الاثنين، 4 نوفمبر 2013

صلاح فضل عن "كتاب الأمان"

ياسر عبدالحافظ يخط «كتاب الأمان»

 


يكمل ياسر عبدالحافظ ثالوث المجموعة الطليعية من شباب الروائيين المصريين، مع أنه أشد دهاء ونضجاً وأقل إنتاجاً من رفيقيه طارق إمام وأحمد عبداللطيف، لكنه يتميز بثقة مبالغ فيها بقدراته على التلاعب بمستويات السرد والقرب من محاكاة الواقع وترميز الشخوص والإشارات المضمنة فى كتابته، حتى يتوهم أن بوسع الأطفال قراءته، بينما نجده يمعن فى التجريب وتبادل المواقع مع الراوى وإضمار العناصر الكاشفة وابتسار المواقف والأحداث، بما يتطلب جهداً من المتلقين لإعادة إدراجها فى منظومة متصلة. هذا العزوف عن الحكايات السهلة، الذى يميز الأسلوب الحداثى يجعل القارئ دائماً يدخل إلى السينما متأخراً فيضطر إلى سؤال جاره عما حدث من قبل حتى يتابع المشاهدة، ويجعل أسئلة الكتابة ومزج التقنيات الفنية أدخل فى السياق من تسلسل الأحداث، كما يجعل استيعاب المادة الثقافية شرطاً لازماً لمتابعة القراءة.

ففى مطلع رواية «كتاب الأمان» يصف الراوى المسابقة التى تقدم إليها للعمل موظفاً فى «قصر الاعترافات» الخاص بإحدى الجهات السيادية، فيشرح كيف طلبوا من المتقدمين للوظيفة أن يكتب كل منهم قصة حياته بإيجاز، فيقول الراوى «خالد مأمون»: «أول مرة بكيت فيها شخصاً كانت عندما مات فهمى ابن السيد أحمد عبدالجواد، أول مرة انتابنى الفزع عندما قرأت عن تحول جريجورى ساما، تستيقظ من النوم فتجد نفسك حشرة، وعليك التعامل مع العالم على هذا النحو، ولأنك تعرف أن الدنيا لا منطق لها، وأن الحكايات أصدق من الواقع إذن فكل شىء وارد، حتى لو كان كابوسيا إلى هذا الحد، لكن فى فترة لاحقة أدركت من خلال (ثلاثية نيويورك) أن المعانى مختلطة بدرجة غير عادية، وأنه غالباً لا قيمة لشىء، هكذا يمكننى أن أصف حياتى.. القدرة على التنفس والكلام والتزاوج لا تكفى لتسرد حكايتك».

ومع إعجابى بمستوى الثقافة البليغة فى تركيز الإشارات الدالة على نجيب محفوظ وكافكا وأرسطو وبول أوستر، فإن الأمر لا يمكن أن يتعلق بالحصول على وظيفة بقدر ما هو توصيف منهجى لأسلوب القص الذى يفضله المؤلف والذى يتماهى أحياناً مع الراوى والمروى عنه، وعلى القارئ المدرب أن يدرك منذ قراءته الصفحات الأولى علاقة اسم المؤلف ياسر عبدالحافظ بمؤلف آخر على الصفحة الداخلية هو الراوى خالد مأمون، بمؤلف ثالث لكاتب النسخة الأصلية وهو مصطفى إسماعيل، ليستوعب الفرق بين المؤلف الفعلى والضمنى والراوى والمروى عنه، كى يفك اشتباك هذه العناوين، لكنه عندما ينجو من هذا الارتباك سيجد سطوراً عميقة مركزة، تقطر حكمة ووعياً، ونفاذاً وجمال صياغة، وسيدرك فى النهاية أن التحذير الأخير من أن «هذه الشخصيات والأحداث لا علاقة لها بالواقع» يحمل نبرة ساخرة، لأن واقع البشر العاديين لا يمكن أن تختلط فيه الأمور بهذه الطريقة، إلا إذا انتقلت للأدب فى كتب لا تمثل رسائل ولا عهوداً كما كان الشأن قديما، بل تقدم رؤية للحياة فى جوهرها أصدق بمراحل من صورة الواقع السطحى، كما قال أرسطو بحق.

أى كتاب وأى أمان:

تكاد تكون المقتطفات التى يضعها الكاتب فى صدر فصول روايته هى المتن الأساس المأخوذ من كتاب الأمان المتخيل، وما يليه مجرد سرد هامشى لظروفه، وأول مقتطف يطالعنا يتعلق بأسلحة المعارك المختلفة ومبرراتها الأخلاقية موضحاً طبيعة الكتاب بأنه «يضم مئات الملاحظات حول أفضل الأوقات لارتكاب جريمة، والمحاذير التى لابد من تجنبها، مئات العناوين وأسماء ساكنيها ومهنهم، هواتف المسؤولين، طرق الهرب والتخفى، أساليب التهديد والابتزاز.

كتاب دونه بصبر وحب من نتاج خبرته وخبرات آخرين، ما لم يفطن إليه هو أن الخطأ يحدث تحديداً عندما يحرص على تلافيه» فهو لص مثقف كان يعمل أستاذاً فى الجامعة ويوظف معارفه فى مغامراته، وعندما تتصاعد مستويات الشخصيات التى يسرق بيوتها حتى تصل إلى رئيس الفريق الذى يضع حراسة رئيس الجمهورية يقع مصطفى إسماعيل فى قبضة الأمن، الطريف أنه على وعى بتشابه اسمه مع اسم المقرئ الشهير، ويخضع للاستجواب فى قصر الاعترافات، ويقول له المحقق واسمه نبيل العدل، «نحن استنتجنا أنك كنت تحاول إحياء أسطورة روبن هود» الذى يسرق الأغنياء لصالح الفقراء، لكن مفهوم اللص الشريف له جذوره أيضاً فى الثقافة العربية لم ينتبه لها المحقق، فزمرة الشعراء العرب الصعاليك القدامى كانوا أيضاً يفعلون ذلك، فنحن إذن حيال شخصية لابد أن تكتسب أبعاداً سياسية ورمزية أبعد من مجرد اللصوصية، وعندما نُتابع منطق الخطط التنظيمية التى يشرحها الكتاب ندرك أنها قريبة من المجال السياسى المألوف، حيث «يتضمن التشكيل العنقودى مزايا المجموعات الكبيرة، من حيث قدرتها على الانتشار والإنجاز وجمع المعلومات وتصريف الغنائم بسرعة وعلى مساحة من الأرض يصعب تتبعها.. يتبع تنظيمنا الآن أكثر من عشر مجموعات لا تعرف بعضها، واتصالها معى أنا فقط من خلال رئيسها، ولكل مجموعة هدف وعمل مختلف عن الأخرى».

