوطن.. مؤكد أن الإخوان جزء من تيار الإسلام السياسي الذي لا يعرف منطق المشاركة في الحكم أو الحوار، وما حدث في معهد العالم العربي مع الأسواني ليس إلا نموذج بسيط لاستبدادهم. لكن السؤال هنا ليس عن الإخوان، وإنما عن الأسواني المثقف والأديب ومواقفه السياسية القاطعة بلا تردد أو مراجعة نقدية، وتأثيرها في أدبه.      

من الظلم القول بأن الأسواني حوّل مقالاته السياسية إلى روايات. إنما المؤكد أن قناعاته انتقلت بلا سيطرة منه إلى كتاباته الأدبية، "يعقوبيان" أولاً، "شيكاغو"، و"نادي السيارات" مؤخراً..

لا اختلاف بين العالمين.. السياسة والأدب، سوى في طرائق الحكي. ليس هناك من أسباب تجعلك تغادر واقعك وتسرح مع الشخصيات والأحداث. المؤلّف موجود بكامل قناعاته وأفكاره، يطغى على الرواية بالكامل. علاء الأسواني يتحدث إليكم. ربما لهذا كان حظ يعقوبيان وافراً، لأن شخصياتها كانت لها من الأصالة ما نافس ذلك الظل الثقيل للأسواني على العمل، أما في "شيكاغو" و"نادي السيارات" فقد انمحت الشخصيات تقريباً أمام الأفكار التي تعبر عنها.

أعمال الأسواني الروائية تعرض لواقع المجتمع المصري، تحولات هذا المجتمع وتحولات الشخصيات معها، المظالم والفساد والانهيار الأخلاقي، التطرف وأسبابه، تنامي سيطرة الدولة الأمنية.. ملفات لها صلة مباشرة بمقالاته السياسية. هنا الواقع، لا فرار منه، يحكمنا فتنمحي أمامه خرافات الإرادة الإنسانية، واقع مجرد من التفنين. لا يبذل الأسواني مجهوداً كبيراً في ذلك الاتجاه، اللّهم إلا الاعتماد على التشويق كحيلة فنية لربط القارئ بكتابه، وهي مسألة يحكمها الوعي قبل أي شئ آخر. المدرّبون على القراءة لا يلهثون وراء الفصول لمعرفة مصائر الشخصيات لكنهم يتمهلون أمام أشياء أخرى.

روايات تمحو أسطورة الفن لصالح السياسي اليومي، مع محاولات جاهدة من قبل مبشرين لتسييد وترويج هذا النوع الأدبي على أنه الأفضل، لأن مجتمعاتنا في حاجة إليه، لأن للأدب وظيفة اجتماعية. محاولات لا تعي أن جوهر ما تقوم به إلحاق الأدب بالسياسة فرعاً لها وإن بلغة أرقى قليلاً. على هذا، تجد أن من يتحدثون عن روايات الأسواني تجري على ألسنتهم وفي كتاباتهم ألفاظ من نوعية: "يكتشف"، و"يقتحم"، و"يفضح"، "المسكوت عنه"، "رصد الصراع بين الطبقات".. وقليلاً ما يكون الكلام عن التقنيات واللغة والخيال كعناصر أساسية.

بالطبع، السجل الروائي العالمي مليء بأعمال وكتّاب حاكموا الواقع إنما بالمنطق الفني، أخضعوا عناصره إلى خيالهم ومقياسهم بحيث لا تعود متأكداً ما الواقع وما الخيال في ما تقرأ. لكن الأسواني لا يدع أمام القارئ مساحة شك ما، لا يترك لخياله فرصة أن يعمل بعيداً ممّا يريده. في روايات الأسواني، يمكن الخروج بنتائج محددة ويقينية تكاد تكون على المقياس الأخلاقي العام. تستطيع الانتهاء من العمل وقد ارتحتَ واطمأنت نفسك إلى أنك على الطريق الصحيح، فأنت لست من أولئك الأشرار.

إنما من العدل أيضاً القول بأنه ليس هناك مفهوم واحد ثابت للأدب والفن. ولو استقرت البشرية على تعريف، ساعتها يختفي الفن. على هذا، ليس لأحد القول بأن هذا الأدب رفيع وذاك متدنٍّ. أنت حر تماماً في اعتبار ما تقرأه وما تشاهده فناً أم لا. المسألة فقط وما فيها.. أننا لا نقرأ لمجرد المتعة السريعة، إنما ليتغير شيء ما في وعينا. ليس لنتطور إلى الأفضل، ولا لتتحسن شروط حياتنا. الفن لا يضمن هذا ولا يعد به من الأساس. لكن في مقدوره جرّنا من حالة الثبات والموات، هزّ القناعات لتجريب الحياة والتفكير فيها بصورة مختلفة. وعلى هذا يبقى السؤال: ما أهمية أن تقرأ ما تعرفه تماماً؟!
"المدن" الاربعاء 23/10/2013