الأربعاء، 5 فبراير 2014

محمد عمر جنادى عن "كتاب الأمان"

"كتاب الأمان"... كتابة الوهم... و"ديموقراطية التأويل"



            
                                                                                  
        

   تضع " كتاب الأمان"، الرواية الثانية لياسر عبد الحافظ ، من خلال نهايتها الدالة، الأفلام الهندية (إحدى أهم أيقونات التسعينيات)  كأقصى نقيض ممكن لها. يذهب "خالد مأمون" مع "لطفى زاده" إلى سينما "شبرا بالاس" بناْءً على رغبة الأخير الشديدة فى رؤية " التحفة البوليديةالأروع.. الحقيقة النهائية"، وينجحا فى الدخول إلى صالة العرض رغم الزحام الشديد بفضل مساعدة الجمهور وإفساحهم الطريق بدافع الشفقة على " لطفى زادة" الجالس على كرسيه المتحرك. يحمل الفيلم الهندى نفس عنوان الكتاب الذى تسعى "حسناء" إلى إنجازه، والذى سيحتوى على الخلاصة النهائية للمعرفةالبشرية: "الحقيقة النهائية". تستدعى المطابقة- بين الفيلم الهندى والرواية- السخرية المريرة: اليقين المستقر النهائى، الرؤية الواثقة المستوعبة للعالم، أنساق القيم القارة الثابتة، الخير والشر، البنية التقليدية للفن، فى مواجهة الشك والنسبية والقلق، غياب أية دعائم منطقية للعلاقات الإنسانية،والتطويرات الشكلية للبنية الفنية. الحياة كحقيقة مبتذلة فى مواجهة الوهم كحقيقة للحياة.

     يمنح النص الروائى الوهم شكلا وبنية ً، يحوله من تجربة ايديولوجية مألوفة للبشر إلى شىء مختلف، الخيال ربما، حيث يبنى النص صورة روائية كابوسية، فى غالبية أجزائها، وعند إحالتها/مطابقتها للواقع لا نتبين أيهما أكثر اكتمالا.

     عند قدوم "مصطفى اسماعيل" إلى "قصر الاعترافات"، جهة التحقيق السيادية الغامضة، للتحقيق معه فى تهم السرقة التى ارتكبها وفق نهجه الخاص، وبمعية تنظيم قام بتكوينه عنقوديا، تترك اعترافاته وكلماته أثرا كبيرا فى نفس "مصطفى اسماعيل" مدون التحقيقات فى القصر.  يصفه خالد مأمون قائلا: " ومثلما هم الأبطال الأسطوريون فإن شيئا فى وجهه يترك الانطباع بحزنغائر. أدركت ساعتها أن الوصف الذى يرد فى الملاحم البشرية عن سمات البطل لم يكن تكاسلا من مدونيها كما ظننت،إنما، الوجوه تُنحت على حسب الدور المقرر لها لعبه." ﺻ26

    لكن الفن الروائى يخلق مغايراأساسيا عن الدراما أو الملحمة من حيث الفعل أو القدرة عليه، فداخل المحكى الملحمى –ويمكن اعتبار الفيلم الهندى تغير أو تطور مبتذل للملحمة- يصبح لفعل البطل دلالة عامة أكيدة، وموقفه الايديولوجى له دلالة بالنسبة للعالم الملحمى، ولا يتفرد خطابه، بل يختلط بخطاب الكاتب. أما "مصطفى اسماعيل"، وكذلك الشخصيات القادرة على الفعل بشكل ما مثل "سوسن " و " لطفى زادة"، لا يغدو لأفعالهم تلك الدلالة العامة الأكيدة، ولا تصبح مقبولة داخل العالم، أو ذات دلالة لدى الجميع، لذلك تختلف دلالة أفعال "مصطفى اسماعيل" من شخصية لأخرى، فيراه البعض بطلا قوميا، وتراه ابنته "حسناء" و"نبيل العدل" (رئيس خالد مأمون المباشر) مجرد لص، بينما يراه "خالد مأمون" يحاول إحياء أسطورة روبن هود، تلك الأسطورة التى يحاول "مأمون" خلقها من الحكاية فى طبعته الأولى من "كتاب الأمان" ، ثم لا يلبث أن ينقضها فى طبعته الثانية، نحو رؤية أكثر واقعية. فى الرواية، الشخصيات متكلمة، وفى الغالب إما عاجزة عن الفعل أو مستاءة منه، محكوما عليها بالكلام العارى (بتعبيرباختين): بأحلام اليقظة، وبالمواعظ غير الفاعلة، وبالنزعة التعليمية (كما فى نسخة مصطفى اسماعيل من كتاب الأمان)، والتأملات المجدِبة (كما فى حالة حسناء). ولأنه ليس للرواية منظور واحد وحيد (كالمحكى الملحمى)، بل تشتمل على عدد كبير من المنظورات، لا تصبح مواقف الشخصيات "الإيديولوجية" المواقف الوحيدة الممكنة، لذلك فهى عرضة للمناهضة من قِبل السلطة أو المجتمع.. أو القارئ.