وهذا هو المعهود فى الخلايا السرية، لكن الطابع المثالى لعمل واضع خطط الأمان الذى يبحث عن الكمال يبعده عن العنف والقتل، ويحصر هدفه فى التحدى الشخصى والنبل الاجتماعى ليقترب أكثر من العمل العام، حيث يدعو أصحابه إلى أن يتصرفوا فى البيوت التى يسطون عليها باعتبارها بيوتهم، دون جرح لمشاعر الآخرين، مع الاحتفاظ بمساحة الاحترام لهم والسيطرة على المشاعر العدائية التى تفسد العمل، وهذا ما يليق بالسياسة التى تسلب إرادة الآخرين وتمكن من السيطرة، فأساليب السلطة فى صراعاتها المشروعة وغير المشروعة هى التى تفسر لنا إشارات الرواية، ويظل بوسع القارئ العادى أن يقف عند دلالتها الحرفية المباشرة فى اللصوصية التى تتقنع بالشرف، أو يذهب إلى معنى أبعد فى السياسة المضمخة بالدهاء، لكنها فى كلتا الحالتين تكتسب خصوبتها من تعدد أبعادها، كما تكتسب تشويقها وجاذبيتها من الأستطرادات السردية الممتعة عن بعض البيوت المدهشة، مثل ذلك البيت المبنى على هيئة زهرة لوتس ذهبية ضخمة، تتوهج عند انعكاس أشعة الشمس عليها مثل قطعة النار «فتصبح كأنها مخدع شهوانى أو رمز لعبادة سرية، وهى تنغلق على نفسها عند غروب الشمس لتعود للتفتح فى الصباح» وتتم فى البيت الذى أقيم على هذا النسق طقوس تحرير الأجساد المسكونة بالجان، وغير ذلك من أعمال السحر الغرائبية التى لاتزال تزخر بها الحياة المصرية فى جوفها العميق. وكذلك نجد بعض النماذج اللافتة للنساء مثل سوسن الكاشف المفتونة بالحياة، التى ترفض التدهور التدريجى الذى اعترى المرأة المصرية وهى تساق لإنكار أنوثتها وارتداء الأسمال التى تحجب جمالها وذوقها، فتتمرد على زوجها ومجتمعها، حتى يتهمها بأن الشيطان قد أغوى روحها، وتقع فى الخطيئة كى تثبت حريتها وحقها فى الاختيار والتلذذ بصورها المتمردة، إلى غير ذلك من عشرات المواقف والمشاهد الدامغة التى التقطتها عدسة ياسر العالية الحساسية لتجسيد معاناة الروح وإكراهات الجسد فى الحياة المصرية المعاصرة.

الإطار الزمكانى:

تسبح الرواية حتى قرب نهايتها فى فضاء زمانى مبهم، وتتنقل بين أماكن عديدة، خلف الذكريات والتحقيقات والرحلات التى تخترق العاصمة وبعض الأقاليم، إذ نجد فيها استطرادا توثيقياً بمناسبة الحديث عن جد المحقق الذى عاصر استراتيجية تشكيل ضاحية مصر الجديدة ومنطق تجاور البيوت الكلاسيكية مع أسطورة قصر البارون والتحولات التى مرت بها الضاحية الأرستقراطية حتى عهد قريب، كما نجد رحلة إلى قلب الدلتا إلى مدينة «بوتو» عاصمة الوجه البحرى قبل التوحيد، حيث يقوم «تل المساخيط»، وتعمل فيه عصابات الآثار مستعينة بسحرة يبحثون عن الكنوز الفرعونية التى لا تفتح إلا إذا أريقت فوقها دماء طفل يافع، يستقون ذلك من أسطورة توارثوها عن أن هذه الأرض كانت تسكنها امرأة لها رأس حية، وكانت ساحرة حكم عليها بالحرق عندما فشلت فى علاج أحد أبناء الملوك، ومن يومها وروحها تتعقب صغار السن ممن هم فى عمر ابن الملك، لكن يظل حضور كثير من الأماكن والشخوص شبحياً عارضياً فى الرواية لا يندرج فى سياقها الأساسى، حتى بعض الشخصيات التى يفترض أنها محورية مثل حسناء ابنة مصطفى إسماعيل التى تدفع الراوى لإعادة كتابة صيغة جديدة من كتاب الأمان، وتزوده بمواقف وحقائق عن أبيها وأمها قبل السجن وبعده تظل مختزلة مقتضبة، لا تمتد فى جسد الرواية بشكل مقنع.

وهذا يعود لمنطق الأسلوب الحداثى المتقطع المشتت، وكان علينا أن ننتظر إلى الفصل الأخير وربما الفقرات الأخيرة حتى نعثر على الإطار الزمانى والمكانى لها، إذ تقوم بتمثيل مصير حى شبرا بشوارعه وسكانه بطريقة مجسدة «الناس تبدلت مع لطفى- وهو شخصية ثانوية بدأت حياتها بحفظ الشعر ومحاولة كتابته وانتهى بها الأمر إلى الجلوس على مقعد متحرك- فهم منكسرون مثله، يسيرون بلا إدراك لما حولهم أو لتصرفاتهم، لا ينقصهم سوى أباريق يسقون بها شجراً لا ينمو، على ناصية الشارع ارتفع تل القمامة ومعه طنين الذباب والرائحة العطنة، لأن واحدة من السكان دشنت الفكرة.. مشاجرة مع عامل القمامة دفعتها للاستغناء عن خدماته وتبعها آخرون مفضلين إبقاء قمامتهم أمام عيونهم، ومن يدرى الخطوة التالية؟: الاحتفاظ بها فى بيوتهم» ويحتل «شبرا» الذى انتقل إليه الراوى، وأصبح من المبرر أن يتابع حركة الحياة فيه، وخط الترماى، وهو يفصل الشارع مثل السكين والسينما القائمة فيه، واحتفاؤه بحضور النجم السينمائى والهندى لعرض فيلمه، ومقهى المجانين بطقوس وحركة شخوصه- يحتل كل ذلك الجزء الأخير من الرواية بطريقة طبيعية تختلف عن استطراد مصر الجديدة، لكن تظل عوامة الزمن طافية على سطح الكتابة حتى يأتى ذكر فخرى ابن شبراً الذى استطاع عن طريق الحاشية فى قصر شبرا الذى يأتى إليه الملك يوماً فى الشهر أن يمثل أمامه، ويحظى بشرف لعب الشطرنج والتعادل معه، «لكنه أصبح نموذجاً لسوء الحظ حيث تصدرت صورته الصفحة الأولى للصحف والملك يكرمه بمنحه رقعته الخاصة، ثم فى اليوم التالى تقوم ثورة يوليو 1952 تطيح بهذا الملك»، ثم يعلق الراوى بقوله «رجال الثورة الآتين للحكم عطشى وجوعى عرف عنهم الولع بثلاثة أشياء: النساء والغناء والشطرنج» وفى المقابل يكرهون ثلاثة: «الملك ورجاله والحرية» وعلى ما فى هذه الأحكام من جزافية خاطئة وتبسيط مخل للدوافع وراء حركة التاريخ فإنها تجعل عام 52 ختاماً لأحداث الرواية ومن حى شبرا فضاء تصب فيه مصائر الشخوص الذين نبتوا فى أماكن أخرى، دون أن تعنى الرواية بغلق أقواس هذه المصائر فى نهايات مغلقة أو مفتوحة. لكن ما تخللها من مشاهد وغرائب، من انتقالات واستبطانات وفلسفة وفكر قد صيغ بلغة مكثفة تضمر شعرية رائعة وجمالاً تشكيلياً بديعاً يجعلها عملاً ممتعاً.

د.صلاح فضل
الأربعاء 5 نوفمبر 2013 "المصري اليوم".

