الأحد، 27 أكتوبر 2013

عن المسافة المقدسة بين الأدب والسياسة

الأسواني مُروِّض الخيال
ياسر عبد الحافظ


 صورة 1: علاء الأسواني مع محمد مرسي يتصافحان بحرارة، نشوة النصر تحتل وجهيهما بالكامل، ومساحة ودّ ليس في الإمكان تجاهل مدلولها.
صورة 2: بعدها بعام وشهور قليلة. الأسواني في باريس، تحديداً في معهد العالم العربي للترويج لروايته "نادي السيارات"، أنصار مرسي يهاجمونه ويقاطعون حديثه ويحاولون الاعتداء عليه كما تناقلت وكالات الأنباء.

بين الصورتين مساحة من الالتباس والضجة يتمحور حولها كل ما يتعلق بـ"ظاهرة الأسواني"، تلك التي انطلقت ودوت في أعقاب "عمارة يعقوبيان"، وما زالت مستمرة وإن بتأثير أخف يعود في الأساس إلى عدم قدرة أعماله التالية على الوصول إلى المستوى نفسه.

لعل السؤال الأهم ليس قيمة الأدب الذي يقدمه الأسواني وموقعه بين الروايات العربية. هذه محاولة متعسفة ومكتوب عليها الفشل. ليس فقط لأن الحركة النقدية متعثرة، إنما لأن مجمل الإنتاج الروائي العربي لم يتم تصنيفه، والحقيقة أن العديد من محاولات تصنيف الإنتاج الأسواني كانت وراءها دوافع غير أدبية على الرغم من صدقية أحكام وصلت إليها. والمهتمون يعرفون ويتداولون همساً تفاصيل وأسباب المعركة لكنهم حين يكتبون ينأون بأنفسهم باللجوء إلى جاك دريدا، وميشال فوكو، والاقتباس من المنظّرين.

ما ينبغي التوقف عنده: المسافة (المقدسة) التي هدمها الأسواني عامداً، بين الأدب والسياسة، ليروج غالباً للبضاعة التي يقدمها في المجالين. الروائي صاحب المواقف السياسية التقدمية الثورية، والسياسي صاحب الروايات الأكثر توزيعاً، كل مجال منهما يخدم الآخر ويغذيه بمزيد من الدراما الساخنة للحفاظ على الموقع الذي يشغله صاحبه. قارعو طبول المعارك يصحبون الأسواني أينما ذهب. يدقونها بصخب، وهو مستعد ومتأهب. لديه قضية واضحة وهدف محدد كنبيٍّ يمدّه إيمانه بالطاقة اللازمة، "وما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يخلعها". ودوماً، لحروب الأسواني عنوان عام، بريقه يخرس المشككين: الوطن، الفقراء، الديموقراطية، الحرية. وغيرها من شعارات رنانة دأبنا على سماعها من جيل الستينيات (مع ضرورة التأكيد هنا على منجز هذا الجيل في الفن والنقد)، وأفقدها الافتراق بين القول والفعل معناها، حتى عافتها النفس وأصبحت جالبةً للسخرية، ولم تسترد قيمتها إلا في 25 يناير.

يعيد الأسواني نموذج المثقف الستيني في زي مغاير، ومحاذراً السقوط في خطايا بعض أفراد ذلك الجيل المؤثرة للحد الذي وصمت به الجيل كله بالتبعية للدولة. الأسواني: المثقف الملتحم بقضايا وطنه، المدافع عن المبادئ الأساسية بلا مهادنة، سانده إجماع عارم على رفض النظام وما يمثله، وإيمان عميق، حتى عند بعض المحسوبين على ذلك النظام، بأنه آيل للسقوط لا محالة. المشكلة الحقيقية تبدت بعد سقوط ذاك النظام، انفتحت الحياة السياسية فجأة على مصراعيها، وبدلاً من الرأي الواحد هناك مئة، والاختيار بينها صعب للغاية. انقسم البلد إلى قسمين، فلول وثوار، ثم انقسم كل فريق مرات عدة، ليصبح هناك فلوليّ لا يمكن التعامل معه، وآخر يمكن قبول توبته، ثوريّ لا يقبل التنازلات وآخر يضيف العقلانية إلى موقفه.

