قبل عشرة أيام على 25 يناير كنت في مصر أقضي إجازتي السنوية، للعام الثالث على التوالي أعود برغبة المستكشفين، أسير في الشوارع أنظر إلى الوجوه، أتسمع بفضول إلى ما يقوله الناس، أثرثر مع كل من أقابله. شهر واحد متاح أمامي اختزن فيه آلاف الصور والكلمات أعيش عليها حتى يحين موعد العودة.
غير أن شيئاً كان مختلفاً هذا العام، كأني نزلت إلى بلد آخر، هدوء لم اعتده، تحفظ لا يمكنني تبين أسبابه، أقول لنفسي ربما أنا من تغيرت أو نسيت. أسأل أصدقائي فيردون بكلمات مبهمة... ربما لم يفهموا ما أعني، أو يرجعون هذا إلى أعراض الغربة، أو أنهم مشغولون بما يكفي، عالقون في الماكينة اليومية التي لا ترحم أحداً ولا وقت معها للتفكير في أسئلة «زائر» مشغول بإعادة رسم صورة وطنه.
عندما عدت إلى الكويت كان السؤال المعتاد: ماذا رأيت؟ مضافاً إليه هذه المرة: هل هناك استعداد لتظاهرة 25 يناير؟ أرد وأنا لست واثقاً جداً مما أقول: الأوضاع في مصر هادئة بشكل مريب. إجابة لا ترضي أحداً، لكن ماذا أفعل؟ هذا ما رأيته، كيف كان لي أن أعلم أن الشعب يخطط على مهل لثورة ستقلب العالم رأساً على عقب؟ ثورة لم تتوقعها أجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية التي تعيش بيننا بمباركة اتفاقية قيل إنها ستجلب الرخاء ولم تزدنا إلا فقراً. مثلما خدع السادات إسرائيل يوماً، خدع الشعب اليوم أحد قيادات تلك الحرب، الرئيس الذي كان يظن أنه ربى شعبه وفق مبادئه: ما يقوله وما يريده هو الأصلح لنا جميعاً، من حقنا أن نعترض، لكن الكلام يطير في الهواء ويرتد إلينا، ولمَ لا ألسنا شعباً تنقصه المعرفة السليمة بالممارسة الديموقراطية مثلما قال رئيس وزرائه السابق الذي تمت التضحية به، وانتهى به الحال باكياً على هذا الخروج المذل.
قبل عودتي بأسبوعين كنت أعمل على إنهاء بعض الأوراق في المصالح الحكومية، الطوابير نفسها، تبرم الموظفين من المراجعين، الرشى التي يجب دفعها لتخليص المعاملات (لدينا فتوى من أحد الشيوخ بأن هذه لا تعد عند الله رشوة لأننا مجبرون عليها)، لكن المواطنين مثلي لا تبدو عليهم علامات الضجر المعتادة، ينتظرون في صبر وسكون، غير أن أحدهم خرج عن الخطة المرسومة، علا صوته ينهر الموظفة المشغولة في الحديث مع زميلاتها عن إنجاز معاملات من يقفون أمامها مثل التلاميذ. صرخ فيها بحدة: أنتِ هنا لخدمتنا. اعتبرت هي أن ما يقوله إهانة، هددته بأن تقدم فيه بلاغاً بالتعدي على موظف أثناء تأدية عمله، تدخل الآخرون بينهما، همس له أحدهم بشيء ما، عاد بعدها إلى سكونه، اعتذر لها وعلى وجهه ابتسامة راضية. وأنا أتابع التظاهرات في ميدان التحرير كنت أبحث عن وجهه بين الناس.
لم أربط الأمور ببعضها بعضاًً إلا عندما اشتعلت الثورة، تذكرت سائقي التاكسيات المعروف عنهم انتقادهم لكل أمور البلد، كل واحد منهم وحسب التخصص الذي يحبه يقدم خطة بديلة لما ينبغي أن تسير عليه الحكومة، من يفهم في الهندسة المعمارية تجده يحدثك عن الأخطاء التي يتم ارتكابها في بناء المنشآت، هناك من سيحدثك عن الكيفية التي يمكن من خلالها حل مشاكل المرور، وهكذا حتى نصل إلى السياسة الخارجية، وفي النهاية لن تجد رأياً واحداً يقول إن الأوضاع تسير على ما يرام، غير أنني في زيارتي هذه لم أجد من يدلي باقتراحات جديدة، هل أصبح الجميع راضين إلى هذا الحد؟! أحدهم وبعدما وصلتُ إلى المكان الذي أريد وبينما أفتح الباب قال «مفيش حاجة بتفضلْ على حالها».
ربما هذا ما يصنعه خيالي، ربما تصلح هذه كفكرة لرواية... هل اتفق الشعب كله على الثورة من دون أن تدري الأجهزة الأمنية والمخابراتية؟! ربما، لكن ما هو مؤكد أن فكرة الثورة على الأوضاع كانت مطروحة على ذهن كل مصري خلال العشر سنوات الماضية على الأقل، والخبراء يمكنهم أن يعددوا الأسباب... الغلاء الفاحش، عدم تناسب الأجور مع الأسعار، البطالة، الفقر، غياب المشاركة السياسية، وكل ذلك صحيح لكن أياً من ذلك ليس السبب الرئيسي، هناك ما هو أهم.
يحب المصري أن يكون لديه برنامج خاص لحياته، موظفاً كان أم رجل أعمال، طبيباً أم عاملاً، لديه مهمة ملتزم بها، يؤدي عمله ويربي أولاده في وطن يتبادل معه الإلفة والمحبة، إذا خرج من هذا الوطن مضطراً فإنه يحسب بالساعات الوقت الذي سيبقيه بعيداً عنه.
