الأسواني مُروِّض الخيال
ياسر عبد الحافظ
صورة 1: علاء الأسواني مع محمد مرسي يتصافحان بحرارة، نشوة النصر تحتل وجهيهما بالكامل، ومساحة ودّ ليس في الإمكان تجاهل مدلولها.
صورة 2: بعدها بعام وشهور قليلة. الأسواني في باريس، تحديداً في معهد العالم العربي للترويج لروايته "نادي السيارات"، أنصار مرسي يهاجمونه ويقاطعون حديثه ويحاولون الاعتداء عليه كما تناقلت وكالات الأنباء.
بين الصورتين مساحة من الالتباس والضجة يتمحور حولها كل ما يتعلق بـ"ظاهرة الأسواني"، تلك التي انطلقت ودوت في أعقاب "عمارة يعقوبيان"، وما زالت مستمرة وإن بتأثير أخف يعود في الأساس إلى عدم قدرة أعماله التالية على الوصول إلى المستوى نفسه.
لعل السؤال الأهم ليس قيمة الأدب الذي يقدمه الأسواني وموقعه بين الروايات العربية. هذه محاولة متعسفة ومكتوب عليها الفشل. ليس فقط لأن الحركة النقدية متعثرة، إنما لأن مجمل الإنتاج الروائي العربي لم يتم تصنيفه، والحقيقة أن العديد من محاولات تصنيف الإنتاج الأسواني كانت وراءها دوافع غير أدبية على الرغم من صدقية أحكام وصلت إليها. والمهتمون يعرفون ويتداولون همساً تفاصيل وأسباب المعركة لكنهم حين يكتبون ينأون بأنفسهم باللجوء إلى جاك دريدا، وميشال فوكو، والاقتباس من المنظّرين.
ما ينبغي التوقف عنده: المسافة (المقدسة) التي هدمها الأسواني عامداً، بين الأدب والسياسة، ليروج غالباً للبضاعة التي يقدمها في المجالين. الروائي صاحب المواقف السياسية التقدمية الثورية، والسياسي صاحب الروايات الأكثر توزيعاً، كل مجال منهما يخدم الآخر ويغذيه بمزيد من الدراما الساخنة للحفاظ على الموقع الذي يشغله صاحبه. قارعو طبول المعارك يصحبون الأسواني أينما ذهب. يدقونها بصخب، وهو مستعد ومتأهب. لديه قضية واضحة وهدف محدد كنبيٍّ يمدّه إيمانه بالطاقة اللازمة، "وما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يخلعها". ودوماً، لحروب الأسواني عنوان عام، بريقه يخرس المشككين: الوطن، الفقراء، الديموقراطية، الحرية. وغيرها من شعارات رنانة دأبنا على سماعها من جيل الستينيات (مع ضرورة التأكيد هنا على منجز هذا الجيل في الفن والنقد)، وأفقدها الافتراق بين القول والفعل معناها، حتى عافتها النفس وأصبحت جالبةً للسخرية، ولم تسترد قيمتها إلا في 25 يناير.
يعيد الأسواني نموذج المثقف الستيني في زي مغاير، ومحاذراً السقوط في خطايا بعض أفراد ذلك الجيل المؤثرة للحد الذي وصمت به الجيل كله بالتبعية للدولة. الأسواني: المثقف الملتحم بقضايا وطنه، المدافع عن المبادئ الأساسية بلا مهادنة، سانده إجماع عارم على رفض النظام وما يمثله، وإيمان عميق، حتى عند بعض المحسوبين على ذلك النظام، بأنه آيل للسقوط لا محالة. المشكلة الحقيقية تبدت بعد سقوط ذاك النظام، انفتحت الحياة السياسية فجأة على مصراعيها، وبدلاً من الرأي الواحد هناك مئة، والاختيار بينها صعب للغاية. انقسم البلد إلى قسمين، فلول وثوار، ثم انقسم كل فريق مرات عدة، ليصبح هناك فلوليّ لا يمكن التعامل معه، وآخر يمكن قبول توبته، ثوريّ لا يقبل التنازلات وآخر يضيف العقلانية إلى موقفه.
ووسط مناخ من الحيرة والتردد، كانت مواقف الأسواني حادة ومندفعة، معاداة الفريق أحمد شفيق، الانتصار للإخوان ومحمد مرسي، الاصطفاف ضد المجلس العسكري وحكم العسكر، ثم الانقلاب على الإخوان (بعد الاكتشاف الفجائي بأنهم عصابة) وتأييد الجيش حفاظاً على الوطن.. مؤكد أن الإخوان جزء من تيار الإسلام السياسي الذي لا يعرف منطق المشاركة في الحكم أو الحوار، وما حدث في معهد العالم العربي مع الأسواني ليس إلا نموذج بسيط لاستبدادهم. لكن السؤال هنا ليس عن الإخوان، وإنما عن الأسواني المثقف والأديب ومواقفه السياسية القاطعة بلا تردد أو مراجعة نقدية، وتأثيرها في أدبه.