ووسط مناخ من الحيرة والتردد، كانت مواقف الأسواني حادة ومندفعة، معاداة الفريق أحمد شفيق، الانتصار للإخوان ومحمد مرسي، الاصطفاف ضد المجلس العسكري وحكم العسكر، ثم الانقلاب على الإخوان (بعد الاكتشاف الفجائي بأنهم عصابة) وتأييد الجيش حفاظاً على الوطن.. مؤكد أن الإخوان جزء من تيار الإسلام السياسي الذي لا يعرف منطق المشاركة في الحكم أو الحوار، وما حدث في معهد العالم العربي مع الأسواني ليس إلا نموذج بسيط لاستبدادهم. لكن السؤال هنا ليس عن الإخوان، وإنما عن الأسواني المثقف والأديب ومواقفه السياسية القاطعة بلا تردد أو مراجعة نقدية، وتأثيرها في أدبه.      

من الظلم القول بأن الأسواني حوّل مقالاته السياسية إلى روايات. إنما المؤكد أن قناعاته انتقلت بلا سيطرة منه إلى كتاباته الأدبية، "يعقوبيان" أولاً، "شيكاغو"، و"نادي السيارات" مؤخراً..

لا اختلاف بين العالمين.. السياسة والأدب، سوى في طرائق الحكي. ليس هناك من أسباب تجعلك تغادر واقعك وتسرح مع الشخصيات والأحداث. المؤلّف موجود بكامل قناعاته وأفكاره، يطغى على الرواية بالكامل. علاء الأسواني يتحدث إليكم. ربما لهذا كان حظ يعقوبيان وافراً، لأن شخصياتها كانت لها من الأصالة ما نافس ذلك الظل الثقيل للأسواني على العمل، أما في "شيكاغو" و"نادي السيارات" فقد انمحت الشخصيات تقريباً أمام الأفكار التي تعبر عنها.

أعمال الأسواني الروائية تعرض لواقع المجتمع المصري، تحولات هذا المجتمع وتحولات الشخصيات معها، المظالم والفساد والانهيار الأخلاقي، التطرف وأسبابه، تنامي سيطرة الدولة الأمنية.. ملفات لها صلة مباشرة بمقالاته السياسية. هنا الواقع، لا فرار منه، يحكمنا فتنمحي أمامه خرافات الإرادة الإنسانية، واقع مجرد من التفنين. لا يبذل الأسواني مجهوداً كبيراً في ذلك الاتجاه، اللّهم إلا الاعتماد على التشويق كحيلة فنية لربط القارئ بكتابه، وهي مسألة يحكمها الوعي قبل أي شئ آخر. المدرّبون على القراءة لا يلهثون وراء الفصول لمعرفة مصائر الشخصيات لكنهم يتمهلون أمام أشياء أخرى.

روايات تمحو أسطورة الفن لصالح السياسي اليومي، مع محاولات جاهدة من قبل مبشرين لتسييد وترويج هذا النوع الأدبي على أنه الأفضل، لأن مجتمعاتنا في حاجة إليه، لأن للأدب وظيفة اجتماعية. محاولات لا تعي أن جوهر ما تقوم به إلحاق الأدب بالسياسة فرعاً لها وإن بلغة أرقى قليلاً. على هذا، تجد أن من يتحدثون عن روايات الأسواني تجري على ألسنتهم وفي كتاباتهم ألفاظ من نوعية: "يكتشف"، و"يقتحم"، و"يفضح"، "المسكوت عنه"، "رصد الصراع بين الطبقات".. وقليلاً ما يكون الكلام عن التقنيات واللغة والخيال كعناصر أساسية.

بالطبع، السجل الروائي العالمي مليء بأعمال وكتّاب حاكموا الواقع إنما بالمنطق الفني، أخضعوا عناصره إلى خيالهم ومقياسهم بحيث لا تعود متأكداً ما الواقع وما الخيال في ما تقرأ. لكن الأسواني لا يدع أمام القارئ مساحة شك ما، لا يترك لخياله فرصة أن يعمل بعيداً ممّا يريده. في روايات الأسواني، يمكن الخروج بنتائج محددة ويقينية تكاد تكون على المقياس الأخلاقي العام. تستطيع الانتهاء من العمل وقد ارتحتَ واطمأنت نفسك إلى أنك على الطريق الصحيح، فأنت لست من أولئك الأشرار.