     تتعدد اللسانية الاجتماعية للذوات المتحدثة داخل الرواية، لكنها تعددية مختلفة عن "تعدد الأصوات"بالمعنى الباختينى المألوف. فبالرغم من الهيراركية الظاهرة لصوت راوى واحد، نتبين هشاشة هيمنة هذا الراوى المتخيل، والذى يتحدث بضمير المتكلم، للمؤلف الضمنى أو المفترض "خالد مأمون"، فكلام الشخصيات أو خطابها غير خاضع لصوت "خالد مأمون"، فلا تذعن الشخصيات لوجهة نظره، ولا يمتزج وعيها به، كما تباعد البنية السردية للرواية بين خطابها وأى تراتب هرمى صارم، عن الطريق الكاتب الفعلى/ الحقيقى الذى يتقنع خلف كاتبه المفترض/الضمنى، فينطمس صوته تماما، دافعا ﺒ"النسبيةالمنتشية" إلى حدودها القصوى.

      تحدد الرواية العلاقة بينالبنية السردية للنص وخطابها، فالمضمون صار شكلا، حيث تنتج الرواية شكلها الفنى والذى يتشكل عبر رؤيتها للعالم، رؤية تتطلب خطابا حيث لا يكون أى موقف أيديولوجى أو أخلاقى معصوما من الطعن فيه ومخالفته، وتطويرا شكليا للبنية الفنية يناسب الرؤية الجديدة والتى تسائل "النسبية" ذاتها.  

  يقوم المخرج الأمريكى "كوينتن تارانتينو" بلعبة تبادل الأدوار فى أغلب أفلامه، تصير الضحية جلادا، والجلاد ضحية أو مُطاردا: الشرطة والجناة، اليهود والنازيون، العبد الزنجى والرجل الأبيض، وهى لعبة ترتكز على مفهوم ما بعد حداثى عن الحقيقة والمعنى والسلطة، إذا سنحت الفرصة للضحية لكى ينتقم، سيفعل مثلما فعل جلاده، بل وأكثر من ذلك، لا وجود للخير والشر، فقط، التموضع التاريخى. ويبدو سؤال الرواية أو مفهومها عن الحقيقة مقاربا لذلك الفهم، ليوتارى فى بعض ملامحه، وكما يذكر "آلن هاو": "تتقوّض شرعية التصورات الحداثية عن"الحقيقة" و "العقل" و"التقدم"... يقول مصطفى اسماعيل: "لا فارق بيننا وبين رجال الأمن سوى أنهم صنعوا لأنفسهم زيا" ﺻ241 .. لكن النص الروائى يلوح مقيدا بما لا يقوله، لا بما قاله بالفعل، عبر التعارض المستمر والتباين بين المعانى،"يتكلم" النص فى لحظات صمته، أو بالأحرى تجعله "القراءة" يتكلم".