الأحد، 27 أكتوبر 2013

عن المسافة المقدسة بين الأدب والسياسة

الأسواني مُروِّض الخيال
ياسر عبد الحافظ


 صورة 1: علاء الأسواني مع محمد مرسي يتصافحان بحرارة، نشوة النصر تحتل وجهيهما بالكامل، ومساحة ودّ ليس في الإمكان تجاهل مدلولها.
صورة 2: بعدها بعام وشهور قليلة. الأسواني في باريس، تحديداً في معهد العالم العربي للترويج لروايته "نادي السيارات"، أنصار مرسي يهاجمونه ويقاطعون حديثه ويحاولون الاعتداء عليه كما تناقلت وكالات الأنباء.

بين الصورتين مساحة من الالتباس والضجة يتمحور حولها كل ما يتعلق بـ"ظاهرة الأسواني"، تلك التي انطلقت ودوت في أعقاب "عمارة يعقوبيان"، وما زالت مستمرة وإن بتأثير أخف يعود في الأساس إلى عدم قدرة أعماله التالية على الوصول إلى المستوى نفسه.

لعل السؤال الأهم ليس قيمة الأدب الذي يقدمه الأسواني وموقعه بين الروايات العربية. هذه محاولة متعسفة ومكتوب عليها الفشل. ليس فقط لأن الحركة النقدية متعثرة، إنما لأن مجمل الإنتاج الروائي العربي لم يتم تصنيفه، والحقيقة أن العديد من محاولات تصنيف الإنتاج الأسواني كانت وراءها دوافع غير أدبية على الرغم من صدقية أحكام وصلت إليها. والمهتمون يعرفون ويتداولون همساً تفاصيل وأسباب المعركة لكنهم حين يكتبون ينأون بأنفسهم باللجوء إلى جاك دريدا، وميشال فوكو، والاقتباس من المنظّرين.

ما ينبغي التوقف عنده: المسافة (المقدسة) التي هدمها الأسواني عامداً، بين الأدب والسياسة، ليروج غالباً للبضاعة التي يقدمها في المجالين. الروائي صاحب المواقف السياسية التقدمية الثورية، والسياسي صاحب الروايات الأكثر توزيعاً، كل مجال منهما يخدم الآخر ويغذيه بمزيد من الدراما الساخنة للحفاظ على الموقع الذي يشغله صاحبه. قارعو طبول المعارك يصحبون الأسواني أينما ذهب. يدقونها بصخب، وهو مستعد ومتأهب. لديه قضية واضحة وهدف محدد كنبيٍّ يمدّه إيمانه بالطاقة اللازمة، "وما كان لنبي لبس لأمة الحرب أن يخلعها". ودوماً، لحروب الأسواني عنوان عام، بريقه يخرس المشككين: الوطن، الفقراء، الديموقراطية، الحرية. وغيرها من شعارات رنانة دأبنا على سماعها من جيل الستينيات (مع ضرورة التأكيد هنا على منجز هذا الجيل في الفن والنقد)، وأفقدها الافتراق بين القول والفعل معناها، حتى عافتها النفس وأصبحت جالبةً للسخرية، ولم تسترد قيمتها إلا في 25 يناير.

يعيد الأسواني نموذج المثقف الستيني في زي مغاير، ومحاذراً السقوط في خطايا بعض أفراد ذلك الجيل المؤثرة للحد الذي وصمت به الجيل كله بالتبعية للدولة. الأسواني: المثقف الملتحم بقضايا وطنه، المدافع عن المبادئ الأساسية بلا مهادنة، سانده إجماع عارم على رفض النظام وما يمثله، وإيمان عميق، حتى عند بعض المحسوبين على ذلك النظام، بأنه آيل للسقوط لا محالة. المشكلة الحقيقية تبدت بعد سقوط ذاك النظام، انفتحت الحياة السياسية فجأة على مصراعيها، وبدلاً من الرأي الواحد هناك مئة، والاختيار بينها صعب للغاية. انقسم البلد إلى قسمين، فلول وثوار، ثم انقسم كل فريق مرات عدة، ليصبح هناك فلوليّ لا يمكن التعامل معه، وآخر يمكن قبول توبته، ثوريّ لا يقبل التنازلات وآخر يضيف العقلانية إلى موقفه.

ووسط مناخ من الحيرة والتردد، كانت مواقف الأسواني حادة ومندفعة، معاداة الفريق أحمد شفيق، الانتصار للإخوان ومحمد مرسي، الاصطفاف ضد المجلس العسكري وحكم العسكر، ثم الانقلاب على الإخوان (بعد الاكتشاف الفجائي بأنهم عصابة) وتأييد الجيش حفاظاً على الوطن.. مؤكد أن الإخوان جزء من تيار الإسلام السياسي الذي لا يعرف منطق المشاركة في الحكم أو الحوار، وما حدث في معهد العالم العربي مع الأسواني ليس إلا نموذج بسيط لاستبدادهم. لكن السؤال هنا ليس عن الإخوان، وإنما عن الأسواني المثقف والأديب ومواقفه السياسية القاطعة بلا تردد أو مراجعة نقدية، وتأثيرها في أدبه.      

من الظلم القول بأن الأسواني حوّل مقالاته السياسية إلى روايات. إنما المؤكد أن قناعاته انتقلت بلا سيطرة منه إلى كتاباته الأدبية، "يعقوبيان" أولاً، "شيكاغو"، و"نادي السيارات" مؤخراً..

لا اختلاف بين العالمين.. السياسة والأدب، سوى في طرائق الحكي. ليس هناك من أسباب تجعلك تغادر واقعك وتسرح مع الشخصيات والأحداث. المؤلّف موجود بكامل قناعاته وأفكاره، يطغى على الرواية بالكامل. علاء الأسواني يتحدث إليكم. ربما لهذا كان حظ يعقوبيان وافراً، لأن شخصياتها كانت لها من الأصالة ما نافس ذلك الظل الثقيل للأسواني على العمل، أما في "شيكاغو" و"نادي السيارات" فقد انمحت الشخصيات تقريباً أمام الأفكار التي تعبر عنها.

أعمال الأسواني الروائية تعرض لواقع المجتمع المصري، تحولات هذا المجتمع وتحولات الشخصيات معها، المظالم والفساد والانهيار الأخلاقي، التطرف وأسبابه، تنامي سيطرة الدولة الأمنية.. ملفات لها صلة مباشرة بمقالاته السياسية. هنا الواقع، لا فرار منه، يحكمنا فتنمحي أمامه خرافات الإرادة الإنسانية، واقع مجرد من التفنين. لا يبذل الأسواني مجهوداً كبيراً في ذلك الاتجاه، اللّهم إلا الاعتماد على التشويق كحيلة فنية لربط القارئ بكتابه، وهي مسألة يحكمها الوعي قبل أي شئ آخر. المدرّبون على القراءة لا يلهثون وراء الفصول لمعرفة مصائر الشخصيات لكنهم يتمهلون أمام أشياء أخرى.

روايات تمحو أسطورة الفن لصالح السياسي اليومي، مع محاولات جاهدة من قبل مبشرين لتسييد وترويج هذا النوع الأدبي على أنه الأفضل، لأن مجتمعاتنا في حاجة إليه، لأن للأدب وظيفة اجتماعية. محاولات لا تعي أن جوهر ما تقوم به إلحاق الأدب بالسياسة فرعاً لها وإن بلغة أرقى قليلاً. على هذا، تجد أن من يتحدثون عن روايات الأسواني تجري على ألسنتهم وفي كتاباتهم ألفاظ من نوعية: "يكتشف"، و"يقتحم"، و"يفضح"، "المسكوت عنه"، "رصد الصراع بين الطبقات".. وقليلاً ما يكون الكلام عن التقنيات واللغة والخيال كعناصر أساسية.