إنما من العدل أيضاً القول بأنه ليس هناك مفهوم واحد ثابت للأدب والفن. ولو استقرت البشرية على تعريف، ساعتها يختفي الفن. على هذا، ليس لأحد القول بأن هذا الأدب رفيع وذاك متدنٍّ. أنت حر تماماً في اعتبار ما تقرأه وما تشاهده فناً أم لا. المسألة فقط وما فيها.. أننا لا نقرأ لمجرد المتعة السريعة، إنما ليتغير شيء ما في وعينا. ليس لنتطور إلى الأفضل، ولا لتتحسن شروط حياتنا. الفن لا يضمن هذا ولا يعد به من الأساس. لكن في مقدوره جرّنا من حالة الثبات والموات، هزّ القناعات لتجريب الحياة والتفكير فيها بصورة مختلفة. وعلى هذا يبقى السؤال: ما أهمية أن تقرأ ما تعرفه تماماً؟!
"المدن" الاربعاء 23/10/2013

السبت، 26 أكتوبر 2013

"كتاب الأمان" كما رآها بلال رمضان


"كتاب الأمان" أم رواية التمرد والسؤال؟





"هل تحب الاطلاع على نهايتك.. ثم ترتب حياتك وفقها؟" 

إنه السؤال قد نسميه حداد أقدارنا. وإن كنت معنيًا به ولديك القدرة على الإجابة بـ"نعم" أو "لا" فعليك أن تعىِّ جيدًا أن "كل معركة ولها أسلحتها، وإذا تراجعت عن استخدام أحدها تحت مبررٍ أخلاقى ما، فهذا يعود لك، لكن لا تنتظر تكريمًا عند هزيمتك؛ لأنك كنت شريفًا".

بداية من الصفحات الأولى، يتمكن "ياسر عبد الحافظ" ببساطة شديدة جدًا من أن يأسر لب القارئ، ويجعله متورطًا فى أحداث روايته "كتاب الأمان"؛ حيث يتصور القارئ فى البداية أن روايته ما هى إلا رواية عن النسخة الأصلية لـ"كتاب الأمان" لمؤلف يدعى "مصطفى إسماعيل" سيجد أن هناك العديد من الاقتباسات من هذه النسخة الأصلية، ولربما يتبادر إلى ذهنه أن يلجأ لمواقع البحث الإلكترونية ليعرف شيئًا عن هذا الكتاب الذى يتشابه اسم مؤلفه مع المقرئ "مصطفى إسماعيل" فتصدمه المواقع بأنها رواية لـ"ياسر عبد الحافظ" صدرت عن دار التنوير بالقاهرة، فيقرر الولوج إلى عالم "قصر الاعترافات" بمعاونة مدون التحقيقات "خالد مأمون".

إن البداية التى ينطلق منها "خالد مأمون" هى رفضه لسجنه فى "قصر الاعترافات" مقيدًا إلى كرسيه الخشبى أمام خشبة مسرح لا تنزل ستائره، يأتى الممثلون واحدًا بعد الآخر، يدلى باعترافاته، ويتماهى هو مع القصص التى تروى أمامه حتى يشعر وكأنه مشبع بذكريات لا تخصه، لا ذنب له فيها إلا أنه كاتب اعترافات. فيقرر هو الآخر أن يعترف، وأن يروى للعالم عما يدور داخل هذا القصر الذى تحطيه الأجواء الأمنية، ويحالفه الحظ بأن يكون هو مدون التحقيقات التابع لـ"نبيل العدل" فى قضية "مصطفى إسماعيل"، هذا الرجل الذى لم يخف "العدل" دهشته، حيث لم يجد فى أوراقه ما يبرر ذلك التحول العنيف فى شخصيته، فلماذا يضحى أستاذ جامعى بما لديه وينتقل إلى الجريمة، والأهم: كيف ومتى اكتسب تلك الخبرات التى حولته إلى أسطورة؟ فالمال ليس السبب الرئيسى، ولديه منه ما يكفيه، ومؤهلاته وقدراته تسمح له بجنى المزيد عبر طرق لم تكن لتؤدى به إلى هذا المصير، وفى كل حال لا يبدو متيمًا بالمال، فما الذى جعله يغامر بكل ما حققه؟

"من قال إنه لابدَّ من وجود قوانين لنلتزم بأن يكون لنا مبادئ؟"

إنها رواية بحثٍ مضنٍ ودءوب، وكما أن الحقيقة تكمن فى صعوبة اكتشفها، والوصول إليها، والتسليم بها، فإن هذه الرواية لا تسلم نفسها للقارئ بسهولة، تراوده عن نفسه، ولن يهديه "كتاب الأمان" إلى ما يظن من عنوانها، فقط سيشعر أن ثمة فيروس قد سمح هو له بالتعايش داخل رأسه، سيدفعه كثيرًا للتساؤل عما آمن به من قبل وما يؤمن به اليوم، وما سوف يعتنقه فى الغد؟ وبحثًا عن الحقيقة سيظل مُسيّرًا بقوة السؤال للوصول إليها، رافضًا أن يكون واحدًا من المثقفين "الذين حفظوا بغباء أنه لا توجد حقائق مطلقة أو نهائية، يريحون أنفسهم بهذا حتى لا يجتهدون فى تقديم إجابات. وما قيمتهم إن تفرغوا لطرح مزيدٍ من الأسئلة على عالم مبنى فى الأصل عليها؟". وهذا ما يقوله "ياسر عبد الحافظ" أو "خالد مأمون".