    تتصادم وجهات النظر داخل الرواية، من خلال حواريتها الساكنة. يورد النص فقرات متواترة من نسخة  "مصطفى اسماعيل" الأصلية لكتاب الأمان، كما يقدم النص صوت "خالد مأمون"، والذى يفترض أنه صوت المؤلف الضمنى ذاته، فى سرده وتأملاته:

  "لعنة الله على الثمانينيات وما ورثناه منها، لا فن، لا موضة، انتهى عهد السياسة والثقافة وبدأ التدين والتقاليد، نفعل ما نريد شرط البسملة والحوقلة" ﺻ165

   " عندما سلموه أدوات الثورة، بعض الكتب السلفية وجنزيرا، قلت له إن الموضوع تعدى مجرد اكتشاف أفكارمختلفة..."ﺻ177     

   "لكن بعد قليل بدأت الصورة تتضح، كلمات متناثرة يتبادلها الركاب فى عرباتهم عن حادث وقع، انفجرت قنبلة فى أحد الأتوبيسات،الإصابات ليست خطيرة لكنها موجعة، سببتها المسامير التى تم تزويد القنبلة بدائيةالصنع بها، اخترقت أجساد الضحايا تاركة لهم هدايا باسم زمن التسعينيات." ﺻ233


" لم تعد مفردات مثل "إرهابى" و"تطرف" و"الحكومة الكافرة" بغريبة على الأذن.. "ﺻ259


 "رجال الثورة الآتين للحكم عطشى وجوعى عُرف عنهم الولع بثلاثة: النساء، الغناء، الشطرنج. وفى المقابل يكرهون ثلاثة: الملك، ورجاله، والحرية."ﺻ 251


أو يقول على لسان الأستاذ فخرى: "المرأة مثل شعوبنا تعشق الديكتاتور" ﺻ166


لكن تلك التأملات تكشف- بشكل ضئيل- عن الحدود التى يكتب المؤلف الحقيقى من داخلها، بسبب لغتها ذات الكثافة الضمنية، والسرد الذى يورد التباين ( مثل وجهتى نظر "حسناء" و"خالد مأمون" المتناقتضين فى رواية "الحب فى زمن الكوليرا")، والأهم، الطبعة الثانية من كتاب "كتاب الأمان"، التى ينوى "خالد مأمون" كتابتها مستندا إلى رؤية حسناء ابنة مصطفى اسماعيل،والتى تقوض كتابته أو طبعته الأولى :

 " كيف لم انتبه إلى أنى كنت أسير وفق ما تنتظره مخيلة الكثيرين، صنعت بطولة وهمية لرجل قد لا يكون كذلك على الإطلاق. فى الطبعة الثانية سأكتب قصة حسناء و معها الحقيقة المطلقة.سأعترف وأطلب العفو..  كنت مغفلا صنعت من لص بطلا قوميا، منحته بطولة لا يستحقها، كنت أبحث عن وسيلة للاعتراض، لشق الصمت الذى وجدت نفسى مقيدا به.." ﺻ209

 فى شكل فريد من "الميتاسرد"، لا يستبق الانتقاد أو يدرج النقد المحتمل فى سياقه فقط، وإنما يؤكد" ديموقراطية الشكل الأدبى للرواية"، بتعبير "ديفيد لودج"، الذى يناهض الشمولية،   
 والذى ينتج مفهوما عن الحقيقة والأخلاق، عبر تصارع النصوص، خاضعا هو الآخر  ﻟ"ديموقراطية التأويل"، على حد وصف خالد مأمون: ".. وأنا لا اقول شيئا، ألوذ بدموقراطية التأويل، وحق النص فى الحياة بعيدا عن صاحبه." ﺻ 176    