من الظلم القول بأن الأسواني حوّل مقالاته السياسية إلى روايات. إنما المؤكد أن قناعاته انتقلت بلا سيطرة منه إلى كتاباته الأدبية، "يعقوبيان" أولاً، "شيكاغو"، و"نادي السيارات" مؤخراً..
لا اختلاف بين العالمين.. السياسة والأدب، سوى في طرائق الحكي. ليس هناك من أسباب تجعلك تغادر واقعك وتسرح مع الشخصيات والأحداث. المؤلّف موجود بكامل قناعاته وأفكاره، يطغى على الرواية بالكامل. علاء الأسواني يتحدث إليكم. ربما لهذا كان حظ يعقوبيان وافراً، لأن شخصياتها كانت لها من الأصالة ما نافس ذلك الظل الثقيل للأسواني على العمل، أما في "شيكاغو" و"نادي السيارات" فقد انمحت الشخصيات تقريباً أمام الأفكار التي تعبر عنها.
أعمال الأسواني الروائية تعرض لواقع المجتمع المصري، تحولات هذا المجتمع وتحولات الشخصيات معها، المظالم والفساد والانهيار الأخلاقي، التطرف وأسبابه، تنامي سيطرة الدولة الأمنية.. ملفات لها صلة مباشرة بمقالاته السياسية. هنا الواقع، لا فرار منه، يحكمنا فتنمحي أمامه خرافات الإرادة الإنسانية، واقع مجرد من التفنين. لا يبذل الأسواني مجهوداً كبيراً في ذلك الاتجاه، اللّهم إلا الاعتماد على التشويق كحيلة فنية لربط القارئ بكتابه، وهي مسألة يحكمها الوعي قبل أي شئ آخر. المدرّبون على القراءة لا يلهثون وراء الفصول لمعرفة مصائر الشخصيات لكنهم يتمهلون أمام أشياء أخرى.
روايات تمحو أسطورة الفن لصالح السياسي اليومي، مع محاولات جاهدة من قبل مبشرين لتسييد وترويج هذا النوع الأدبي على أنه الأفضل، لأن مجتمعاتنا في حاجة إليه، لأن للأدب وظيفة اجتماعية. محاولات لا تعي أن جوهر ما تقوم به إلحاق الأدب بالسياسة فرعاً لها وإن بلغة أرقى قليلاً. على هذا، تجد أن من يتحدثون عن روايات الأسواني تجري على ألسنتهم وفي كتاباتهم ألفاظ من نوعية: "يكتشف"، و"يقتحم"، و"يفضح"، "المسكوت عنه"، "رصد الصراع بين الطبقات".. وقليلاً ما يكون الكلام عن التقنيات واللغة والخيال كعناصر أساسية.
بالطبع، السجل الروائي العالمي مليء بأعمال وكتّاب حاكموا الواقع إنما بالمنطق الفني، أخضعوا عناصره إلى خيالهم ومقياسهم بحيث لا تعود متأكداً ما الواقع وما الخيال في ما تقرأ. لكن الأسواني لا يدع أمام القارئ مساحة شك ما، لا يترك لخياله فرصة أن يعمل بعيداً ممّا يريده. في روايات الأسواني، يمكن الخروج بنتائج محددة ويقينية تكاد تكون على المقياس الأخلاقي العام. تستطيع الانتهاء من العمل وقد ارتحتَ واطمأنت نفسك إلى أنك على الطريق الصحيح، فأنت لست من أولئك الأشرار.
إنما من العدل أيضاً القول بأنه ليس هناك مفهوم واحد ثابت للأدب والفن. ولو استقرت البشرية على تعريف، ساعتها يختفي الفن. على هذا، ليس لأحد القول بأن هذا الأدب رفيع وذاك متدنٍّ. أنت حر تماماً في اعتبار ما تقرأه وما تشاهده فناً أم لا. المسألة فقط وما فيها.. أننا لا نقرأ لمجرد المتعة السريعة، إنما ليتغير شيء ما في وعينا. ليس لنتطور إلى الأفضل، ولا لتتحسن شروط حياتنا. الفن لا يضمن هذا ولا يعد به من الأساس. لكن في مقدوره جرّنا من حالة الثبات والموات، هزّ القناعات لتجريب الحياة والتفكير فيها بصورة مختلفة. وعلى هذا يبقى السؤال: ما أهمية أن تقرأ ما تعرفه تماماً؟!