"الفلسفة الحقّة تقودك لخرق القوانين"

حكمةٌ من بين العديد فى هذه الرواية أتصور أنها قد تعد أحد المداخل لقراءتها والولوج فى عوالمها الموازية لـ"السؤال" الذى يشغل جميع شخصياتها بحثًا عن الأمان، ولا تتصور أنه الأمان بمفهومه التقليدى، الذى يبحث عنه هؤلاء الكسالى الباحثين عن العيش بسلام والموت فى سكينة، بل الأمان الإنسانى من سؤال الهم الوجودى، وما يسببه من صراع فكرى قد يودى بحياتك إلى مصحة نفسية لو كنت سعيد الحظ.

ولأنها رواية غير تقليدية، فلا أعتقد أنه من المهم أن نلتفت لعنصر الزمن فى الرواية، إلا عند بعض الشخصيات الفارقة فيها، ولكن الأهم أن شخصيات سيظلون على قيد الحياة مع القارئ وهو يبحث عن أمانهم فيجد أنه واحدًا منهم، لديه هو الآخر "كتاب أمان" يريد أن يكتبه باعترافاته مثل كافة شخوصها التى يدون اعترافاتها "خالد مأمون". 

إن أفضل وسيلة لكى يشعر القارئ بالتورط فى رواية ما، ليس عالمها، بقدر ماهية لغتها المختلفة عن العذوبة أو المشهدية التى تعمل على جذبه إليها ليستمر فى قراءتها حتى النهاية فيكتشف أن فكرتها ليست بالفذة أو الغرائبية التى لم يقرأ لها مثيل. لغتها التى لا تسلم نفسها للقارئ العادى بسهولة. هذا ما فعله "ياسر عبد الحافظ" بروايته "كتاب الأمان" فهى رواية تتمرد على الأنماط التقليدية، ولا تترك القارئ بعد أن ينتهى من قراءتها أكثر من مرة، ينتمى مؤلفها لهذا الجيل الرافض للمسلمات والبديهيات فكريًا وإبداعيًا.

بلال رمضان.. "اليوم السابع" الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013 


           