بالطبع، السجل الروائي العالمي مليء بأعمال وكتّاب حاكموا الواقع إنما بالمنطق الفني، أخضعوا عناصره إلى خيالهم ومقياسهم بحيث لا تعود متأكداً ما الواقع وما الخيال في ما تقرأ. لكن الأسواني لا يدع أمام القارئ مساحة شك ما، لا يترك لخياله فرصة أن يعمل بعيداً ممّا يريده. في روايات الأسواني، يمكن الخروج بنتائج محددة ويقينية تكاد تكون على المقياس الأخلاقي العام. تستطيع الانتهاء من العمل وقد ارتحتَ واطمأنت نفسك إلى أنك على الطريق الصحيح، فأنت لست من أولئك الأشرار.

إنما من العدل أيضاً القول بأنه ليس هناك مفهوم واحد ثابت للأدب والفن. ولو استقرت البشرية على تعريف، ساعتها يختفي الفن. على هذا، ليس لأحد القول بأن هذا الأدب رفيع وذاك متدنٍّ. أنت حر تماماً في اعتبار ما تقرأه وما تشاهده فناً أم لا. المسألة فقط وما فيها.. أننا لا نقرأ لمجرد المتعة السريعة، إنما ليتغير شيء ما في وعينا. ليس لنتطور إلى الأفضل، ولا لتتحسن شروط حياتنا. الفن لا يضمن هذا ولا يعد به من الأساس. لكن في مقدوره جرّنا من حالة الثبات والموات، هزّ القناعات لتجريب الحياة والتفكير فيها بصورة مختلفة. وعلى هذا يبقى السؤال: ما أهمية أن تقرأ ما تعرفه تماماً؟!
"المدن" الاربعاء 23/10/2013

السبت، 26 أكتوبر 2013

"كتاب الأمان" كما رآها بلال رمضان


"كتاب الأمان" أم رواية التمرد والسؤال؟





"هل تحب الاطلاع على نهايتك.. ثم ترتب حياتك وفقها؟" 

إنه السؤال قد نسميه حداد أقدارنا. وإن كنت معنيًا به ولديك القدرة على الإجابة بـ"نعم" أو "لا" فعليك أن تعىِّ جيدًا أن "كل معركة ولها أسلحتها، وإذا تراجعت عن استخدام أحدها تحت مبررٍ أخلاقى ما، فهذا يعود لك، لكن لا تنتظر تكريمًا عند هزيمتك؛ لأنك كنت شريفًا".

بداية من الصفحات الأولى، يتمكن "ياسر عبد الحافظ" ببساطة شديدة جدًا من أن يأسر لب القارئ، ويجعله متورطًا فى أحداث روايته "كتاب الأمان"؛ حيث يتصور القارئ فى البداية أن روايته ما هى إلا رواية عن النسخة الأصلية لـ"كتاب الأمان" لمؤلف يدعى "مصطفى إسماعيل" سيجد أن هناك العديد من الاقتباسات من هذه النسخة الأصلية، ولربما يتبادر إلى ذهنه أن يلجأ لمواقع البحث الإلكترونية ليعرف شيئًا عن هذا الكتاب الذى يتشابه اسم مؤلفه مع المقرئ "مصطفى إسماعيل" فتصدمه المواقع بأنها رواية لـ"ياسر عبد الحافظ" صدرت عن دار التنوير بالقاهرة، فيقرر الولوج إلى عالم "قصر الاعترافات" بمعاونة مدون التحقيقات "خالد مأمون".

إن البداية التى ينطلق منها "خالد مأمون" هى رفضه لسجنه فى "قصر الاعترافات" مقيدًا إلى كرسيه الخشبى أمام خشبة مسرح لا تنزل ستائره، يأتى الممثلون واحدًا بعد الآخر، يدلى باعترافاته، ويتماهى هو مع القصص التى تروى أمامه حتى يشعر وكأنه مشبع بذكريات لا تخصه، لا ذنب له فيها إلا أنه كاتب اعترافات. فيقرر هو الآخر أن يعترف، وأن يروى للعالم عما يدور داخل هذا القصر الذى تحطيه الأجواء الأمنية، ويحالفه الحظ بأن يكون هو مدون التحقيقات التابع لـ"نبيل العدل" فى قضية "مصطفى إسماعيل"، هذا الرجل الذى لم يخف "العدل" دهشته، حيث لم يجد فى أوراقه ما يبرر ذلك التحول العنيف فى شخصيته، فلماذا يضحى أستاذ جامعى بما لديه وينتقل إلى الجريمة، والأهم: كيف ومتى اكتسب تلك الخبرات التى حولته إلى أسطورة؟ فالمال ليس السبب الرئيسى، ولديه منه ما يكفيه، ومؤهلاته وقدراته تسمح له بجنى المزيد عبر طرق لم تكن لتؤدى به إلى هذا المصير، وفى كل حال لا يبدو متيمًا بالمال، فما الذى جعله يغامر بكل ما حققه؟

"من قال إنه لابدَّ من وجود قوانين لنلتزم بأن يكون لنا مبادئ؟"

إنها رواية بحثٍ مضنٍ ودءوب، وكما أن الحقيقة تكمن فى صعوبة اكتشفها، والوصول إليها، والتسليم بها، فإن هذه الرواية لا تسلم نفسها للقارئ بسهولة، تراوده عن نفسه، ولن يهديه "كتاب الأمان" إلى ما يظن من عنوانها، فقط سيشعر أن ثمة فيروس قد سمح هو له بالتعايش داخل رأسه، سيدفعه كثيرًا للتساؤل عما آمن به من قبل وما يؤمن به اليوم، وما سوف يعتنقه فى الغد؟ وبحثًا عن الحقيقة سيظل مُسيّرًا بقوة السؤال للوصول إليها، رافضًا أن يكون واحدًا من المثقفين "الذين حفظوا بغباء أنه لا توجد حقائق مطلقة أو نهائية، يريحون أنفسهم بهذا حتى لا يجتهدون فى تقديم إجابات. وما قيمتهم إن تفرغوا لطرح مزيدٍ من الأسئلة على عالم مبنى فى الأصل عليها؟". وهذا ما يقوله "ياسر عبد الحافظ" أو "خالد مأمون".

"الفلسفة الحقّة تقودك لخرق القوانين"

حكمةٌ من بين العديد فى هذه الرواية أتصور أنها قد تعد أحد المداخل لقراءتها والولوج فى عوالمها الموازية لـ"السؤال" الذى يشغل جميع شخصياتها بحثًا عن الأمان، ولا تتصور أنه الأمان بمفهومه التقليدى، الذى يبحث عنه هؤلاء الكسالى الباحثين عن العيش بسلام والموت فى سكينة، بل الأمان الإنسانى من سؤال الهم الوجودى، وما يسببه من صراع فكرى قد يودى بحياتك إلى مصحة نفسية لو كنت سعيد الحظ.