"المدن" الاربعاء 23/10/2013
ياسر عبد الحافظ
صورة 1: علاء الأسواني مع محمد مرسي يتصافحان بحرارة، نشوة النصر تحتل وجهيهما بالكامل، ومساحة ودّ ليس في الإمكان تجاهل مدلولها.
صورة 2: بعدها بعام وشهور قليلة. الأسواني في باريس، تحديداً في معهد العالم العربي للترويج لروايته "نادي السيارات"، أنصار مرسي يهاجمونه ويقاطعون حديثه ويحاولون الاعتداء عليه كما تناقلت وكالات الأنباء.
بين الصورتين مساحة من الالتباس والضجة يتمحور حولها كل ما يتعلق بـ"ظاهرة الأسواني"، تلك التي انطلقت ودوت في أعقاب "عمارة يعقوبيان"، وما زالت مستمرة وإن بتأثير أخف يعود في الأساس إلى عدم قدرة أعماله التالية على الوصول إلى المستوى نفسه.
لعل السؤال الأهم ليس قيمة الأدب الذي يقدمه الأسواني وموقعه بين الروايات العربية. هذه محاولة متعسفة ومكتوب عليها الفشل. ليس فقط لأن الحركة النقدية متعثرة، إنما لأن مجمل الإنتاج الروائي العربي لم يتم تصنيفه، والحقيقة أن العديد من محاولات تصنيف الإنتاج الأسواني كانت وراءها دوافع غير أدبية على الرغم من صدقية أحكام وصلت إليها. والمهتمون يعرفون ويتداولون همساً تفاصيل وأسباب المعركة لكنهم حين يكتبون ينأون بأنفسهم باللجوء إلى جاك دريدا، وميشال فوكو، والاقتباس من المنظّرين.
ما ينبغي التوقف عنده: المسافة (المقدسة) التي هدمها الأسواني عامداً، بين الأدب والسياسة، ليروج غالباً للبضاعة التي يقدمها في المجالين. الروائي صاحب المواقف السياسية التقدمية الثورية، والسياسي صاحب الروايات الأكثر توزيعاً، كل مجال منهما يخدم الآخر ويغذيه بمزيد من الدراما الساخنة للحفاظ على الموقع الذي يشغله صاحبه. قارعو طبول المعارك يصحبون الأسواني أينما ذهب. يدقونها بصخب، وهو مستعد ومتأهب. لديه قضية واضحة وهدف محدد كنبيٍّ يمدّه إيمانه بالطاقة اللازمة، "وما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يخلعها". ودوماً، لحروب الأسواني عنوان عام، بريقه يخرس المشككين: الوطن، الفقراء، الديموقراطية، الحرية. وغيرها من شعارات رنانة دأبنا على سماعها من جيل الستينيات (مع ضرورة التأكيد هنا على منجز هذا الجيل في الفن والنقد)، وأفقدها الافتراق بين القول والفعل معناها، حتى عافتها النفس وأصبحت جالبةً للسخرية، ولم تسترد قيمتها إلا في 25 يناير.
يعيد الأسواني نموذج المثقف الستيني في زي مغاير، ومحاذراً السقوط في خطايا بعض أفراد ذلك الجيل المؤثرة للحد الذي وصمت به الجيل كله بالتبعية للدولة. الأسواني: المثقف الملتحم بقضايا وطنه، المدافع عن المبادئ الأساسية بلا مهادنة، سانده إجماع عارم على رفض النظام وما يمثله، وإيمان عميق، حتى عند بعض المحسوبين على ذلك النظام، بأنه آيل للسقوط لا محالة. المشكلة الحقيقية تبدت بعد سقوط ذاك النظام، انفتحت الحياة السياسية فجأة على مصراعيها، وبدلاً من الرأي الواحد هناك مئة، والاختيار بينها صعب للغاية. انقسم البلد إلى قسمين، فلول وثوار، ثم انقسم كل فريق مرات عدة، ليصبح هناك فلوليّ لا يمكن التعامل معه، وآخر يمكن قبول توبته، ثوريّ لا يقبل التنازلات وآخر يضيف العقلانية إلى موقفه.
ووسط مناخ من الحيرة والتردد، كانت مواقف الأسواني حادة ومندفعة، معاداة الفريق أحمد شفيق، الانتصار للإخوان ومحمد مرسي، الاصطفاف ضد المجلس العسكري وحكم العسكر، ثم الانقلاب على الإخوان (بعد الاكتشاف الفجائي بأنهم عصابة) وتأييد الجيش حفاظاً على الوطن.. مؤكد أن الإخوان جزء من تيار الإسلام السياسي الذي لا يعرف منطق المشاركة في الحكم أو الحوار، وما حدث في معهد العالم العربي مع الأسواني ليس إلا نموذج بسيط لاستبدادهم. لكن السؤال هنا ليس عن الإخوان، وإنما عن الأسواني المثقف والأديب ومواقفه السياسية القاطعة بلا تردد أو مراجعة نقدية، وتأثيرها في أدبه.