"كتاب الأمان" كما رأتها شيرين أبو النجا

ياسر عبدالحافظ يتماهى في صورة ابن المقفع


بماذا كان يفكر ياسر عبدالحافظ عند اختياره عنوان روايته الثانية «كتاب الأمان» (دار التنوير، 2013)؟ هل طالعه كتاب ابن المقفع الذي يحمل العنوان نفسه، وكان ميثاقاً بين المنصور وعمه؟ ربما نعم، وربما لا. لكنّ الأمر لا يمنع أن تلوح استنتاجات ما كتبه ابن المقفع - في شكل مجازي - في خلفية قراءة رواية «كتاب الأمان». فقد كان سفيان بن معاوية يبيّت لابن المقفع الحقد، فطلبه، ولما حضر قيّده وأخذ يقطعه عضواً تلو الآخر ويرمي به في التنور ويكرهه على أكل جسده مشوياً حتى مات، وبالطبع لم يلتزم المنصور بالعهد الذي حمله كتاب الأمان. الحق أن الأمر ليس بهذه السهولة، والرواية فيها من التعقيد والجدل الفلسفي الذي يكشف عن طبقات متعددة في الدلالة، ما لا يسمح بممارسة الإحالة النقدية على أي عمل.
لا تسمح رواية عبدالحافظ إلا بالاستعانة النقدية ببعض الإشارات التي لا بد من أن يقر صاحبها (القارئ/ الناقد) أنها إشارات غير مكتملة المدلول. تُشكل الرواية عالماً - ولو صغيراً - متماسكاً في شكل لا يعرض أي ثغرة للنفاذ إلى القراءات النقدية المعهودة، فلا يمكن فصل مسار شخصية عن أخرى، حتى لو بدا أن مصطفى إسماعيل قادر على تغيير مزاج المحقق نبيل العدل وتغيير حياة خالد المأمون.
يبدو التحدي هو سمة النص، بما في ذلك التحدي الذي يطرحه السؤال الاستهلالي: «هل تحب الاطلاع على نهايتك، ثم ترتب حياتك وفقها؟». أما من الذي قام بصياغة هذا السؤال فهو ما لا يمكن تحديده. فالأصل في الموضوع أنّ ياسر عبدالحافظ يكتب رواية عن خالد المأمون - الذي يعمل مدوناً ومحللاً في جهة سيادية غير معلومة - فيستمع الى اعترافات الرائح والغادي بما في ذلك اعترافات أشهر لص (في الأصل أستاذ جامعي) مصطفى إسماعيل. لكنّ الرواية تدور إذاً عن خالد المأمون الذي يكتب عن مصطفى إسماعيل رواية في عنوان «كتاب الأمان».
تتداخل الأصوات - من دون أن يشعر القارئ - ويصبح من الصعب تمييز مالك زمام السرد، لا سيما أن كل فصل يتم استهلاله بجزء من اعترافات مصطفى إسماعيل. هكذا، يتشابك الأمر بين رؤى عدة تفجرت بفعل أفكار أو اعترافات لص شهير، فينتقل السرد بسلاسة بين صحراء مدينة نصر حيث تقع هذه الجهة السيادية، ومصر الجديدة بكل اكتفائها بذاتها، والطبقية المستشرية فيها عبر رؤية نبيل العدل، وشبرا بكل تهكمها الضمني من مصر الجديدة عبر مقهى المجانين، بخاصة فخري، أشهر لاعب شطرنج نجح في منازلة الملك فاروق عام 1952.
البنية الروائية والشكل يتحولان إلى جزء رئيس من المضمون، وعبر تضفير كل عناصر التخييل والسرد والبناء تكتسب الرواية دلالات عدة، بتداخل شخوصها وأماكنهم، وبتقاطع المسارات، المصحوبة بعين الفرجة والتدوين من خالد مأمون. تلك العين التي تستدعي نبرتها قصيدة «أغنية بروفروك» للشاعر الشهير إليوت، إذ يؤكد المأمون أن «ما نظنه عن أنفسنا لا يتحقق دوماً في الواقع». ربما أكثر ما يتشابه فيه المأمون مع بروفروك هو النأي بالنفس عن التورط، ما يجعله ثابتاً بين مقامين، الخير والشر، شبرا ومصر الجديدة، هدى وحسناء، الطبعة الأصلية لكتاب الأمان والنسخة المنقحة. لكنّ تيار السرد يجرف خالد في النهاية من معسكر البراءة إلى معسكر الخبرة.
لا يتنقل السرد بين الأماكن من دون أن يحكي تاريخها عبر نبيل العدل وهيامه بمصر الجديدة، وعبر ديميتري صاحب مكتبة «سافو» في شبرا. وفي ما بينهما يتماهى خالد المأمون مع القصص أو بالأحرى الاعترافات حتى تتوه حكايته الخاصة، فيسعى إلى كتابتها عبر نشر كتاب الأمان الذي يقدم فيه مصطفي إسماعيل بصفته بطلاً تراجيدياً أخفق في بعض المواضع. إلّا أنّ صورته عن ذاته لا تطابق قصة المأمون عنه، فهو يسير على مبدأ لا يقوى عليه أحد: «كل معركة ولها أسلحتها، وإذا تراجعت عن استخدام أحدها تحت مبرر أخلاقي ما، فهذا يعود لك، ولكن لا تنتظر تكريماً عند هزيمتك، لأنك كنت شريفاً»...