ولأنها رواية غير تقليدية، فلا أعتقد أنه من المهم أن نلتفت لعنصر الزمن فى الرواية، إلا عند بعض الشخصيات الفارقة فيها، ولكن الأهم أن شخصيات سيظلون على قيد الحياة مع القارئ وهو يبحث عن أمانهم فيجد أنه واحدًا منهم، لديه هو الآخر "كتاب أمان" يريد أن يكتبه باعترافاته مثل كافة شخوصها التى يدون اعترافاتها "خالد مأمون". 

إن أفضل وسيلة لكى يشعر القارئ بالتورط فى رواية ما، ليس عالمها، بقدر ماهية لغتها المختلفة عن العذوبة أو المشهدية التى تعمل على جذبه إليها ليستمر فى قراءتها حتى النهاية فيكتشف أن فكرتها ليست بالفذة أو الغرائبية التى لم يقرأ لها مثيل. لغتها التى لا تسلم نفسها للقارئ العادى بسهولة. هذا ما فعله "ياسر عبد الحافظ" بروايته "كتاب الأمان" فهى رواية تتمرد على الأنماط التقليدية، ولا تترك القارئ بعد أن ينتهى من قراءتها أكثر من مرة، ينتمى مؤلفها لهذا الجيل الرافض للمسلمات والبديهيات فكريًا وإبداعيًا.

بلال رمضان.. "اليوم السابع" الثلاثاء، 15 أكتوبر 2013 


           

"كتاب الأمان" كما رأتها شيرين أبو النجا

ياسر عبدالحافظ يتماهى في صورة ابن المقفع


بماذا كان يفكر ياسر عبدالحافظ عند اختياره عنوان روايته الثانية «كتاب الأمان» (دار التنوير، 2013)؟ هل طالعه كتاب ابن المقفع الذي يحمل العنوان نفسه، وكان ميثاقاً بين المنصور وعمه؟ ربما نعم، وربما لا. لكنّ الأمر لا يمنع أن تلوح استنتاجات ما كتبه ابن المقفع - في شكل مجازي - في خلفية قراءة رواية «كتاب الأمان». فقد كان سفيان بن معاوية يبيّت لابن المقفع الحقد، فطلبه، ولما حضر قيّده وأخذ يقطعه عضواً تلو الآخر ويرمي به في التنور ويكرهه على أكل جسده مشوياً حتى مات، وبالطبع لم يلتزم المنصور بالعهد الذي حمله كتاب الأمان. الحق أن الأمر ليس بهذه السهولة، والرواية فيها من التعقيد والجدل الفلسفي الذي يكشف عن طبقات متعددة في الدلالة، ما لا يسمح بممارسة الإحالة النقدية على أي عمل.
لا تسمح رواية عبدالحافظ إلا بالاستعانة النقدية ببعض الإشارات التي لا بد من أن يقر صاحبها (القارئ/ الناقد) أنها إشارات غير مكتملة المدلول. تُشكل الرواية عالماً - ولو صغيراً - متماسكاً في شكل لا يعرض أي ثغرة للنفاذ إلى القراءات النقدية المعهودة، فلا يمكن فصل مسار شخصية عن أخرى، حتى لو بدا أن مصطفى إسماعيل قادر على تغيير مزاج المحقق نبيل العدل وتغيير حياة خالد المأمون.
يبدو التحدي هو سمة النص، بما في ذلك التحدي الذي يطرحه السؤال الاستهلالي: «هل تحب الاطلاع على نهايتك، ثم ترتب حياتك وفقها؟». أما من الذي قام بصياغة هذا السؤال فهو ما لا يمكن تحديده. فالأصل في الموضوع أنّ ياسر عبدالحافظ يكتب رواية عن خالد المأمون - الذي يعمل مدوناً ومحللاً في جهة سيادية غير معلومة - فيستمع الى اعترافات الرائح والغادي بما في ذلك اعترافات أشهر لص (في الأصل أستاذ جامعي) مصطفى إسماعيل. لكنّ الرواية تدور إذاً عن خالد المأمون الذي يكتب عن مصطفى إسماعيل رواية في عنوان «كتاب الأمان».
تتداخل الأصوات - من دون أن يشعر القارئ - ويصبح من الصعب تمييز مالك زمام السرد، لا سيما أن كل فصل يتم استهلاله بجزء من اعترافات مصطفى إسماعيل. هكذا، يتشابك الأمر بين رؤى عدة تفجرت بفعل أفكار أو اعترافات لص شهير، فينتقل السرد بسلاسة بين صحراء مدينة نصر حيث تقع هذه الجهة السيادية، ومصر الجديدة بكل اكتفائها بذاتها، والطبقية المستشرية فيها عبر رؤية نبيل العدل، وشبرا بكل تهكمها الضمني من مصر الجديدة عبر مقهى المجانين، بخاصة فخري، أشهر لاعب شطرنج نجح في منازلة الملك فاروق عام 1952.
البنية الروائية والشكل يتحولان إلى جزء رئيس من المضمون، وعبر تضفير كل عناصر التخييل والسرد والبناء تكتسب الرواية دلالات عدة، بتداخل شخوصها وأماكنهم، وبتقاطع المسارات، المصحوبة بعين الفرجة والتدوين من خالد مأمون. تلك العين التي تستدعي نبرتها قصيدة «أغنية بروفروك» للشاعر الشهير إليوت، إذ يؤكد المأمون أن «ما نظنه عن أنفسنا لا يتحقق دوماً في الواقع». ربما أكثر ما يتشابه فيه المأمون مع بروفروك هو النأي بالنفس عن التورط، ما يجعله ثابتاً بين مقامين، الخير والشر، شبرا ومصر الجديدة، هدى وحسناء، الطبعة الأصلية لكتاب الأمان والنسخة المنقحة. لكنّ تيار السرد يجرف خالد في النهاية من معسكر البراءة إلى معسكر الخبرة.