ما حدث أنه، ومنذ منتصف عهد مبارك تقريباً، بدأ المصريون يفقدون الاحساس بفكرة الوطن، بات هذا الوطن عبئاً يحملونه فوق ظهورهم، يخدمونه ولا يقدم لهم شيئاً، كل الشعارات تقول إن هذا الوطن تحول إلى صنم نعبده وهو العاجز عن دفع الضر عن نفسه، يتغير شعار الشرطة من «الشرطة في خدمة الشعب» إلى «الشعب والشرطة في خدمة الوطن»، تذاع الأغاني الوطنية الحماسية في الصباح بلا سبب، والسؤال الأساسي من الإعلام لمواطنيه: إلى أي مدى تحب مصر؟
إن كنت تحب مصر عليك بالصمت، هناك من يفهون أكثر منك ويعرفون قيمة هذا البلد، يضمنون استقراره، وقد وهبهم الله شباباً دائماً فلا يشيخون حتى يظلوا باقين يحمون أرض الكنانة، وجوه لم تتغير منذ ثورة يوليو، تخرج من ذاك المنصب إلى غيره... لا أهمية لما نريده، فقط ما يعلنونه، أما أنت فما زلت صغيراً وهناك الكثير لتتعلمه، والنجاح لا يأتي دفعة واحدة، عليك بالصبر والعمل والاجتهاد، ليس مهماً أنك لم تحقق شيئاً وقد قارب عمرك الأربعين، نحن فانون، قبضُ ريح، الوطن... مصر هي من ستبقى. إن لم تسمع هذا من السياسيين، ستسمعه من الإعلام، وإن هربت منهما سيقوله لك الشيخ يوم الجمعة في المسجد، أو في الكنيسة يوم الأحد، وإذا طاردك الشيطان الذي يوسوس للناس بالشر واندفعت إلى طريق الإدمان ستوصم بأنك من «شباب البانجو والحشيش» الشباب الضائع الذي لا يريد أن يعمل، العمل ليس عيباً بالمناسبة، ما المشكلة إن كنت خريج كلية الحقوق وعملت كفرد أمن مثلما نصحت وزيرة القوى العاملة الشباب في لقاء تلفزيوني. هل كنت تمني نفسك أنها الكلية التي تخرج منها ألمع الزعماء والقادة، هذا كان زمن آخر، قبل أن يزداد عددنا إلى هذا الحد، ألم يحذر السيد الرئيس من أنه لا بد من وضع حد لتكاثرنا، ها هي النتيجة.
خلال الأعوام الماضية ومع ذلك الجمود فقدنا الاحساس بأن هناك شيئاً يحدث، يمر العمر علينا ولا نشعر به، لا فرق بين صبا وشباب وشيخوخة، ليس هناك تنافس، الخطط موضوعة ولا نقاش فيها، المقاعد محجوزة بالفعل، وكي تضمن مكاناً عليك أن تنزع من داخلك كلمة «لا»، وبعد أن تخدم في المكان الذي تم اختيارك له بإخلاص سيتم النظر في أمرك، ومن يدري ربما يوماً تنال ما تريد، المهم ألا تنظر إلى ما «متعنا به غيرك»، مصر تتبع (إسمياً) نظام الاقتصاد الحر الذي يعني أن المغامر هو من سيفوز، إن استمعت إلى الشائعات عن العلاقات والتربيطات والصفقات فأنت لا تفعل سوى إفساد حياتك... هل ستفسدها وقد أوشكت الأبواب أن تنفتح؟ «إحمد ربك وارضَ»، شاهد فيلماً من أفلام الموجة الشبابية قبل أن تنام فكمُّ السخرية فيها يجعلك تنفس عن غضبك، أو ربما تفضل مشاهدة واحدة من القنوات الدينية لتعرف أن ما عند الله «خير وأبقى».
منذ 25 يناير وذاكرتي تتدافع فيها مئات الصور التي كنت استطعت تغييبها لوقت... من ماتوا تحت التعذيب والقهر والإحباط، من انتحروا يأساً، من ماتوا على الطرق التي لا تصلح للاستخدام، ومن ماتوا في عبارة منتهية الصلاحية، ومن ماتوا من غذاء مسرطن.
بالتأكيد كنت أتمنى أن أكون في ميدان التحرير الآن أصرخ مع من يصرخون، أخرج غضباً ما عشناه من إحباط ويأس، إنما مع ذلك، نحن المغتربين لم نغادر مصر، نعيش ما يحدث فيها لحظة بلحظة، وإن كان قد فاتنا شرف المشاركة فإن ما يهون علينا لحظات الفرح التي تعيشها الآن أرواح ضحايا ذلك النظام. نسترد القدرة على الحلم بأننا سنتمكن من تربية أولادنا في مناخ بلا قهر ولا ظلم، حيث يمكــنهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات لاختيار من يمثلــهم مــن دون قهــر أو تزوير.
أحلم أن أرى أكثر من مرشح يتقدمون إلى الشعب ببرامجهم الانتخابية ونحن نختار من بينهم، أتمنى أن أرى مناظرات سياسية بين المرشحين على التلفزيون، وليس جهازاً إعلامياً يخدم شخصا واحدا فقط، أتمنى أن أرى رئيسا يرحل بعد انتهاء مدته، لا يزيف الدستور ليجلس في مكانه مدى الحياة، ثم يأتي بابنه من بعده، أتمنى أن تخلو الشوارع من صور الرئيس الذي لا يحبه أحد.
أرغب في وطن حر يكون فيه للشعر وللكلمات معنى.
نشر في "السفير"