من الذي يمارس هذه القناعة؟ ربما هذا ما جعل مصطفى إسماعيل على ما هو عليه، تلك القوة التي جذبت خالد المأمون حتى تماهى فيها تماماً، على رغم بحثه عن تاريخه الخاص.
ينجح ياسر عبدالحافظ من خلال اعترافات مصطفى إسماعيل - التي تُعيد صياغة وعي خالد المأمون وتضع نبيل العدل في مواجهة ذاته وتكشف عن الكثير من الشخصيات - في مواجهة مجتمع كامل بحقيقته، وإن كان فعل ذلك بهدوء كامل ومن دون ضجيج روائي.
إنه يفضح الزيف البورجوازي والادعاء الطبقي والفجوة بين صورة الذات عن نفسها وصورتها لدى الآخر، ويدين فكرة عدم التورط (المنتشرة في مجتمعاتنا كثيراً)، إضافة إلى إعادة مناقشة مسألة الخير والشر. لكنّ البراعة تركزت في الفرصة أو المساحة التي حصل عليها الكاتب/ خالد ليعبر عن رأيه في الكتابة (متى تكون كتابة وكيف تكون؟)، فجاءت الكتابة عن الكتابة بمثابة شهادة متداخلة مع «كتاب الأمان». وفي اقترانها بشخصية الناشر أنور الورقي (وتصوره عن ذاته) لم يدخر عبدالحافظ جهداً في إعلان رأيه كاملاً في مشهد ثقافي يشبه الثقافة. وإذا كانت حسناء ابنة مصطفى إسماعيل قد تخلصت من كل الكتب وأبقت فقط المقاطع الروائية التي تستحق الخلود من وجهة نظرها، فثمة بالمقابل مقاطع عدة من رواية «كتاب الأمان» تستحق أن يتم الاحتفاظ بها لأنها تعبر عن الأمر كما هو ومن دون مواربة. إنها خلاصة الأمر حتى وإن تغلفت بمنطق راسبوتين أحياناً كسؤاله (وهو جزء من اعترافات مصطفى إسماعيل): «هل خروجنا على القانون يعني أن لدينا ديناً ما تجاه المجتمع علينا تسديده؟ ولماذا لا يسدد النظام دينه تجاه المجتمع هو الآخر؟ لماذا لا يحاسبه أحد ويحاسبنا هو؟»... وعلى هذا المنطق بنى مصطفى إسماعيل - الذي كفر بالجامعة - منطق السرقة الذي لم يكن يسرق، بل يكشف حقيقة البشر ويضعها في لحظة مواجهة تقترب من الجحيم، فقط ليساعدهم على الوصول إلى النعيم. إنه الكشف الذي يُحوله عبدالحافظ إلى أداة سحق للزيف المجتمعي، وهو الوسيلة التي يستخدمها مصطفى إسماعيل من أجل «فضح الزيف الذي نعيش مسجونين فيه»، لكنّه فضح بقفازات من الحرير.
كان لا بد لرحلة المأمون مع الاعترافات (وقد تماهى معها، ثم ترك عمله بسببها في شكل أو آخر، ثم أعاد النظر فيها بعد مناقشة جدلية مع صديقه لطفي حول إمكان تحويل اللص إلى ثائر، ثم نقح الطبعة الثانية من الكتاب أملاً في توطيد علاقته بحسناء ابنة مصطفى إسماعيل) أن تدفع خالد المأمون إلى التورط في الحياة في شكل ما. وكان تورطه هو معرفة ذاته عن حق، الذات التي عرفت نفسها عبر اعترافات مصطفى إسماعيل، فهمت حجمها، واعترفت بضآلتها، فقنعت وكتبت واعترفت في شكل مغاير - هكذا، يجيء الانتقال من البراءة إلى الخبرة.
مع هذا التورط الذي تشوبه الهزيمة، تتساقط بقية الشخصيات، ينهزم فخري في لعبة الشطرنج ويهيم على وجهه في الشوارع، يفقد مقهى المجانين اكتفاءه بذاته ويتعرض لغزو أجيال جديدة، ويدرك مصطفى إسماعيل أن «السقوط حتمي وقد اقترب موعده».
يأبى الكاتب أن ينهي النص من دون أن يدفع القارئ إلى بذل مزيد من الجهد (لم يكفه ما بذله القارئ من جهد منذ الصفحة الأولى)، فيرسم مشهد «باختيني» كرنفالي يُصر فيه لطفي (الذي خرج من المعتقل مشلولاً بفعل التعذيب) على دخول السينما لمشاهدة النجم الهندي أميتاب باتشان، فتحمله الجماهير على الأعناق. يتحــول لطفي إلى بطل في مشهد مثير للشفقة السياسية (تبرع دائماً سحر خليفة في رسم مثل هذه المشاهد)، ومعبر عن لا وعي جماعي سينفجر قريباً ليعبر عن نفسه في جموع مغايرة. أهذا هو مصير ابن المقفع؟ أم إن الكتاب منح خالد المأمون الأمان في المواجهة والتورط؟ لكنّ السؤال الأهم هو هل اطلع خالد على نهايته فرتب حياته وفقها أم العكس؟ رواية تؤكد أن «الحياة الإنسانية مجموعة من القواعد المبتذلة التي لن تتغير».
شيرين أبو النجا
"الحياة" السبت ٢٦ أكتوبر ٢٠١٣