الاثنين، 12 أغسطس 2013

"كتاب الأمان" كما رآها محمد فرج

شعور الشخصية هو الحقيقة
محمد فرج
 قليلة هي الأعمال التي تعطي قارئها إحساساً معيناً، وأعمال أقل هي التي تجعل هذا الاحساس يدوم. يحتاج الأمر إلى درجة فنية عالية في البناء وفي خلق شخصيات وعالم الرواية كي يشعر القارىء بهذا الإحساس. هكذا يتورط قارىء رواية "كتاب الأمان" للروائي المصري ياسر عبد الحافظ.
الالتباس هو الاحساس الذي يخلقه "كتاب الامان" عند قارئه. ربما تبدو الخطوط العامة للرواية بسيطة، يمكن تلخيصها كما على الغلاف الخلفي للرواية: "بين طبعتين من كتاب الأمان يبحث خالد مأمون مدون التحقيقات في "قصر الاعترافات" عن حقيقة مصطفى اسماعيل الأستاذ الجامعي السابق في مجال القانون والحائز على لقب أمهر لص في عقد التسعينات". لكن الأمر أكثر تعقيداً من هذه الخطوط العامة، فخالد مأمون يُسحر بشخصية مصطفى اسماعيل وفلسفته ورؤيته لفكرة السرقة والقانون والحياة المشتركة لبني البشر والكتاب الذي وضعه أستاذ القانون ليضع فيه خلاصة تجربته وتعاليمه والذي أسماه "كتاب الأمان".
منذ الصفحة الأولى للرواية يصيب الكاتب قارئه بهذا الالتباس بين مصطفى اسماعيل، وبين خالد مأمون المهووس به، والذي يقرّر أن يكتب كتاباً يحكي فيه حكاية اللص الشهير من واقع اعترافاته التي دوّنها مأمون خلال عمله في الكيان الضخم السرّي المسمّى "قصر الاعترافات". وعلى هامش هذا الخط، ثمة عوالم أخرى تغذّي هذه الحكاية، فهناك نبيل العدل المحقق الذي يتولى قضية مصطفى اسماعيل، والمهووس بمصر الجديدة باعتباره حفيد "العدل أفندي"، الموظف المصري الوحيد الذي عمل مع البارون "إمبان" مؤسّس مصر الجديدة.
المسألة ليست في حبكة بوليسية معقدة، يجيد المؤلف بناءها، فنحن أمام عمل روائي يتّخذ من خلق طبقات متشابكة وسيلة لبناء هذا العالم الملتبس.
الجميع في "كتاب الأمان" مهووس بالحقيقة، وكلّهم يجتاحه الشك في كونها حقيقة. المحقق يرى مدينته التي يؤمن بها تنهار وتتبدل ويكتشف أن زوجته التي جمعته بها محاولة تدوين تاريخ المدينة، نسيت، وهي تتعامل مع المسألة على اعتبار "كنا عيال وبنلعب".. ويكتشف عبر جرائم مصطفى اسماعيل أن زوجة شقيقه تخونه من أجل فانتازيا جنسية تجدّد بها تمردها.
إلتباسات الرواية ليست بين الخير والشر فحسب، بل أيضاً بين الأمور الرمادية الملتبسة بالأساس.. أين الحقيقة؟ وأين المعرفة؟.. أين الصواب بين رواية الفعل ورواية رد الفعل والزوايا المختلفة لمشاهدة كل من الروايتين. المتهم وكاتب التحقيقات.. ابنة البطل ومؤلف البطل.. أي الروايتين أصدق.. وكيف يمكن المواءمة بين الرؤيتين كي نصنع طبعة ثانية تكون عملاً مختلفاً عن الطبعة الأولى التي صنعها المؤلف وصار فيها البطل بطلاً. مدون التحقيقات لا يعرف إن كانت الاعترافات هي الحقيقة.. أم الحقيقة هي ما يكتبه.. أم ما يغيره نتيجة مطالبات دار النشر.. أم الرواية الجديدة التي تطالبه بها حسناء ابنة مصطفى اسماعيل.
حسناء المهووسة بـ"الحقيقة النهائية"، والتي تقرر أن تضع كتاباً تحت هذا العنوان، تجمع فيه المقاطع الهامة الواردة في أعمال أدبية، ترى أنها تحمل تلك الحقيقة. تقدمها لقارىء مشغول مثلها بالوصول إلى تلك الحقيقة.
"كتاب الأمان" رواية بنيت طبقاتها على مهل وبفنية عالية. يمكن القول إنها رواية عالمية، بمعنى أنها رواية غير مهتمة بإبراز جوانب المجتمع المحلي، أو برصد انهيار ظواهر إجتماعية أو نشوئها في مصر، لكنها رواية مخلصة لكونها رواية، ولعالمها الخاص. عمل يمكن تقديمه للقارىء العالمي المهتم بالرواية وليس المهتم بالجوانب الانثروبولوجية لمجتمع معين.
اللغة في الرواية لا تقدم شحنات انفعالية مفاجئة، ولا تعتمد على التكثيف الشعري، لكنها لغة مصنوعة بعناية لتبدو كما لو كانت محايدة وباردة تماماً، لكنها متورطة بامتياز في نقل إحساس الالتباس بين الحقائق، في جو قاتم يغذي حالة الشك التي تلف الشخصيات وتصيب القارىء الباحث عن الحقيقة بين الروايات المتعددة.
بين طبعة "كتاب الأمان" الأولى، وظهور حسناء وإصرارها على إصدار طبعة ثانية، تتناول الرواية "الحقيقية" لقصة والدها، تفتح الرواية تساؤلات حول ماهية الكتابة ذاتها، وعلاقتها بـ"الواقع"، وموقع الكاتب من موضوع كتابته والمساحة المفترضة بينهما.
مصر الجديدة وشبرا في "كتاب الأمان" ليسا مجرد مناطق سكنية قديمة في القاهرة، إذ تحمل كل منهما شحنة اسطورية كما تبدو في عين الرائي. نبيل العدل بالنسبة إلى مصر الجديدة، وخالد مأمون بالنسبة إلى شبرا. لا يهم إن كانت الحكايات حقيقية، لكن هكذا ترى العين وهكذا يشعر الأشخاص، فهكذا تكون الحقيقة.
 "المدن" 12 أغسطس 2013