    يختلف فعل الكتابة، ومنطلقاته، وتختلف أسئلتها من شخصية لأخرى. فتتجمد الكتابة عند "خالد مأمون" - فترة عمله فى "قصر الاعترافات"- فى معناها الحرفى/الأوّلى: التدوين، وهوالمعنى الذى تتبناه السلطة: تدوين ما تراه حقائق و معلومات، والاستخام البرجماتى للكلمات. بلا مجاز، بلا خيال. تتحول بعد ذلك عن كتابة "مأمون" لحكاية" مصطفى اسماعيل" إلى عملية خلق فنى، خلق أسطورة من الحكاية، كوسيلة للمقاومة والاعتراض و"شق الصمت". أما "مصطفى اسماعيل"، فيبدو سؤال الكتابة عنده مرادفا للكمال، أو وسيلة لتحويل أفكاره وأفعاله إلى الكمال الذى يمكن تعليمه لغيره، بوصفه الحقيقة. و"حسناء" التى تسعى إلى النظام عبرالفوضى، وإلى معنى شمولى للحقيقة، مستخدمة التعارض/التعددية كوسيلة: خلاصة المعرفةالإنسانية فى كتاب، يحتوى صفحات قامت بانتقاءها من شتى كتب المعارف المختلفة، صفحة من كل كتاب، حيث ستتبدى وتتجلى "الحقيقة النهائية" لمن يقرأه. و"لطفى زاده" الذى يبدو فشله فى كتابة الشعر محفزا على العنف كتجربة جديدة.

   تتصارع النصوص وتتنازع خطاباتها (النسخة الأصلية لكتاب الأمان، نسخة "خالد مأمون" الطبعة الأولى، الطبعة الثانية، كتاب حسناْء...)، فى محاولة كلٍ منها بسط سلطته السردية، وتحقيق السيادة. تبدو الحقيقة مبتغى تلك النصوص، والأرض التى يدور حولها، وعليها النزاع..النص/السلطة/الحقيقة... لكن الصراع يفضى، فى النهاية، إلى تفكيك السلطة والكتابة فى آن، تفكيك الكتابة بردها إلى عناصرها، والكشف عن البنية الكامنة لنظامها، والعلاقة بين هذه العناصر، وعن تعاظم التناقضات والثغرات داخل خطاب النص، مؤدية فى النهاية إلى وعى الخطاب بذاته، ونفيه.. وتفكيك السلطة كقيمة: "تقويض أو فك أنساق الفكر القمعى"، بدلا من التعويل على معادِلات أو مرادفات سردية مبتذلة عنها (الأب، الشيخ، التسلط الذكورى...)، أو صيغ نمطية، كما فى كثير من المنجز الروائى السابق: " ليس الفن أن يكون اللص هو الشريف، ولا من تبيع جسدها هى البتول، كيف فاتنى أن تلك الصيغة آن لها السقوط، أننا فى حاجة للاعتراف بأننا نصنع من هلاوسنا صيغا كاذبة تستقر حتى تصبح كالحقيقة." ﺻ 209 ..ومن هنا تتحقق القطيعة بمعناها الأوسع: رفض تكوين أى سردية قمعية جديدة دوجمائية تبتغى الكليانية، أو ذات طبيعة "إرهابية"، أو تتدعى، كوجه آخر للعملة،"موت الذات"، بل تحاول الرواية جاهدة الإبقاء على توترها الخلاق، وطاقةالنص الاحتجاجية.

   و بينما توهم الرواية بالواقع (يقدم خالد مأمون فى نهاية الرواية، بصفته كاتبها المفترض، "شكر ودعوة" إلى شخصيات حقيقيةفى واقعنا الثقافى: "فادى عوض"، "إيمان مرسال"، "منصورةعزالدين")، فإنها تتباعد عنه، ترفضه وتنفيه. ترسم الرواية واقعا ناقصا، وتقدم صورة كابوسية له، تنزع مألوفيته، فى سردها التغريبى عن "مدينة نصر"و"شبرا"، والتخييلى عن "بيت اللوتس" و"قصرالاعترافات"، راسمة بذلك فضاءها المكانى الذى يمتزج به الواقعى بالمتخيل، والتوثيقى بالمتخيل (تل المساخيط، قصر البارون). 

  للنص الروائى سمات كافكاوية، فبالإضافة إلى تيمة الكابوس، نجد تيمات التحول، لكنه تحول أقل حدة من تحول"جريجورى سامسا" إلى حشرة، و يعمد إلى المرواغة. يتحول "مصطفى اسماعيل" من أستاذ جامعى فى مجال القانون إلى لص، ويتحول "لطفى زاده" من شاعر فاشل إلى متطرف ثم إلى مشلول، ويتحول أستاذ "فخرى" إلى الجنون. تبقى مسببات التحول عند "مصطفى اسماعيل" مجهولة، لكن"مأمون" يرجح فى النهاية أن دخول "اسماعيل" "بيت اللوتس" و سقوطه فى الماء هو الطقس الذى مارسه للتحول، متسائلا من جديد إن كان ما فعله "مصطفى اسماعيل" يتعدى مجرد السرقة.