لا يتنقل السرد بين الأماكن من دون أن يحكي تاريخها عبر نبيل العدل وهيامه بمصر الجديدة، وعبر ديميتري صاحب مكتبة «سافو» في شبرا. وفي ما بينهما يتماهى خالد المأمون مع القصص أو بالأحرى الاعترافات حتى تتوه حكايته الخاصة، فيسعى إلى كتابتها عبر نشر كتاب الأمان الذي يقدم فيه مصطفي إسماعيل بصفته بطلاً تراجيدياً أخفق في بعض المواضع. إلّا أنّ صورته عن ذاته لا تطابق قصة المأمون عنه، فهو يسير على مبدأ لا يقوى عليه أحد: «كل معركة ولها أسلحتها، وإذا تراجعت عن استخدام أحدها تحت مبرر أخلاقي ما، فهذا يعود لك، ولكن لا تنتظر تكريماً عند هزيمتك، لأنك كنت شريفاً»...
من الذي يمارس هذه القناعة؟ ربما هذا ما جعل مصطفى إسماعيل على ما هو عليه، تلك القوة التي جذبت خالد المأمون حتى تماهى فيها تماماً، على رغم بحثه عن تاريخه الخاص.
ينجح ياسر عبدالحافظ من خلال اعترافات مصطفى إسماعيل - التي تُعيد صياغة وعي خالد المأمون وتضع نبيل العدل في مواجهة ذاته وتكشف عن الكثير من الشخصيات - في مواجهة مجتمع كامل بحقيقته، وإن كان فعل ذلك بهدوء كامل ومن دون ضجيج روائي.
إنه يفضح الزيف البورجوازي والادعاء الطبقي والفجوة بين صورة الذات عن نفسها وصورتها لدى الآخر، ويدين فكرة عدم التورط (المنتشرة في مجتمعاتنا كثيراً)، إضافة إلى إعادة مناقشة مسألة الخير والشر. لكنّ البراعة تركزت في الفرصة أو المساحة التي حصل عليها الكاتب/ خالد ليعبر عن رأيه في الكتابة (متى تكون كتابة وكيف تكون؟)، فجاءت الكتابة عن الكتابة بمثابة شهادة متداخلة مع «كتاب الأمان». وفي اقترانها بشخصية الناشر أنور الورقي (وتصوره عن ذاته) لم يدخر عبدالحافظ جهداً في إعلان رأيه كاملاً في مشهد ثقافي يشبه الثقافة. وإذا كانت حسناء ابنة مصطفى إسماعيل قد تخلصت من كل الكتب وأبقت فقط المقاطع الروائية التي تستحق الخلود من وجهة نظرها، فثمة بالمقابل مقاطع عدة من رواية «كتاب الأمان» تستحق أن يتم الاحتفاظ بها لأنها تعبر عن الأمر كما هو ومن دون مواربة. إنها خلاصة الأمر حتى وإن تغلفت بمنطق راسبوتين أحياناً كسؤاله (وهو جزء من اعترافات مصطفى إسماعيل): «هل خروجنا على القانون يعني أن لدينا ديناً ما تجاه المجتمع علينا تسديده؟ ولماذا لا يسدد النظام دينه تجاه المجتمع هو الآخر؟ لماذا لا يحاسبه أحد ويحاسبنا هو؟»... وعلى هذا المنطق بنى مصطفى إسماعيل - الذي كفر بالجامعة - منطق السرقة الذي لم يكن يسرق، بل يكشف حقيقة البشر ويضعها في لحظة مواجهة تقترب من الجحيم، فقط ليساعدهم على الوصول إلى النعيم. إنه الكشف الذي يُحوله عبدالحافظ إلى أداة سحق للزيف المجتمعي، وهو الوسيلة التي يستخدمها مصطفى إسماعيل من أجل «فضح الزيف الذي نعيش مسجونين فيه»، لكنّه فضح بقفازات من الحرير.
كان لا بد لرحلة المأمون مع الاعترافات (وقد تماهى معها، ثم ترك عمله بسببها في شكل أو آخر، ثم أعاد النظر فيها بعد مناقشة جدلية مع صديقه لطفي حول إمكان تحويل اللص إلى ثائر، ثم نقح الطبعة الثانية من الكتاب أملاً في توطيد علاقته بحسناء ابنة مصطفى إسماعيل) أن تدفع خالد المأمون إلى التورط في الحياة في شكل ما. وكان تورطه هو معرفة ذاته عن حق، الذات التي عرفت نفسها عبر اعترافات مصطفى إسماعيل، فهمت حجمها، واعترفت بضآلتها، فقنعت وكتبت واعترفت في شكل مغاير - هكذا، يجيء الانتقال من البراءة إلى الخبرة.
مع هذا التورط الذي تشوبه الهزيمة، تتساقط بقية الشخصيات، ينهزم فخري في لعبة الشطرنج ويهيم على وجهه في الشوارع، يفقد مقهى المجانين اكتفاءه بذاته ويتعرض لغزو أجيال جديدة، ويدرك مصطفى إسماعيل أن «السقوط حتمي وقد اقترب موعده».
يأبى الكاتب أن ينهي النص من دون أن يدفع القارئ إلى بذل مزيد من الجهد (لم يكفه ما بذله القارئ من جهد منذ الصفحة الأولى)، فيرسم مشهد «باختيني» كرنفالي يُصر فيه لطفي (الذي خرج من المعتقل مشلولاً بفعل التعذيب) على دخول السينما لمشاهدة النجم الهندي أميتاب باتشان، فتحمله الجماهير على الأعناق. يتحــول لطفي إلى بطل في مشهد مثير للشفقة السياسية (تبرع دائماً سحر خليفة في رسم مثل هذه المشاهد)، ومعبر عن لا وعي جماعي سينفجر قريباً ليعبر عن نفسه في جموع مغايرة. أهذا هو مصير ابن المقفع؟ أم إن الكتاب منح خالد المأمون الأمان في المواجهة والتورط؟ لكنّ السؤال الأهم هو هل اطلع خالد على نهايته فرتب حياته وفقها أم العكس؟ رواية تؤكد أن «الحياة الإنسانية مجموعة من القواعد المبتذلة التي لن تتغير».
شيرين أبو النجا
"الحياة" السبت ٢٦ أكتوبر ٢٠١٣