الأحد، 11 أغسطس 2013

"بمناسبة الحياة" كما رآها هاني درويش



"بمناسبة الحياة" رواية أولى لياسر عبد الحافظ

هي الحياة حين تكرس الفشل الفطري دون مناسبة


هاني درويش

في أحيان قليلة التواتر، يمكن الحديث عن رواية مصرية جديدة تقدم شيئاً لافتاً خارج ما اصطلح عليه بالعوالم التقليدية. فرغم حجم التغير الضخم في واقع الرواية اليوم، يبدو الركود الروائي المصري رازحاً تحت علامة استفهام. فالرواية المصرية ـ إذا ما صح وضعها في مصطلح إطلاقي ـ تبدو في مشهدها الإجمالي وفيما بعد تراث الرواد، تدور داخل فلك التمردات التقليدية على الكتابة. البعض يحاول أسطرة السيرة الذاتية بالتقنيات التاريخية نفسها، والبعض يبحث في تجريب طفولي حول الشكل، وأخيراً يلجأ البعض لاستلهام الإكسسوار الحداثي النقدي في بناء روائي مبهر الشكل عديم الروح. وتغدو تجربة أبناء جيل التسعينات ومن بعدهم من الأجيال الأدبية، أقرب الأجيال لمحاولة التمرد على تلك الكليشيات بدرجات متفاوتة. ربما بحجم ما اعترى ذلك الجيل من فقدان لسحر الأيديولوجيات السياسية والنقدية، أو ربما بحجم إنجازه المتداخل بين الأصناف الأدبية. فبعض أبناء هذا الجيل بدأ شاعراً أو قصاصاً ثم روائياً. تلك العوالم المرتحلة بين تقنيات إبداعية مختلفة هي ما يثري بالأساس محاولاتهم المتمردة على سيرة الرواية المصرية التقليدية.
آخر أبناء التمرد والقطيعة الاختيارية مع ذلك الإرث المثقل، هو الروائي ياسر عبد الحافظ، الذي قدم روايته الأولى "بمناسبة الحياة"، والتي تبدو بإجهادها للقارئ التقليدي، محاولة للاشتباك مع ما اصطلح على تسميته "القارئ السلبي". الرواية، ومنذ صفحاتها الأولى، تحذر من يقترب منها بضرورة القطيعة مع تقاليد القراءة العابرة لحكاية مسلية، بدءاً باللغة التي تنزع نحو كثافة متجردة ومتحررة من سحر الكلمات بما تعني من مدلولات تتجاوز في مجازها حدود الكلمة المفردة المعنى. فاللغة السردية عنده هي محاولة جريئة لاحتقار مجاز اللغة، وتناص اللغة في لعبها المباشر وغير المباشر مع الكتابة المتداخلة والمترددة في هدمها واستبدالها للتقنيات السردية. تلك التقنيات التي كلما حاول القارئ الاتفاق معها واستسلم لسلطانها عادت للتبدل والتحول إلى النقيض. ثم أخيراً، العالم المغلق ـ المفتوح لحكاية سماح مؤنس بطل الرواية، والذي تبدو حكايته الأولى نموذجاً للتمرد على سلطة الأدب البطريركي. إلا أن الكتابة فيما هي تأخذك خارج مشهدية العلاقة المركبة بين البطل وأبيه، تكرس في مجالاتها الأوسع بطريركية المجتمع ذاته، في صورة الأب المجتمعي التاريخي. غير ذلك في صورة الزعيم جمال عبد الناصر، ثم النسخة الكاريكاتيرية الشعبية للرئيس