     التأويل هو الوجه الآخر للمجاز، و"القانون" و "الاحصاء والتعداد" و"جهات التحقيق" (مجالات كلٍ من: مصطفى اسماعيل و زوجته و خالد مأمون) هى وجوه فعلية لسلطة الدولة ورقابتها، والتى يصفها "خالد مأمون" ﺑ "عين ترى كل شئ" ﺻ 185 ..وفى حين تكون معظم النظم التسلطية عاجزة تماما عقليا عن تبرير قيم حكمها الخاصة، يصوغ "مصطفى اسماعيل" قيمه وأفكاره فى النسخة الأصلية من "كتاب الأمان"، وبينما تحتقر السلطة المجاز والخيال، يحتفى الفن بهما، فى محاولة لتجاوز الواقع الذى يتشكل وفق" الفيزياء الدقيقة للسلطة"، بتعبير"فوكو"، و تعمل اللغة المجازية للرواية على إعتاق النص من الخضوع لرؤيةبعينها، كما تعمل الرموز (مثل: ساحرات الإلياذة، إينجما) والإشارات الثقافية ( بول أوستر، هايدجر، نيتشه، ..) التى يتضمنها السرد على خلق عوالم أخرى أو فضاءات رحبة داخل الرواية. ليست تلك الرموز والإشارات مجرد حلية إضافية للنص، بل تمثل عناصر هامة فى دلالاته وتكوينه، وتكشف عن وعى النص بمصادر تفاعله، والعلاقة الجدلية بين سياق ثقافى داخلى تمثله المادة الثقافية داخل النص، وسياق ثقافى خارجى والذى تتموفق أطره المرجعية عمليات القراءة والتأويل.   
     

   تحقق "كتاب الأمان" فى تباعدها عن القوالب(الفنية والفكرية) المألوفة والمستهلكة عالمها الخاص، وتفرض أسئلتها القلقة عن الكتابة والمعرفة والحقيقة، وقدرة الفن على التغيير.
"أخبار الأدب" 12 يناير 2014



الروائى ياسر عبد الحافظ: الكتابة تعويض عن فشلى فى الخروج على القانون

حوار - عزمى عبد الوهاب

فى صمت يعكف الروائى «ياسر عبد الحافظ» على كتابته، يسعى لأن يكون عمله معبرا عنه فى الدقة والتأني، لذا لم يقدم للمكتبة العربية سوى روايتين، الأولى «بمناسبة الحياة» والثانية صدرت حديثا بعنوان «كتاب الأمان»، عن دار التنوير بالقاهرة، وهو فى كل الأحوال يختلف عن أبناء جيله الذين يستسهلون عملية الكتابة، حتى إنهم يمتلكون وصفة جاهزة، تجعلهم يقدمون على نشر عمل روائى كل عام.
فى هذا الحوار نقترب أكثر من الروائى “ياسر عبد الحافظ.

> فى بداية عملك الصحفى أجريت مجموعة حوارات مع عدد من الأدباء الشباب وكان السؤال الأساسى فيها: لماذا تكتب؟ هل توصلت إلى إجابة تخصك؟
لم أصل إلى إجابة نهائية، كل فترة تتكون لدى إجابة، سرعان ما تُنسى وتحل محلها أخرى، الزمن والتجارب يتلاعبان بقناعاتنا، عندما كنت أصغر قليلاً أحببت التفكير فى الكتابة على أنها وسيلتى للانتقام، الآن أظن أنى أكتب لأنها المهارة الوحيدة التى أملكها، لعدم قدرتى على فعل شيء آخر، إنها تعويض عن الضعف، لفشلى فى التمرد والخروج على النظام والقانون. 