الاثنين، 12 أغسطس 2013

"كتاب الأمان" كما رآها محمد فرج

شعور الشخصية هو الحقيقة
محمد فرج
 قليلة هي الأعمال التي تعطي قارئها إحساساً معيناً، وأعمال أقل هي التي تجعل هذا الاحساس يدوم. يحتاج الأمر إلى درجة فنية عالية في البناء وفي خلق شخصيات وعالم الرواية كي يشعر القارىء بهذا الإحساس. هكذا يتورط قارىء رواية "كتاب الأمان" للروائي المصري ياسر عبد الحافظ.
الالتباس هو الاحساس الذي يخلقه "كتاب الامان" عند قارئه. ربما تبدو الخطوط العامة للرواية بسيطة، يمكن تلخيصها كما على الغلاف الخلفي للرواية: "بين طبعتين من كتاب الأمان يبحث خالد مأمون مدون التحقيقات في "قصر الاعترافات" عن حقيقة مصطفى اسماعيل الأستاذ الجامعي السابق في مجال القانون والحائز على لقب أمهر لص في عقد التسعينات". لكن الأمر أكثر تعقيداً من هذه الخطوط العامة، فخالد مأمون يُسحر بشخصية مصطفى اسماعيل وفلسفته ورؤيته لفكرة السرقة والقانون والحياة المشتركة لبني البشر والكتاب الذي وضعه أستاذ القانون ليضع فيه خلاصة تجربته وتعاليمه والذي أسماه "كتاب الأمان".
منذ الصفحة الأولى للرواية يصيب الكاتب قارئه بهذا الالتباس بين مصطفى اسماعيل، وبين خالد مأمون المهووس به، والذي يقرّر أن يكتب كتاباً يحكي فيه حكاية اللص الشهير من واقع اعترافاته التي دوّنها مأمون خلال عمله في الكيان الضخم السرّي المسمّى "قصر الاعترافات". وعلى هامش هذا الخط، ثمة عوالم أخرى تغذّي هذه الحكاية، فهناك نبيل العدل المحقق الذي يتولى قضية مصطفى اسماعيل، والمهووس بمصر الجديدة باعتباره حفيد "العدل أفندي"، الموظف المصري الوحيد الذي عمل مع البارون "إمبان" مؤسّس مصر الجديدة.
المسألة ليست في حبكة بوليسية معقدة، يجيد المؤلف بناءها، فنحن أمام عمل روائي يتّخذ من خلق طبقات متشابكة وسيلة لبناء هذا العالم الملتبس.
الجميع في "كتاب الأمان" مهووس بالحقيقة، وكلّهم يجتاحه الشك في كونها حقيقة. المحقق يرى مدينته التي يؤمن بها تنهار وتتبدل ويكتشف أن زوجته التي جمعته بها محاولة تدوين تاريخ المدينة، نسيت، وهي تتعامل مع المسألة على اعتبار "كنا عيال وبنلعب".. ويكتشف عبر جرائم مصطفى اسماعيل أن زوجة شقيقه تخونه من أجل فانتازيا جنسية تجدّد بها تمردها.
إلتباسات الرواية ليست بين الخير والشر فحسب، بل أيضاً بين الأمور الرمادية الملتبسة بالأساس.. أين الحقيقة؟ وأين المعرفة؟.. أين الصواب بين رواية الفعل ورواية رد الفعل والزوايا المختلفة لمشاهدة كل من الروايتين. المتهم وكاتب التحقيقات.. ابنة البطل ومؤلف البطل.. أي الروايتين أصدق.. وكيف يمكن المواءمة بين الرؤيتين كي نصنع طبعة ثانية تكون عملاً مختلفاً عن الطبعة الأولى التي صنعها المؤلف وصار فيها البطل بطلاً. مدون التحقيقات لا يعرف إن كانت الاعترافات هي الحقيقة.. أم الحقيقة هي ما يكتبه.. أم ما يغيره نتيجة مطالبات دار النشر.. أم الرواية الجديدة التي تطالبه بها حسناء ابنة مصطفى اسماعيل.
حسناء المهووسة بـ"الحقيقة النهائية"، والتي تقرر أن تضع كتاباً تحت هذا العنوان، تجمع فيه المقاطع الهامة الواردة في أعمال أدبية، ترى أنها تحمل تلك الحقيقة. تقدمها لقارىء مشغول مثلها بالوصول إلى تلك الحقيقة.
"كتاب الأمان" رواية بنيت طبقاتها على مهل وبفنية عالية. يمكن القول إنها رواية عالمية، بمعنى أنها رواية غير مهتمة بإبراز جوانب المجتمع المحلي، أو برصد انهيار ظواهر إجتماعية أو نشوئها في مصر، لكنها رواية مخلصة لكونها رواية، ولعالمها الخاص. عمل يمكن تقديمه للقارىء العالمي المهتم بالرواية وليس المهتم بالجوانب الانثروبولوجية لمجتمع معين.
اللغة في الرواية لا تقدم شحنات انفعالية مفاجئة، ولا تعتمد على التكثيف الشعري، لكنها لغة مصنوعة بعناية لتبدو كما لو كانت محايدة وباردة تماماً، لكنها متورطة بامتياز في نقل إحساس الالتباس بين الحقائق، في جو قاتم يغذي حالة الشك التي تلف الشخصيات وتصيب القارىء الباحث عن الحقيقة بين الروايات المتعددة.
بين طبعة "كتاب الأمان" الأولى، وظهور حسناء وإصرارها على إصدار طبعة ثانية، تتناول الرواية "الحقيقية" لقصة والدها، تفتح الرواية تساؤلات حول ماهية الكتابة ذاتها، وعلاقتها بـ"الواقع"، وموقع الكاتب من موضوع كتابته والمساحة المفترضة بينهما.
مصر الجديدة وشبرا في "كتاب الأمان" ليسا مجرد مناطق سكنية قديمة في القاهرة، إذ تحمل كل منهما شحنة اسطورية كما تبدو في عين الرائي. نبيل العدل بالنسبة إلى مصر الجديدة، وخالد مأمون بالنسبة إلى شبرا. لا يهم إن كانت الحكايات حقيقية، لكن هكذا ترى العين وهكذا يشعر الأشخاص، فهكذا تكون الحقيقة.
 "المدن" 12 أغسطس 2013