السادات. عند هذا الحد تحاول الرواية الموازاة بين الخط الشخصي لسيرة البطل وأبيه، وتمثلات جيل الأب مع أبطاله في السياسة والسينما. العالم لدى ياسر عبد الحافظ هو بنية لتمثيلات جماعية موازية للحياة الواقعية، يقدم فيما هو يعرج نحو فتح عالمه المغلق في مواجهة مشهد المرض الأخير لوالده، يقدم عالم الحي الشعبي الذي يسكنه البطل والذي تتزلزل أخلاقياته وأبطاله تحت حمى الانهيار الطبقي لطبقة الموظفين ذات التراث الكلاسيكي. عالم الحيّ الذي تتوزع داخله قمة تشوهات طبقة حالمة، فقدت قدرتها على الأحلام بعد أن هزمها الواقع. تنزع تلك الطبقة إلى أسطرة حكاياتها الداخلية، فتخلق عوالم من الصراع على كل المستويات. سطوة ضابط الحي (الشريف) الذي يتحول إلى رجل الشرطة الجوال في تمثلاته السينمائية كما في أفلام الكاوبوي في الستينات والسبعينات، فيغدو التأويل الشعبي لصدامه مع تجار المخدرات المحليين استعارة افتراضية تتجاوز حدود علاقة تلك الطبقات بالسلطة في تجلياتها الأمنية البسيطة. النزوع إلى تمثل المجازات هو ما يخلق دائرة من أصدقاء البطل الراوي، هم فئة ناجية تتخبط في تمرداتها عن السياق للبحث في أسئلة الوجود المطلقة تحت تأثير المخدرات.
الرواية تحكي في مفصليها المركزيين عن الأب في مرضه ووفاته، ثم عن الصديق "مظهر" في تبدلاته وفلسفته الفانتازية، ثم مقتله العبثي والمغرق في عجائبيته. وتتخلخل البنية السردية بين البطلين الافتراضيين، فالرواية تتكون من أربعة أجزاء مركزية مقسمة إلى عناوين فرعية أو فصول. الجزءان الأول والثاني يمثلان حضور الأب المسجى (الأول) أو في مشاهد الدفن (الثاني)، نقطة مركزية للانطلاق نحو تأويل العوالم الموازية وهي "الشلة" و"الحبيبة" و"العمل". وفيما مشهدا الأب الافتتاحيان يؤرخان لعالم ينهار تحت سماء السلطة المضمحلة للأب، يحاول البطل البحث عن مبررات هذا الانهيار في عالمه الداخلي. يتساءل عن الفارق بينه وبين أبيه، فكلاهما فاشل لكن الأب لا يعرف ربما للحظة أنه فاشل، فيما يدرك الابن فشله وانهياره. هو يستعذب تلك الهاوية ويؤرخ، رجوعاً إلى حكاياته مع الأب، لفلسفته الخاصة في اللاصراع. يبحث وهو يطارد تلك الأشباح عن وسط خال من فجاجات النجاح. تغدو شلة المأفونين بالفشل في بارات وسط العاصمة بعيدة عن طموحاته، فيعود إلى جرحى الفشل في الحس. ثم يمثل دفن الأب قراراً مركزياً في بناء الرواية بضرورة الاختلاف والتمرد، ليس على الفشل الذي كان، بل باختياره فشلاً يحبه، فشلاً معنوناً في حبيبة، ثم صدامه مع شلة الحي بعد انفراط عقد تواطئهم عند استقبالهم لأحد الأعضاء الجدد (ربيع). يحاول البطل بعدها التعلق بفضاء جديد، حين يصادق "سيد الجن" قواد