> ما الذى يغرى فى كتاب «جمهورية أفلاطون» حتى تظل منشغلا به على مدار روايتين؟
ليس الكتاب بالتحديد، إنما الفكرة التى تقف وراءه وتستند إليها الفلسفة بشكل عام، فى «الجمهورية» بعض الأفكار التى لا أتفق معها وبالذات الموقف الأخلاقى من الشعر أو الفن، لكن عندى هوس بالمدرسة التى تقف وراء الكتاب والتى أصبحت فيما بعد أساساً للتفكير والبحث.

فى روايتى “كتاب الأمان” هناك جدل حول الخير والشر، لا يتوقف عند النقاش، لكنه يجد طريقه للتحقق على الأرض، من خلال مصطفى إسماعيل الذى يختار التحول من كونه أستاذا جامعيا إلى لص، ليس فقط لاختبار الخير والشر، إنما للإيمان بأن كل الأفعال متساوية من حيث المبدأ، وممارسة الأفعال تخضع لمفاهيمنا الخاصة عنها بعد استبعاد ما لحقها من تعريفات.
> ترفض أولئك المثقفين الذين لا يجتهدون فى تقديم إجابات بدعوى أنه لا توجد حقائق مطلقة.. هل هذا هو سر أزمة المثقف؟
لا أدعى أنى أعرف سر أزمة المثقف العربي، إنما ربما يكون ذلك أحد أسبابها بالفعل، فالفارق كبير بين السعى للمعرفة، مع التسليم بأن ما سنصل إليه ليس نهائياً، وبين الركون إلى المعلومة، على اعتبار أن كل ما سنعرفه هو من البداية مشكوك فيه. 

> اعتاد القارئ أن يرى الرواية حكاية مسلية فى حين أن كتاباتك تراهن على قارئ غير تقليدى ألا تخشى من ندرة القراءة؟
من المفترض أننا قطعنا شوطاً لا بأس به فى تأسيس فن الرواية العربي، غير أننا نرتد إلى المحاولات الأولى من جديد، هذا يحدث بفضل علاقة محرمة بين ثلاثى التقت أهدافه على تقويض هذا الفن: روائى غير جيد، ناقد سيئ، قارئ كسول، الرواية لم تعد مجرد حكاية مسلية، وفى الأساس هى ليست كذلك فقط، ويكفى للتأكد مراجعة تاريخها الذى نستند إليه، الرواية عملية إعادة بناء للعالم بكل ما فيه وفق تصور الروائي، والحكاية مجرد وسيلة، ضمن وسائل أخرى، لتعزيز هذا البناء. 

أحترم كثيراً القارئ وأؤمن أن له دورا أساسياً فى العمل، فالقراءة التأويلية جزء مهم يقوم عليه عملي، وذلك القارئ موجود، أما القارئ الذى يبحث عن عمل سهل وحكاية مسلية فلا أظن أنه سيرتاح لعملي، لا أتعالى عليه لكنى أفضل بقاء المسافة بيننا على حالها، إلى أن يقرر هو عكس ذلك.

> تهتم كثيرا باللغة كيف ترى أهميتها فى العمل الأدبي؟
اللغة جزء من تركيبة العمل، أحد العناصر المكونة له، ولا بد من الموازنة بينها وبين بقية التقنيات بحيث تؤدى الغرض منها، اعتدت سماع مبدعين يقولون: “أسعى للغة خاصة بي” فى ظنى أن هذا خطأ، الأفضل أن تسعى للغة خاصة بالعمل، وهو ما أحاول تحقيقه، اللغة فى روايتى الأولى “بمناسبة الحياة” مختلفة عنها فى الثانية “كتاب الأمان”، الموضوع والشخصيات وطرائق تفكيرها تفرض ذلك. 

> أغلب كتابات جيل التسعينيات تميل إلى اجترار جوانب من السيرة الذاتية هل ترفض مثل هذه الأنماط فى الرواية؟
الرواية تحتمل أن تكون أى شيء بما فى ذلك أن تحول ذاتك إلى مادة فنية، لكن الشرط أن تكون هذه المادة ثرية بما يكفي، وأن تكون مقنعة فنياً، نحن نعرف أن الروائيين الكبار استغلوا جوانب من سيرهم الذاتية فى أعمالهم، لكنهم امتلكوا القدرة على تحويلها إلى فن، نحن نستغل أنفسنا فى الكتابة بالتأكيد، إنما الفكرة أن ننسى تماماً أن ما نكتبه يخصنا، هذه ليست ذكرياتنا ولا رؤانا ولا أفكارنا، منحناها لشخصيات العمل يخضعونها إلى منطقهم وأهوائهم. 