الأحد، 11 أغسطس 2013

"بمناسبة الحياة" كما رآها هاني درويش



"بمناسبة الحياة" رواية أولى لياسر عبد الحافظ

هي الحياة حين تكرس الفشل الفطري دون مناسبة


هاني درويش

في أحيان قليلة التواتر، يمكن الحديث عن رواية مصرية جديدة تقدم شيئاً لافتاً خارج ما اصطلح عليه بالعوالم التقليدية. فرغم حجم التغير الضخم في واقع الرواية اليوم، يبدو الركود الروائي المصري رازحاً تحت علامة استفهام. فالرواية المصرية ـ إذا ما صح وضعها في مصطلح إطلاقي ـ تبدو في مشهدها الإجمالي وفيما بعد تراث الرواد، تدور داخل فلك التمردات التقليدية على الكتابة. البعض يحاول أسطرة السيرة الذاتية بالتقنيات التاريخية نفسها، والبعض يبحث في تجريب طفولي حول الشكل، وأخيراً يلجأ البعض لاستلهام الإكسسوار الحداثي النقدي في بناء روائي مبهر الشكل عديم الروح. وتغدو تجربة أبناء جيل التسعينات ومن بعدهم من الأجيال الأدبية، أقرب الأجيال لمحاولة التمرد على تلك الكليشيات بدرجات متفاوتة. ربما بحجم ما اعترى ذلك الجيل من فقدان لسحر الأيديولوجيات السياسية والنقدية، أو ربما بحجم إنجازه المتداخل بين الأصناف الأدبية. فبعض أبناء هذا الجيل بدأ شاعراً أو قصاصاً ثم روائياً. تلك العوالم المرتحلة بين تقنيات إبداعية مختلفة هي ما يثري بالأساس محاولاتهم المتمردة على سيرة الرواية المصرية التقليدية.
آخر أبناء التمرد والقطيعة الاختيارية مع ذلك الإرث المثقل، هو الروائي ياسر عبد الحافظ، الذي قدم روايته الأولى "بمناسبة الحياة"، والتي تبدو بإجهادها للقارئ التقليدي، محاولة للاشتباك مع ما اصطلح على تسميته "القارئ السلبي". الرواية، ومنذ صفحاتها الأولى، تحذر من يقترب منها بضرورة القطيعة مع تقاليد القراءة العابرة لحكاية مسلية، بدءاً باللغة التي تنزع نحو كثافة متجردة ومتحررة من سحر الكلمات بما تعني من مدلولات تتجاوز في مجازها حدود الكلمة المفردة المعنى. فاللغة السردية عنده هي محاولة جريئة لاحتقار مجاز اللغة، وتناص اللغة في لعبها المباشر وغير المباشر مع الكتابة المتداخلة والمترددة في هدمها واستبدالها للتقنيات السردية. تلك التقنيات التي كلما حاول القارئ الاتفاق معها واستسلم لسلطانها عادت للتبدل والتحول إلى النقيض. ثم أخيراً، العالم المغلق ـ المفتوح لحكاية سماح مؤنس بطل الرواية، والذي تبدو حكايته الأولى نموذجاً للتمرد على سلطة الأدب البطريركي. إلا أن الكتابة فيما هي تأخذك خارج مشهدية العلاقة المركبة بين البطل وأبيه، تكرس في مجالاتها الأوسع بطريركية المجتمع ذاته، في صورة الأب المجتمعي التاريخي. غير ذلك في صورة الزعيم جمال عبد الناصر، ثم النسخة الكاريكاتيرية الشعبية للرئيس السادات. عند هذا الحد تحاول الرواية الموازاة بين الخط الشخصي لسيرة البطل وأبيه، وتمثلات جيل الأب مع أبطاله في السياسة والسينما. العالم لدى ياسر عبد الحافظ هو بنية لتمثيلات جماعية موازية للحياة الواقعية، يقدم فيما هو يعرج نحو فتح عالمه المغلق في مواجهة مشهد المرض الأخير لوالده، يقدم عالم الحي الشعبي الذي يسكنه البطل والذي تتزلزل أخلاقياته وأبطاله تحت حمى الانهيار الطبقي لطبقة الموظفين ذات التراث الكلاسيكي. عالم الحيّ الذي تتوزع داخله قمة تشوهات طبقة حالمة، فقدت قدرتها على الأحلام بعد أن هزمها الواقع. تنزع تلك الطبقة إلى أسطرة حكاياتها الداخلية، فتخلق عوالم من الصراع على كل المستويات. سطوة ضابط الحي (الشريف) الذي يتحول إلى رجل الشرطة الجوال في تمثلاته السينمائية كما في أفلام الكاوبوي في الستينات والسبعينات، فيغدو التأويل الشعبي لصدامه مع تجار المخدرات المحليين استعارة افتراضية تتجاوز حدود علاقة تلك الطبقات بالسلطة في تجلياتها الأمنية البسيطة. النزوع إلى تمثل المجازات هو ما يخلق دائرة من أصدقاء البطل الراوي، هم فئة ناجية تتخبط في تمرداتها عن السياق للبحث في أسئلة الوجود المطلقة تحت تأثير المخدرات.
الرواية تحكي في مفصليها المركزيين عن الأب في مرضه ووفاته، ثم عن الصديق "مظهر" في تبدلاته وفلسفته الفانتازية، ثم مقتله العبثي والمغرق في عجائبيته. وتتخلخل البنية السردية بين البطلين الافتراضيين، فالرواية تتكون من أربعة أجزاء مركزية مقسمة إلى عناوين فرعية أو فصول. الجزءان الأول والثاني يمثلان حضور الأب المسجى (الأول) أو في مشاهد الدفن (الثاني)، نقطة مركزية للانطلاق نحو تأويل العوالم الموازية وهي "الشلة" و"الحبيبة" و"العمل". وفيما مشهدا الأب الافتتاحيان يؤرخان لعالم ينهار تحت سماء السلطة المضمحلة للأب، يحاول البطل البحث عن مبررات هذا الانهيار في عالمه الداخلي. يتساءل عن الفارق بينه وبين أبيه، فكلاهما فاشل لكن الأب لا يعرف ربما للحظة أنه فاشل، فيما يدرك الابن فشله وانهياره. هو يستعذب تلك الهاوية ويؤرخ، رجوعاً إلى حكاياته مع الأب، لفلسفته الخاصة في اللاصراع. يبحث وهو يطارد تلك الأشباح عن وسط خال من فجاجات النجاح. تغدو شلة المأفونين بالفشل في بارات وسط العاصمة بعيدة عن طموحاته، فيعود إلى جرحى الفشل في الحس. ثم يمثل دفن الأب قراراً مركزياً في بناء الرواية بضرورة الاختلاف والتمرد، ليس على الفشل الذي كان، بل باختياره فشلاً يحبه، فشلاً معنوناً في حبيبة، ثم صدامه مع شلة الحي بعد انفراط عقد تواطئهم عند استقبالهم لأحد الأعضاء الجدد (ربيع). يحاول البطل بعدها التعلق بفضاء جديد، حين يصادق "سيد الجن" قواد عمارة المومسات. لكنه، فيما الفجوات تتسع داخل النص، يترك عمله في كتابة الإعلانات ليستسلم لهلوسة العمل كموظف أمام شاشات الحاسب في مقهى للإنترنت. يدخل البطل في واقع افتراضي جديد عالمه الشاشات وعناوين مبهمة لـ"الشات". البطل يجتر أمام الكمبيوتر أسباب فشل علاقته بالفتاة التي لم يحبها يوماً. البورترية هنا غير ناجز، فلا نرى تلك الفتاة إلا في مشاهد بداية العلاقة ونهايتها، وكأنه يؤرخ للحظات التأجج العاطفي، نازعاً عن صيرورة العلاقة وحكاياتها أي قيمة.
الجزء الرابع من الرواية والذي يبدو مؤجلاً عن عمد في إطار لعبة هدم البناء، حين يحكي عن بطل الرواية الثاني "مظهر" الذي ما كاد يظهر عبر صفحاتها السابقة إلا في مشاهد مجزأة وكأنها تحيل على حادث مركزي مفقود. هاهو الحادث المركزي غير موجود أيضاً حين يقتل والد مظهر ابنه بطريقة مفزعة. البطل، حين يروي حكاية مظهر، يحاول التستر على مشهد القتل إلى النهاية، يقدم المشهد الذي يسبقه، ثم الذي يليه، محيلاً كثافة حادثة القتل بدلالاتها المفزعة إلى خيال القارئ فيما هو بعد ذلك يقدم تفاصيل علاقة مظهر بأبيه تاريخياً، ثم ما ترتب على قتل مظهر من قبض الضابط (شريف الحي) على الشلة وتعذيبه للبطل، لينهار البطل مرة أخرى بعد أن سقط "مظهر" صريعاً دون أي وعد ببداية جديدة. إنه الفشل الوجودي الكامل والشفيف.
الراوي في كل محاولاته لرسم ملامح شخصياته ينزع إلى تمثيلها كاريكاتيرياً، ربما إخلاصاً لروح السطرية التي تغلف عالم الرواية المأسوي، لا حضور فيزيائياً وصفياً لشخصياته، الشخصيات فيما عدا ذلك تتحرك وتتحدث فقط منزوعة عنها ملامح الوجه وكأنه يرسم كاريكاتيراً لأجساد دون وجوه.
أما آخر محاولات الخلخلة، فهو حضور الراوي الذي يظهر ويختفي ليحل محله راو منفصل بتقنية متداخلة الأصوات. فإذا ما أضفنا إلى ذلك قلة الحوارات المباشرة، أصبح العمل ببنائه وشخوصه ولغته مستويات متعددة لخلخلة عالم الرواية بأكملها. في النهاية تبدو "بمناسبة الحياة" رواية تؤرخ لعالم يتداعى من ثقل الوراثة، وتسخر من سلطة القارئ الذي لن يتسامح مع نفسه إذا ما حاول القراءة المبسطة. فبين صفحات "بمناسبة الحياة" أكثر من قنبلة مخبوءة بعناية بين خلخلات النص، والتي لا يمكن استعادة ألق انفجارها إلا عبر قراءة واعية ومنضبطة تخضع تلك الخلخلات إلى قانونها الخاص. هي تؤرخ لبداية نوع من الكتابة التي يبقى قانونها عصياً على التصنيف لأنها فيما تغيّر وتستبدل، تسعى إلى هدم اليقين الروائي، ليس بحثاً عن يقين مواز، بل بمناسبة الكتابة، أو بمناسبة الحياة التي نحياها على مضض ودون أحلام وربما أخيراً بلا مناسبة.
المستقبل - الأحد 12 شباط 2006 - العدد 2178 - نوافذ.