من الظلم القول بأن الأسواني حوّل مقالاته السياسية إلى روايات. إنما المؤكد أن قناعاته انتقلت بلا سيطرة منه إلى كتاباته الأدبية، "يعقوبيان" أولاً، "شيكاغو"، و"نادي السيارات" مؤخراً..
لا اختلاف بين العالمين.. السياسة والأدب، سوى في طرائق الحكي. ليس هناك من أسباب تجعلك تغادر واقعك وتسرح مع الشخصيات والأحداث. المؤلّف موجود بكامل قناعاته وأفكاره، يطغى على الرواية بالكامل. علاء الأسواني يتحدث إليكم. ربما لهذا كان حظ يعقوبيان وافراً، لأن شخصياتها كانت لها من الأصالة ما نافس ذلك الظل الثقيل للأسواني على العمل، أما في "شيكاغو" و"نادي السيارات" فقد انمحت الشخصيات تقريباً أمام الأفكار التي تعبر عنها.
أعمال الأسواني الروائية تعرض لواقع المجتمع المصري، تحولات هذا المجتمع وتحولات الشخصيات معها، المظالم والفساد والانهيار الأخلاقي، التطرف وأسبابه، تنامي سيطرة الدولة الأمنية.. ملفات لها صلة مباشرة بمقالاته السياسية. هنا الواقع، لا فرار منه، يحكمنا فتنمحي أمامه خرافات الإرادة الإنسانية، واقع مجرد من التفنين. لا يبذل الأسواني مجهوداً كبيراً في ذلك الاتجاه، اللّهم إلا الاعتماد على التشويق كحيلة فنية لربط القارئ بكتابه، وهي مسألة يحكمها الوعي قبل أي شئ آخر. المدرّبون على القراءة لا يلهثون وراء الفصول لمعرفة مصائر الشخصيات لكنهم يتمهلون أمام أشياء أخرى.
روايات تمحو أسطورة الفن لصالح السياسي اليومي، مع محاولات جاهدة من قبل مبشرين لتسييد وترويج هذا النوع الأدبي على أنه الأفضل، لأن مجتمعاتنا في حاجة إليه، لأن للأدب وظيفة اجتماعية. محاولات لا تعي أن جوهر ما تقوم به إلحاق الأدب بالسياسة فرعاً لها وإن بلغة أرقى قليلاً. على هذا، تجد أن من يتحدثون عن روايات الأسواني تجري على ألسنتهم وفي كتاباتهم ألفاظ من نوعية: "يكتشف"، و"يقتحم"، و"يفضح"، "المسكوت عنه"، "رصد الصراع بين الطبقات".. وقليلاً ما يكون الكلام عن التقنيات واللغة والخيال كعناصر أساسية.
بالطبع، السجل الروائي العالمي مليء بأعمال وكتّاب حاكموا الواقع إنما بالمنطق الفني، أخضعوا عناصره إلى خيالهم ومقياسهم بحيث لا تعود متأكداً ما الواقع وما الخيال في ما تقرأ. لكن الأسواني لا يدع أمام القارئ مساحة شك ما، لا يترك لخياله فرصة أن يعمل بعيداً ممّا يريده. في روايات الأسواني، يمكن الخروج بنتائج محددة ويقينية تكاد تكون على المقياس الأخلاقي العام. تستطيع الانتهاء من العمل وقد ارتحتَ واطمأنت نفسك إلى أنك على الطريق الصحيح، فأنت لست من أولئك الأشرار.
إنما من العدل أيضاً القول بأنه ليس هناك مفهوم واحد ثابت للأدب والفن. ولو استقرت البشرية على تعريف، ساعتها يختفي الفن. على هذا، ليس لأحد القول بأن هذا الأدب رفيع وذاك متدنٍّ. أنت حر تماماً في اعتبار ما تقرأه وما تشاهده فناً أم لا. المسألة فقط وما فيها.. أننا لا نقرأ لمجرد المتعة السريعة، إنما ليتغير شيء ما في وعينا. ليس لنتطور إلى الأفضل، ولا لتتحسن شروط حياتنا. الفن لا يضمن هذا ولا يعد به من الأساس. لكن في مقدوره جرّنا من حالة الثبات والموات، هزّ القناعات لتجريب الحياة والتفكير فيها بصورة مختلفة. وعلى هذا يبقى السؤال: ما أهمية أن تقرأ ما تعرفه تماماً؟!
"المدن" الاربعاء 23/10/2013