> يرى البعض أن روايتك تنتمى إلى فن الكتابة على الكتابة بمعنى أن هناك شخصية تعمل على نسخة أصلية مما يسمى “كتاب الأمان” لماذا لجأت إلى هذه الحيلة الروائية؟
كانت لدى رغبة فى كشف “مطبخ” الكتابة، التراوح الدائم بين وجهات النظر المختلفة، أى شخصية أحق بتبنى رؤيتها والانحياز لها، كيف نصيغ الفكرة التى تراودنا، وكيف يمكن التضحية (ربما) بالقناعات استجابة لمطامعنا، من ناحية أخرى كانت تلك الحيلة مهمة فنياً لتجنب تقديس “كتاب الأمان” فى نسخته الأصلية، فقد سمح هذا بتعدد الرؤى حول الكتاب وصاحبه. 
> تنتقد القارئ الكسول، ومع ذلك تقدم له رواية تحتاج إلى مجهود صعب فى القراءة ألا تعتبر أنت ذاتك كاتبا كسولا؟
لا أعتبر نفسى كاتباً كسولاً، نعم لم أصدر سوى روايتين خلال ثمانى سنوات لكن لدى ثلاث مخطوطات أخرى، الفكرة فى أنى أتمهل كثيراً فى النشر، لن أدفع بعمل للناشر إلا عندما يوافق شروطى الخاصة فى الكتابة، إلا إذا قرأته فى مسودته النهائية ولم أجد أن هناك تعديلات ينبغى القيام بها. 

> فى ندوة بعنوان “أحفاد نجيب محفوظ” قدمت قراءة مختلفة عن صاحب نوبل ماذا عن ذلك؟
> لدى فرضية أختبر مدى صدقيتها، وهى أن نجيب محفوظ رغم موهبته اللافتة، وعظمة إنجازه، لم يكن مخلصاً بالكامل لشروط الفن، بمعنى أن محاكاة الواقع يمكنها إنتاج أعمال عظيمة، لكن هذا ليس كافياً لإنتاج فن عظيم.

> وما الذى ينتج فنا عظيما من وجهة نظرك؟
الأمر لا يتوقف على ابتكار شخصيات، وطرائق فى السرد، ولغة محكمة، هناك شيء أبعد من ذلك، يضعك أمام أسئلة مربكة، ليس مهماً لأى مجال تنتمى، لكن علاقتها ليست بالواقع المباشر، بقدر انتمائها إلى ما هو أعمق، إلى حيث يعود الوجود نفسه، وحيث يسكن الفن.

> هل أنت ضد استخدام الواقع فى الفن؟
لا... لكننى فقط ضد البقاء رهن شروطه، وهذا يجعل النص فى تقديرى سجين زمنه، وكلما اتسع الزمن بين القارئ وبينه فقد أهليته، فى ظنى أن محفوظ كان يلجأ للتوفيق بين عناصر لا يمكن لها الاجتماع، لا يمكن بالتأكيد إنكار مدى عبقريته، لكننى لا أعتقد أن هذا هو الفن، ميزة الفن أنه يسمح لك بأن تكفر بكل المثل المنصوص عليها، الفن له قيم ومبادئ مغايرة تماماً لما هو موجود فى الواقع الحي.

> ألم تعد تقرأ نجيب محفوظ؟
مازلت أقرأ محفوظ وأتعلم منه، أتعلم الابتعاد عنه وعن وصفته، أقرأ محفوظ لأتعلم الابتعاد عن لغته، أعود إليه لأتعلم أن الرواية عمل يلزمه الدقة والانضباط، لكن أيضاً أحاول ألا أستغرق تماماً فى هذا، حتى لا أنسى أن الفن لا قانون له.
مجلة "الأهرام العربي" 14 يناير 2014