عمارة المومسات. لكنه، فيما الفجوات تتسع داخل النص، يترك عمله في كتابة الإعلانات ليستسلم لهلوسة العمل كموظف أمام شاشات الحاسب في مقهى للإنترنت. يدخل البطل في واقع افتراضي جديد عالمه الشاشات وعناوين مبهمة لـ"الشات". البطل يجتر أمام الكمبيوتر أسباب فشل علاقته بالفتاة التي لم يحبها يوماً. البورترية هنا غير ناجز، فلا نرى تلك الفتاة إلا في مشاهد بداية العلاقة ونهايتها، وكأنه يؤرخ للحظات التأجج العاطفي، نازعاً عن صيرورة العلاقة وحكاياتها أي قيمة.
الجزء الرابع من الرواية والذي يبدو مؤجلاً عن عمد في إطار لعبة هدم البناء، حين يحكي عن بطل الرواية الثاني "مظهر" الذي ما كاد يظهر عبر صفحاتها السابقة إلا في مشاهد مجزأة وكأنها تحيل على حادث مركزي مفقود. هاهو الحادث المركزي غير موجود أيضاً حين يقتل والد مظهر ابنه بطريقة مفزعة. البطل، حين يروي حكاية مظهر، يحاول التستر على مشهد القتل إلى النهاية، يقدم المشهد الذي يسبقه، ثم الذي يليه، محيلاً كثافة حادثة القتل بدلالاتها المفزعة إلى خيال القارئ فيما هو بعد ذلك يقدم تفاصيل علاقة مظهر بأبيه تاريخياً، ثم ما ترتب على قتل مظهر من قبض الضابط (شريف الحي) على الشلة وتعذيبه للبطل، لينهار البطل مرة أخرى بعد أن سقط "مظهر" صريعاً دون أي وعد ببداية جديدة. إنه الفشل الوجودي الكامل والشفيف.
الراوي في كل محاولاته لرسم ملامح شخصياته ينزع إلى تمثيلها كاريكاتيرياً، ربما إخلاصاً لروح السطرية التي تغلف عالم الرواية المأسوي، لا حضور فيزيائياً وصفياً لشخصياته، الشخصيات فيما عدا ذلك تتحرك وتتحدث فقط منزوعة عنها ملامح الوجه وكأنه يرسم كاريكاتيراً لأجساد دون وجوه.
أما آخر محاولات الخلخلة، فهو حضور الراوي الذي يظهر ويختفي ليحل محله راو منفصل بتقنية متداخلة الأصوات. فإذا ما أضفنا إلى ذلك قلة الحوارات المباشرة، أصبح العمل ببنائه وشخوصه ولغته مستويات متعددة لخلخلة عالم الرواية بأكملها. في النهاية تبدو "بمناسبة الحياة" رواية تؤرخ لعالم يتداعى من ثقل الوراثة، وتسخر من سلطة القارئ الذي لن يتسامح مع نفسه إذا ما حاول القراءة المبسطة. فبين صفحات "بمناسبة الحياة" أكثر من قنبلة مخبوءة بعناية بين خلخلات النص، والتي لا يمكن استعادة ألق انفجارها إلا عبر قراءة واعية ومنضبطة تخضع تلك الخلخلات إلى قانونها الخاص. هي تؤرخ لبداية نوع من الكتابة التي يبقى قانونها عصياً على التصنيف لأنها فيما تغيّر وتستبدل، تسعى إلى هدم اليقين الروائي، ليس بحثاً عن يقين مواز، بل بمناسبة الكتابة، أو بمناسبة الحياة التي نحياها على مضض ودون أحلام وربما أخيراً بلا مناسبة.
المستقبل - الأحد 12 شباط 2006 - العدد 2178 - نوافذ.